في أعقاب الانقلاب.. شرخ كبير بين تركيا وأمريكا

في أعقاب الانقلاب.. شرخ كبير بين تركيا وأمريكا

أردوغان في لقاء سابق مع أوباما (Getty)

سارع أوباما بالانحياز إلى عودة أردوغان إلى السلطة، لكن الزعيم التركي يعتبر واشنطن مسؤولة جزئيًا عن الانقلاب على أية حال. المقال التالي ترجمة لتقرير "فورين بوليسي"عن توتر العلاقات التركية الأمريكية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا.

ربط أردوغان ومساعدوه العنف بكولن وألمحوا على نحوٍ غير مباشر إلى أن واشنطن تتحمل بعض المسؤولية لأن رجل الدين التركي يعيش في الولايات المتحدة

___

قضت إدارة أوباما أعوامًا تتصارع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن البيت الأبيض سارع إلى إدانة محاولة انقلاب يوم الجمعة وأعلن بوضوح أنه يؤمن بأن أردوغان -مهما كانت عيوبه- هو الزعيم الشرعي لبلاده ويجب إعادته إلى السلطة في أسرع وقت.

اقرأ/ي أيضًا: أمريكا والانقلاب الأخير في تركيا

قد لا يكون هذا كافيًا لمنع الانقلاب الفاشل من أن يصبح أحدث توترٍ في علاقة واشنطن الباردة مع أحد أقرب حلفائها في الإقليم.

لطالما أرادت الولايات المتحدة من أردوغان القيام بالمزيد لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وتخفيف نزعاته التي تزداد سلطوية، لكن يبدو من المرجح أن تدفع محاولة الانقلاب أردوغان إلى الاتجاه المعاكس. وجه المسؤولون الأتراك، من جانبهم، اللوم عن الانقلاب إلى فتح الله كولن، وهو رجل دين يبلغ من العمر 75 عامًا يعيش بالمنفى في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وألمحوا إلى أن واشنطن متورطة على نحوٍ ما في محاولة الانقلاب، وهي اتهاماتٍ أنكرها البيت الأبيض بغضب.

"كان الجانب الأكثر إضرارًا للأيام القليلة الماضية هو الخطاب العدائي التركي الموجه إلى الولايات المتحدة"، قال نيكولاس هيراس من مركز الأمن الأمريكي الجديد، والذي قام ببحثٍ ميداني واسع النطاق في تركيا. "من الواضح أن أردوغان يأخذ وجود كولن في الولايات المتحدة على محملٍ شخصي ولا يستطيع أن يفهم كيف لرجلٍ يعتبره إرهابيًا أن يعيش بحرية هنا".

ظهرت التوترات المتنامية بوضوح مباشرةً عقب محاولة الإطاحة بأردوغان عسكريًا، والتي أسفرت عن مقتل 290 شخصًا وتركت تركيا -الدولة العضو بالناتو التي تطمح إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي يومًا ما- فاقدةً للتوازن.

أوقفت تركيا يوم السبت جميع عمليات الولايات المتحدة والناتو انطلاقًا من قاعدة أنجرليك الجوية، والتي تضم 1,500 جندي أمريكي على الأقل وتعد مركزًا حيويًا في الحرب الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كما قامت أيضًا بقطع الكهرباء عن القاعدة، تاركةً القوات الأمريكية تستخدم ما وصفته وزارة الدفاع بـ"مصادر طاقة داخلية".

اقرأ/ي أيضًا: الجدول الزمني لصعود وهبوط الانقلاب في تركيا

برر المسؤولون الأتراك قرار الإغلاق بقولهم إن مدبري الانقلاب كانوا يعملون انطلاقًا من قاعدة أنجرليك واستخدموا ناقلات وقود جوية بالقاعدة لإعادة تزويد مقاتلات F-16 التي يقودها طيارون داعمون للانقلاب بالوقود. تم القبض على الجنرال بكير إركان خان يوم الأحد إلى جانب ضباط آخرين بالقاعدة، لكن تركيا قامت أيضًا بإعادة فتح مجالها الجوي أمام الطائرات الحربية الأمريكية.

أيضًا مما يقلق الإدارة بنفس القدر هو اتهام مسؤولٍ كبير بحكومة أردوغان لواشنطن بالمساعدة مباشرةً في التحريض على الانقلاب، كما قال وزير العمل التركي سليمان سويلو بوضوح إن "الولايات المتحدة تقف وراء محاولة الانقلاب". ربط أردوغان ومساعدوه العنف بكولن وألمحوا على نحوٍ غير مباشر إلى أن واشنطن تتحمل بعض المسؤولية لأن رجل الدين التركي يعيش في الولايات المتحدة.

استدعت تلك الاتهامات توبيخًا حادًا من وزير الخارجية جون كيري. حسب وزارة الخارجية، فقد استخدم كيري محادثةً مع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو ليكرر الإعراب عن "دعم الولايات المتحدة للحكومة المنتخبة ديمقراطيًا في تركيا"، وليشدد على أن "التلميحات أو المزاعم بشأن أي دورٍ للولايات المتحدة في الانقلاب الفاشل هي خاطئة بالكامل ومضرة لعلاقاتنا الثنائية".

أيضًا حث كيري بوضوح على "ضبط النفس من قِبل الحكومة التركية واحترام الإجراءات القانونية -والالتزامات الدولية- بينما تحقق وتكتشف عن معلوماتٍ إضافية بشأن المتورطين".

بغض النظر عن الخطاب الحاد، من غير الواضح إلى أي مدى تعتزم تركيا الذهاب في محاولة إجبار واشنطن على إعادة فتح الله كولن لتركيا

تلك المناشدة من المرجح أن تقع على آذانٍ صماء بالنسبة لأردوغان، الذي أطلقت حكومته بالفعل حملةً واسعة ضد مدبري الانقلاب المفترضين. تم بالفعل اعتقال ما يصل إلى 6,000 شخص – من بينهم 3,000 ضابط وجندي من الجيش. يقول مسؤولون أتراك إنهم مستمرون في البحث عن مدبرين محتملين آخرين وقد أصدروا يوم الأحد مذكرة توقيف بحق أكبر مساعد عسكري لأردوغان، الكولونيل علي يازجي. يقول الزعيم التركي إن هؤلاء المتورطين في الانقلاب سوف "يدفعون ثمنًا باهظًا لخيانتهم".

تأتي الانتقادات الحادة المتبادلة عقب الانقلاب في أعقاب انتقادات الولايات المتحدة المتكررة لنزعات إردوغان التي تزداد سلطوية، والتي تجسدت على سبيل المثال في فتح حوالي 2,000 قضية ضد معارضين سياسيين وصحفيين وكوميديين ومواطنين أتراك عاديين متهمين بإهانة الرئيس.

كما قال مسؤولون كبار بإدارة أوباما، من بينهم نائب الرئيس جو بايدن، إنه يجب على إردوغان تكثيف جهوده لإغلاق الحدود الجنوبية لتركيا مع سوريا لمنع الجهاديين الأجانب من المرور عبرها للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية. في وقتٍ سابق من هذا العام، على سبيل المثال، قال وزير الدفاع آش كارتر إنه "يود أن تقوم تركيا بالمزيد" لمحاربة التنظيم.

أظهرت أنقرة، من جانبها، غضبها من الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية، والتي اتضح أنها أحد أكثر حلفاء واشنطن فاعلية في الحرب البرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ترى أنقرة وحدات حماية الشعب كامتدادٍ لحزب العمال الكردستاني، وهو مجموعة مسلحة قتلت المئات من المدنيين وقوات الأمن الأتراك في معاركها من أجل إنشاء دولة كردية جنوب شرقي تركيا. تعتبر تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني جماعةً إرهابية، وقد تم توجيه اللوم إلى الأكراد عن سلسلة التفجيرات الأخيرة داخل تركيا.

يعلم هيراس من مركز الأمن الأمريكي الجديد أن أنقرة تعلم أن واشنطن بحاجةٍ إلى مساعدتها في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية لكنه ربما يحذر من أنها سوف تقلص مشاركتها إلا إذا سلمت الولايات المتحدة كولن إلى تركيا. "سوف يستخدم أردوغان كولن كفاتورة"، قال هيراس.

بغض النظر عن الخطاب الحاد، من غير الواضح إلى أي مدى تعتزم تركيا الذهاب في محاولة إجبار واشنطن على إعادة رجل الدين. قال المتحدث باسم وزارة الخارجية جون كيربي يوم الأحد إن الولايات المتحدة لم تتلق بعد طلب تسليم رسمي من تركيا، ويقول كيري ومسؤولون آخرون بالإدارة إنه سيكون على أنقرة أولًا تقديم أدلة واضحة ومقنعة على تورط كولن المباشر في الانقلاب الفاشل، وهو عائق قد لا تستطيع تركيا تجاوزه.

لكن حتى إذا انتهى الجدل بشأن كولن، من شبه المؤكد أنه سيكون على واشنطن الجلوس ومشاهدة أردوغان يتجاهل مناشداتها بضبط النفس ويستخدم الانقلاب الفاشل للمزيد من تعزيز سلطته والتخلص من أعدائه الحقيقيين والمُتصورين.

اقرأ/ي أيضًا: 

الإثارة الانقلابية التركية