عالم ما بعد الكورونا

عالم ما بعد الكورونا

أليكس فالكو/ كوبا

على خلاف ما يروج له الإعلام الغربي من تهديدات وتهويلات ضد الصين، حكومة وشعبًا، بسبب فيروس كورونا، من المرجح أن العلاقة بين العالم الغربي والصين ستستمر وربما تصبح أكثر تشابكية وتواكلية في فترة ما بعد الكورونا. إذ عانت كل دول العالم من المرض وتبعاته بشكل متساوٍ إلى حد ماِ، عندها ستبقى موازيين القوى العالمية مثلما عهدناها، متمركزة بالولايات المتحدة وحلفائها. لكن، ستكون هناك أيضًا إعادة تعريف لعلاقة الصين بالعالمين الغربي والنامي، وهذا لا ينفي أن الصين ستكون موضع الكثير من النقاش والخلاف العالمي، أما الخاسر الأكبر ضمن هذه المعادلة هي دول الهامش في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا. 

رغم ما يروج له الإعلام الغربي من تهديدات ضد الصين، من المرجح أن العلاقة بينهما ستستمر في فترة ما بعد الكورونا

هناك اتهامات للصين بأنها كانت تعرف مدى خطورة هذا الفيروس خلال الأسابيع الأولى من ظهوره ولكنها أخفت حقيقته عن العالم، مما جعل العالم الخارجي يبخس بتقدير فظاعة الفيروس وسرعة انتشاره، فقامت بترك حدودها مشرعة في هذه الأثناء لينتشر الفيروس في كل أصقاع الأرض، مما يجعلها مسؤولة بشكل مباشر عن الضحايا والتكلفة الاقتصادية الهائلة التي تثقل كاهل دول العالم بأسره. لذلك وجب معاقبة الدولة الشيوعية ذات الحزب الواحد. معظم التهويل في الولايات المتحدة هو من قبل اليمين السياسي المحافظ والموالي لدونالد ترامب، رغم أنه لا يقتصر على اليمين وحده.

اقرأ/ي أيضًا: في زمن ما بعد التطبيع

وفي هذا السياق، تتعدد الآراء والأفكار، ومنها مثلًا، دعوة مجلة "ناشيونال ريفيو" المحافظة، الولايات المتحدة وحلفائها إلى استخدام الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية لمقاضاة الصين، وإجبارها على دفع تعويضات لكل العالم، وشجعت أيضًا على تعليق التبادل العلمي مع الصين، خاصة في مجال التكنولوجيا المتطورة، وفرض عقوبات اقتصادية تجاه أفراد من الحزب الشيوعي الحاكم. وهناك أيضًا أصوات من أمثال جوش هاولي، السناتور الجمهوري من ميزوري، الذي خرج في مقابلة على قناة فوكس نيوز المحافظة، الأقل رصانة من ناشيونال ريفيو، طالب فيها بتشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق، تذهب إلى الصين برعاية دولية وتقوم على ضوء النتائج باتخاذ الإجراءات المناسبة. ويذهب غيرهم إلى مطالبة الحكومة المركزية الأمريكية بالاحتفاظ بسندات الخزينة الأمريكية المملوكة للصينيين، أفرادًا وشركاتٍ، تصل قيمتها إلى أكثر من تريليون دولار. وبنفس الطريقة يقود اليمين السياسي ذو الميول القومية في أوروبا التهويل، ومطالبة الصين بالتعويض عما يسميه البعض، حالة "الحرب من دون جبهة"، التي فرضت على العالم منذ ربيع الـ 2020.

جوهر السلطة في الدول الغربية هو رأس المال. على الرغم من استخدام شماعة حقوق الإنسان لانتقاد الصين من قبل هذه الدول في السابق، إلا إن هذه الدول بمجملها، كانت وما زالت، تريد لعلاقتها بالصين أن تستمر بدون أي تغيير، وذلك لأن الصين سمحت لأغنياء هذه الدول أن يصبحوا فاحشي الثراء بفترة لا تتجاوز الخمسين عامًا، أي منذ أواخر السبعينيات، وأنجزت ما لم يكن يتوقعه أحد، ليس على مستوى الصناعة والتجارة فحسب. فلم تكن الصين مصدرًا للأيدي العاملة الرخيصة فقط، بل أيضًا وفرّت عمالًا معدومي الحقوق وبيئة غير محمية. بالمقابل، تكاد الدول الغربية حاليًا أن تخلو من الصناعات الخفيفة والمتوسطة، خاصة المؤذية للبيئة منها، حيث قامت الشركات الغربية الخاصة، في ظل بيئة وفرتها الحكومات الغربية خلال العقود الماضية، باستبدال ملايين الوظائف الصناعية بأخرى مكتبية أو خدمية، بينما قامت بنقل مراكز إنتاجها ورؤوس أموالها إلى للصين. هناك إذًا نوع من الاعتماد المتبادل بين الدول الغربية والصين، التي لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.  

تريد الدول الغربية لعلاقتها بالصين أن تستمر بدون تغيير، كون الأخيرة سمحت لأغنياء هذه الدول أن يصبحوا فاحشي الثراء خلال نصف قرن

سبق أن احتلت كل من كوريا الجنوبية واليابان نفس المكانة التي تحتلها الصين حاليًا ضمن اقتصاد السوق الحر العالمي. في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان، قام الحلفاء بمدها بالمساعدات لرفعها من الشلل الاقتصادي والدمار الهائل الذي تعرضت له، ولحق ذلك تسهيلات حكومية يابانية في مجال الصناعة وتسهيل الاستثمار. اليد العاملة هناك كانت رخيصة والضرائب قليلة ما سمح بتطوير الاقتصاد بشكل سريع فاق كل التوقعات وسمي في وقتها بـ"المعجزة اليابانية". لكن مع تحسن الاقتصاد وارتفاع مستوى المعيشة أدى أيضًا إلى زيادة تدريجية في الأجور جعلت الاستثمار فيها أقل جاذبية لرأس المال الغربي الباحث بشكل مستمر على الربح. مع بداية الثمانينيات بدت اليابان أقرب للفقاعة منها للمعجزة وبدأ البحث عن ملاذ جديد لرأس المال الغربي. الملاذ ظهر في كوريا الجنوبية التي خرجت لتوها من حكم الدكتاتور باك لي هونغ الذي تم اغتياله عام 1979. خلال العقدين اللاحقين، في الثمانينيات والتسعينيات، أصبحت كوريا الجنوبية مركزًا للصناعات الثقيلة والإلكترونية. هذه الديناميكية بين رأس المال الباحث عن الربح في أمكنة مستقرة نسبيًا، ذات أجور رخيصة وبيئة غير محمية، وعمال قليلي الحقوق، تكررت مرة أخرى عند صعود الصين إلى المقدمة في بداية الثمانينيات.

اقرأ/ي أيضًا: الصحافة وكوفيد 19.. كرنتينا على رأس الصنعة

لكن بكل الأحوال، من المرجح أن هذه الديناميكية لن تنطبق على الصين، وستبقى مركزًا للاستثمار الغربي وصناعاته، لفترة أطول بكثير من اليابان وكوريا الجنوبية، ولعدة أسباب: أولًا، عدد سكان الصين 1.39 مليار نسمة، الذي يفوق اليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة أكثر من ثمانية أضعاف، فمن المرجح أن تحسّن إجمالي الناتج المحلي للصين، لن ينعكس على تحسن سريع على مستوى الأجور خلال عقدين من الزمن، مثلما حدث مع اليابان وكوريا الجنوبية بسبب هذا العدد الهائل للسكان، ما يعني مردودًا أكبر لفترة أطول بالنسبة للمستثمرين. ثانيًا، حكومة الصين الشيوعية تكفل الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل، لأنها لا تتأثر برغبة الصينيين بشكل مباشر، مما يشجع الاستثمار ويكفل عدم حصول العمال على نقابات تدافع عنهم وتحميهم من الاستغلال، وهي أيضًا غير آبهة بالتلوث البيئي. ثالثًا، معظم الشركات الغربية ترى في الصين أيضًا سوقًا مستقبلية هائلة تستحق الاستثمار ولا يمكن الاستغناء عن أرباحها. ذلك كله يفسر ما قالته مجلة فوربز الأمريكية: "من وجهة نظر العارفين بأسواق الصناعة، الباحثين عن الموثوقية، فإنه في استقرار أسعار العملة والأمان ونمو السوق المحلية تحتل الصين المرتبة الأولى، أما باقي دول العالم مجتمعة ففي المرتبة المائة"، لذلك تصعب مثلًا مقارنة بلد مثل فيتنام بالصين الأشبه بالقارة الكاملة. 

طبعًا، هذا لا ينفي إمكانية أن يفرض الرأي الشعبي في الدول الغربية على صانعي القرار في هذه الدول، أن يلزموا الصين اتخاذ إجراءات صحية جديدة إذا كانت راغبة بالاستمرار في المشاركة بالتجارة العالمية الحرة. سيقوم صانعو القرار الغربي، المسيطرون أصلًا على الصحافة، بصرف الانتباه والتغاضي وتناسي كيفية قدرة الصين خلال الأشهر الماضية على احتواء إصابات فيروس كورونا بهذه الأعداد الضئيلة. صنّاع القرار الصيني بدورهم سيقبلون بهذه المعايير الصحية مقابل الاستمرار بالتجارة الحرة العالمية، التي جعلت من أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم، رأسماليين جدد ينافسون أعتى المؤسسات المالية في نيويورك ولندن. هذا كله سيكون لإقناع الرأي العام الشعبي في الدول الغربية بأن الصين تغيرت وأن الفيروس العالمي القادم سيأتي من أمكنة أخرى. سيقوم رأس المال الغربي ومن خلال وكلائه في الحكومات الغربية بإنشاء وإصلاح منظمات عالمية تراقب معايير الصحة. ولكن لضمان قبول الصين بالمعايير الجديدة، سيقوم وكلاء رأس المال الغربي بعدم التطرق لحقوق الإنسان كشرط للانضمام.

عالم ما بعد الكورونا لن يختلف كثيرًا عن عالم ما قبل الكورونا، إذ إنه سيكون نتيجة تفاهمات بين أغنياء العالم على حساب فقرائه

مقارنة اليابان بالصين مهمة لأنه إذا كان رأس المال الغربي قادرًا على الاستثمار في اليابان خلال فترة لا تتعدى العشر سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية التي قتل فيها اليابانيون ملايين الناس بشكل متعمد وممنهج، فلا بد أنه قادر على تجاوز معضلة غير متعمدة وغير ممنهجة وضحاياها لن يفوقوا المليون نسمة بأسوأ تقدير. كل ذلك في سبيل الحفاظ على المصالح المشتركة بين رأس المال الغربي والصين.

اقرأ/ي أيضًا: هل يبدو العالم الحديث متناقضًا؟

بالمحصلة، عالم ما بعد الكورونا لن يختلف كثيرًا عن عالم ما قبل الكورونا، إذ إنه سيكون نتيجة تفاهمات بين أغنياء العالم على حساب فقرائه. ربما يحدث تغير أكثر في المناطق غير المعنية بشكل مباشر بما يجري مثل أفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، لأنها خارج هذه التفاهمات وقد تكون عرضة للثورات السياسية والقلاقل الأمنية. أغنياء العالم الذين ما لبثوا أن أصبحوا فاحشي الثراء بالأمس سيصبحون متخمي الثراء خلال مدة لا تتعدى العقد الواحد، وفقراؤه سيصبحون أكثر جوعًا، أقل علمًا ومنهوكي الموارد، وبعضهم سيترحمون على زمن الكورونا. أما عن موضة التهديد والوعيد في الغرب، فما هي إلا لعب على مشاعر كراهية الأجانب ولومهم وحشد الدعم السياسي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لَكماتٌ مقترحةٌ لرأسماليّة تترنّح على وقع الكورونا

ماذا فعلنا وماذا سنفعل؟