عملية

عملية "غصن الزيتون".. أنقرة تبحث تأمين حدوها بعد إحباطها من واشنطن

عملية "غصن الزيتون" التركية في عفرين، دليل على إحباط أنقرة من واشنطن (الأناضول)

عمّقت الولايات المتحدة بسياستها أحادية الجانب، من شروخ الأزمة السورية الراهنة، بعد إعلانها قبل أيام عزمها تدريب قوات حدودية محلية في سوريا، لنشرها لاحقًا على طول الشريط الحدودي الشمالي لسوريا مع تركيا، ما دفع الأخيرة لبدء عملية عسكرية في منطقة عفرين الخاضعة لنفوذ وحدات حماية الشعب الكردية، قال مسؤولون أتراك إن الهدف منها تأمين الشريط الحدودي من المنظمات الإرهابية المنتشرة في المنطقة.

أطلقت تركيا عملية عسكرية في منطقة عفرين الخاضعة لسيطرة الأكراد شمال سوريا، ردًا على التحركات الأمريكية في المنطقة

أنقرة ترد على واشنطن بالقوة

العملية العسكرية التي أطلقت عليها القوات التركية "غصن الزيتون"، بدأتها السبت الماضي في هجوم جوي وبري استهدف مواقع وحدات حماية الشعب في منطقة عفرين، قبل أن يشرع مقاتلون من الجيش السوري الحر، بدعم من القوات الخاصة التركية، في اقتحام قرى ريف عفرين من ثلاثة محاور، في محاولة للسيطرة على المنطقة الحدودية مع تركيا.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا قد يبدي الأسد استعدادًا للتفاوض مع الأكراد للحكم الذاتي؟

والعملية برمتها جاءت ردًا على إعلان التحالف الدولي في 14 كانون الثاني/يناير الجاري، تشكيل قوة حدودية قوامها 30 ألف مقاتل للانتشار على طول الحدود الشمالية لسوريا مع تركيا والعراق. وعلل التحالف إنشاء القوة التي أثارت غضب أنقرة، بأنها لتأمين "الحدود من خلال تأمين نقاط التفتيش بحرفية وإجراء عمليات لمكافحة العبوات الناسفة بدائية الصنع"، على أن تقودها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل عمادها الأساسي الوحدات الكردية (وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة).

وقد دخلت أنقرة في خلاف مع واشنطن منذ أيار/مايو 2016، عندما وافقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تزويد مقاتلي قسد بأسلحة أمريكية متطورة لاستخدامها في عملية استعادة الرقة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، دون أن تستجيب للدعوات التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مطالبًا واشنطن بـ"التراجع عن هذا الخطأ"، برفقة تجاهلها تصريحات مسؤولين أتراك بأن أنقرة "سوف ترد على أي تهديد إرهابي مهما كانت مصادره".

لماذا مدينة عفرين؟

تقع مدينة عفرين في ريف حلب الغربي شمالي سوريا، وتبعد عن مدينة حلب نحو 60 كيلومتر. وهي واحدة من التجمعات المدنية الثلاث بالإضافة لمدينتي الحسكة وعين العرب (كوباني)، التي تتبع بتنظيمها الإداري لمنطقة الجزيرة السورية، فضلًا عن أنها منطقة حدودية مع ولاية هاتاي في جنوب تركيا. 

وتشتهر المدينة التي يتبع لها نحو 350 قرية بزراعة الزيتون والرمان، وتأوي في الوقت الحالي نازحين من مختلف المدن السورية التي تعرضت خلال الأعوام الماضية لعمليات قصف جوي مركز من قبل مقاتلات النظام السوري، حيثُ أنها نجت من عمليات القصف الجوي العشوائي للنظام السوري بسبب خضوعها لنفوذ القوات الكردية.

ويسيطر على المدينة منذ انسحاب النظام السوري منها وحدات حماية الشعب الكردية، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الموالي لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة بالإضافة لدول أخرى بينها ألمانيا، على أنه "منظمة إرهابية". ويرجع تأسيس وحدات الحماية لعام 2004 بعد أن قمع النظام السوري احتجاجات الأكراد في مناطق توزعهم السكاني في مختلف المدن السورية.

غير أن الوحدات الكردية لم تظهر للساحة العسكرية إلا في عام 2012، بعدما تتالت عمليات الانشقاق عن قوات النظام، وفقد أعدادًا كبيرة من مقاتليه، قام على إثرها بتسليم مناطق نفوذه في الجزيرة السورية للوحدات الكردية بهدف حمايتها من سيطرة المعارضة السورية عليها.

وبرزت وحدات حماية الشعب إلى جانب وحدات حماية المرأة، كقوة عسكرية منتصف عام 2014، حين أطلقت عملية عسكرية بدعم من الولايات المتحدة لاستعادة مدينة عين العرب (كوباني) من قبضة داعش. واستطاعت استعادتها مطلع 2015. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2015، أُعلن عن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يشكل عمادها الأساسي الوحدات الكردية، وذلك بهدف قتال داعش في المناطق الشمالية الشرقية، على أن تتلقى الدعم من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.

روسيا وإيران حملتا تحركات واشنطن المسؤولية عن عملية تركيا في عفرين، بينما تجنبت ألمانيا انتقاد العملية بشكل مباشر

وتغير الحال مع تحول قسد التي تقودها الوحدات الكردية لقوة عسكرية لها وزنها على الأرض، فبدأ حزب الاتحاد الديمقراطي بالحديث عن إنشاء حكم "إدراة ذاتي" للأكراد في شمال شرق سوريا على الشريط الحدودي مع تركيا، امتدادًا من ريف دير الزور الشرقي أقصى الشرق، وصولًا لعفرين بأقصى الشمال، الأمر الذي دفع أنقرة لإطلاق عملية "درع الفرات" في أب/أغسطس 2016 التي اخترقت المناطق التي كانت قسد ترمي وصلها ببعضها.

حذر دولي في التعليقات على "غصن الزيتون"

أولى ردود المجتمع الدولي على عملية "غصن الزيتون" كانت من موسكو، الحليف الداعم لرئيس النظام السوري بشار الأسد، حيثُ حمًلت واشنطن التوترات التي أودت بالمنطقة للعملية العسكرية التي أطلقتها أنقرة، بعدما قالت وزارة الدفاع الروسية إن "العمليات غير الخاضعة للرقابة التي يقوم بها البنتاغون لتسليح تشكيلات مؤيدة للولايات المتحدة في شمالي سوريا"، كان السبب وراء توتر الوضع العسكري في عفرين.

اقرأ/ي أيضًا: تركيا تقتل طموح الأكراد

بينما أظهرت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس عدم رغبة واشنطن التصعيد الدبلوماسي، مكتفيًا بالحديث عن إخطار أنقرة لبلاده عزمها شن الهجوم العسكري مدينة عفرين، لكن المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر ناورت حثت أنقرة في بيان منفصل، على "ضبط النفس"، و"ضمان بقاء العملية العسكرية في نطاق محدود"، ما قد يشير لانقسام داخل الإدارة الأمريكية في الموقف من "غصن الزيتون".

وفي الوقت الذي تحاول الأطراف الدولية التي تملك تواجدًا عسكريًا كبيرًا في سوريا، أن تلتزم بالخط الدبلوماسي لتصريحاتها دون أن تذهب للتصعيد الإعلامي، كان رد فعل الدول الأوروبية متباينًا، فقد دعت فرنسا مجلس الأمن لاجتماع عاجل لبحث آخر التطورات العسكرية في سوريا، وقد كان دون المتوقع مع غياب لأبرز ممثلي الدول الأعضاء في المجلس، ودون أن يتوصل لقرار بشأن المسألة، بينما تجنبت ألمانيا انتقاد العملية بشكل مباشر بعدما أوضحت المتحدثة باسم الخارجية الألمانية ماريا أدباهر أن برلين "لا تملك صورة كاملة عن الموقف، لذا فهي لا تستطيع أن تصنف العملية التركية ضمن القانون الدولي".

مقابل ذلك كانت بريطانيا أكثر وضوحًا حين صرحت المتحدثة باسم رئيسة الوزراء تيريزا ماي بأن بلادها "تقر بأن لتركيا مصلحة مشروعة تخص أمن حدودها"، وهو ما يعطي إشارة واضحة على دعم لندن للعملية التركية في شمال سوريا، في ظل انقسام بين المجتمع الدولي، ومضي أنقرة قدمًا في عمليتها العسكرية، والتي قال عنها أردوغان إنها "ستنتهي عند تحقيق أهدافها على غرار درع الفرات".

وعلى الرغم من تحذيرات النظام السوري بأنه سيعتبر العملية العسكرية التركية في شمال سوريا "عدوانًا"، وتهديده بـ"تدمير الأهداف الجوية التركية في السماء السورية"، فإن دمشق التزمت الصمت منذ بدء الهجوم الجوي والبري على منطقة عفرين، إلا أنه من المرجح أن تقدم دمشق للقوات الكردية الدعم عبر السماح لهم بالعبور من مناطق سيطرنها إلى مدينة عفرين التي يحيطها من أطرافها قوات النظام، وفصائل المعارضة، والحدود التركية، حيثُ تدرس قسد إمكانية استقدام تعزيزات عسكرية للمنطقة.

بيد أن اللافت في مجمل التصريحات السابقة ما نقلته وكالة تسنيم الإيرانية على أن رئيس هيئة الاركان الإيرانية محمد باقري أكد لنظيره التركي خلوصي آكار (الذي يشرف على عملية غصن الزيتون) خلال اتصال هاتفي، أن طهران تعتبر العملية العسكرية لأنقرة "في إطار حق الدفاع المشروع"، مطالبًا أنقرة بالتصريح "أنه ليس لديها اطماع في سوريا" على حد ما ذكرت الوكالة، ما يشير لتفاهمات إيرانية تركية حول عدم السماح للأكراد بتنمية نفوذهم في المنطقة.

هل تنسحب وحدات حماية الشعب من عفرين؟

ويظهر من عملية "غصن الزيتون"، وما رافقها خلال الأيام الماضية من تصريحات، عزم أنقرة طرد وحدات حماية الشعب من المدينة، وهو ما انعكس بشكل واضح على تصريحات الرئيس التركي لأكثر من مرة، والتي يرمي فيها لتأمين الشريط الحدودي مع الداخل السوري.

وبالإضافة لذلك فإن تقارير صحفية، من بينها تقرير لصحيفة "فزغلياد" الروسية، تحدث عن صفقة روسية تركية، تتضمن استعادة النظام لمطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب، مقابل سيطرة قوات المعارضة المدعومة من أنقرة على مدينة عفرين. ويدعم هذه الشكوك ما صرح به سبان حمو قائد وحدات الحماية، الذي اتهم موسكو بـ"الخيانة والغدر"، مشيرًا إلى أن موسكو منعت النظام السوري من التدخل عسكريًا لصالح الوحدات الكردية.

ويبدو فعليًا أن الأكراد كانوا يأملون أكثر من ذلك من حلفائهم، وبالأخص واشنطن التي قدمت لهم الدعم خلال الأشهر الماضية، لكن الوضع على الخارطة يؤكد أن موسكو هي من يملك زمام القرار في الأزمة السورية، ويبدو ذلك جليًا من خلال ما كشفه القيادي في حركة المجتمع الديمقراطي الكردي ألدار خليل، والذي تحدث عن مقترح قدمته موسكو للأكراد تطلب فيه تسليم عفرين للنظام السوري تجنبًا لأي عملية عسكرية من الجانب التركي لكن الأكراد رفضوا المقترح الروسي.

يظهر من عملية "غصن الزيتون"، وما رافقها من تصريحات، عزم أنقرة طرد وحدات حماية الشعب من المدينة

وتأتي العملية التركية ضد أبرز حلفاء واشنطن المحليين على الخارطة العسكرية السورية، بعد أيام قليلة من إعلان وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أن بلاده ستحتفظ بوجودها العسكري في سوريا لأن ابتعادها عن المنطقة "سيتيح لإيران فرصة لتعزيز موقفها" في إشارة لوصول الميليشيات المدعومة من طهران للحدود العراقية – السورية، وهو ما يؤكد أن الأزمة السورية لا تزال بعيدة عن حل سياسي طالما أن الخلافات تتعمق أكثر من قبل بين الأطراف الدولية الفاعلة في الساحة السورية، ويسعى كل طرف لأن يكون صاحب القرار الأخير في إنهائها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في أعقاب الانقلاب.. شرخ كبير بين تركيا وأمريكا

لماذا دخلت تركيا إلى الحرب السورية