العزل في زمن كورونا وبحث الديمقراطية عن جمهور

العزل في زمن كورونا وبحث الديمقراطية عن جمهور

الرئيس الصيني شي جين بينغ مخاطبًا "الجماهير" (وول ستريت جورنال)

شهدت الخارطة العالمية ملحمة شعبية بلغت ذروتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، بعدما انتفضت الشعوب على المستوى العالمي، واستمرت في زخمها حتى ما بعد بداية العقد الجديد قرابة شهرين، قبل أن تتوقف بعد إعلان منظمة الصحة العالمية تحوّل فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19) إلى جائحة، وحث جميع الدول على تفعيل المزيد من إجراءات السلامة إلى أن وصلت مرحلة الحجز المنزلي لحصر أعداد المصابين.

استمرت الاحتجاجات السلمية في هونغ كونغ أكثر من نصف عام، إلى أن سجلت أول حالة إصابة بفيروس كورونا

اليوم مع اتخاذ الدول المزيد من الإجراءات المشدّدة بالتعاون مع المنظمة الأممية التي خصصت جميع مواردها للتحذير من التجمعات العامة أو عدم الخروج من المنزل إلا عند الضرورة القصوى، وفرض القيود على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي محذرةً من نشر معلومات مضللة قد تثير الشك لدى الآخرين تحت طائلة العقوبات القانونية؛ وفي دول أخرى أعيد فرض قوانين الطوارئ بحجج مختلفة تشرعنها الدساستير المنصوص عليها، الأمر الذي أدى في نهايته لتعطيل الحراك الديمقراطي في وقت واحد عالميًا.

الصين تعيد استنساخ تجاربها القمعية لمكافحة الفيروس  

قبل انتشار الفيروس بأقل من عام كانت بكين في طريقها لفقدان السيطرة على جزيرة هونغ كونغ بعد الحراك الديمقراطي الذي شهدته الجزيرة لمنع حكومة بكين المركزية من تقييد الحريات المدنية والاقتصادية فيها بحكم اتفاقية "دولة واحدة ونظامين"، كان من ضمن تأثير الاحتجاجات الأسبوعية التي شهدتها هونغ كونغ منذ حزيران/يونيو الماضي فشل بكين لا فقط بعدم إمكانية السيطرة عليها، بل استمرار المظاهرات في إطارها السلمي إلى  أن سجلت أول إصابة مطلع شباط/فبراير الماضي ما عطّل حركة الاحتجاجات.

اقرا/ي أيضًا: الإنفلونزا الإسبانية.. حكاية "الوباء الشاحب" الذي عالجه العالم بالنسيان

فشلت بكين خلال الأشهر الماضية باحتواء احتجاجات هونغ كونغ، حتى في اللحظة التي حاولت فيها استنساخ تجربتها مع أقلية الإيغور في أقليم شينغيانغ، بفرض المزيد من الإجراءات التي تقيّد الحريات العامة، وغززت رقابتها مع الحدود الإدارية التي تربط الجزيرة مع البر الصيني، ما جعل تصنيف الجزيرة على مؤشر الحريات الاقتصادية يتراجع للمركز الثاني أمام سنغافورة، هذا فضلًا عن اعتمادها، ما قبل انتشار الفيروس، على الذكاء الاصطناعي لمراقبة المواطنين والأقاليم مستنسخة تجربة "الأخ الأكبر" في رواية 1984 لجورج أورويل.

لم تجد الصين الكثير من العناء لمكافحة الفيروس باستنساخها لتجاربها السابقة مع هونغ كونغ أو شينغيانغ، فالإجراءات التي بدأتها الصين بمنع المواطنين من التنقل بين المدن أو الأقاليم ونشر أفراد الجيش والشرطة في الشوارع مرورًا إلى مرحلتها القصوى بالحجر المنزلي، رغم أنها حققت النتيجة المطلوبة بدليل أنه يجري الترويج لخطة بكين الصحية عبر عديد المواقع الغربية، ودفع بدول تحولت بؤرة لتفشي الفيروس في أوروبا باللجوء لتجربتها، حتى أن بعض التقارير الصحفية تحدثت عن توبيخ الأطباء الصينيين للمسؤولين الإيطاليين بسبب عدم لجؤهم لتجربة بكين. 

 هل تتحمل بكين المسؤولية الإخلاقية لانتشار الفيروس؟

يتشابه تعاطي بكين مع المراحل الأولى لانتشار الفيروس على أراضيها مع حوادث سواء تاريخية أو معاصرة في تعاطيها مع الأوبئة على مر التاريخ؛ كانت مدينة هامبورغ تتمتع بحكم مستقل داخل الإمبراطورية الألمانية في القرن الـ19، نظرًا لامتلاكها ثاني أكبر ميناء في أوروبا مما جعل التجار يسيطرون على إدارة شؤونها الخاصة، وكانوا سببًا بتفشي وباء الكوليرا فيها بعدما قاموا بإخفاء وصول الوباء من روسيا لأن الحجر الصحي للحفاظ على مصالحهم التجارية، ومن حيثُ أن الوباء كان قد اختفى من أوروبا باستثناء روسيا القيصرية، فقد خلف في المدينة ما يقارب 10 آلاف حالة وفاة، وكان من الأثار التي خلفها جعله هامبورغ ألمانية أكثر بعدما كانت أكثر استبدادية بسبب سياستها المتأثرة بروسيا.

تعتمد الصين على الذكاء الاصطناعي لمراقبة المواطنين والأقاليم مستنسخة تجربة "الأخ الأكبر" في رواية 1984 لجورج أورويل

وفي حالة ثانية معاصرة، لا يمكن تجاهل الدور السلبي للسلطات المحلية الإيطالية في تعاطيها مع إدارة إقليم لومبارديا، عندما تجاهلت السلطات المحلية تأجيل مباراة نادي أتلانتا الإيطالي مع فالنسيا الإسباني على ستاد سان سيرو بحضور 40 ألف متفرج في إطار مسابقات دوري أبطال أوروبا عشية اليوم التالي للإعلان عن أول إصابة، أو عدم تقديم مقترح إقامة المباراة بدون جمهور، لاحقًا بعد عودة النادي الإسباني إلى مدينته أعلن عن إصابة 35 بالمائة من لاعبي الفريق، فضلًا عن إصرار اليمين الإيطالي على ممارسة الحياة بشكل طبيعي. 


مشهد من العاصمة الصينية بكين يوم 26 آذار/مارس 2020 (واشنطن بوست)

يمكننا سوق عديد الأمثلة على الجوانب الأخلاقية التي تتحملها حكومة بكين في انتشار الفيروس، واحد منها تحذير الخبراء الصينيين في وقت سابق العام الماضي من انتشار فيروسات تاجية قد تنتقل عبر الخفافيش مع وجود احتمالية متزايد لانتشاره في الصين، وأشار الخبراء في دراستهم إلى أنه خلال العقدين الماضيين انتشرت ثلاثة فيروسات تاجية أدت لوفاة عشرات الآلاف من الأشخاص بعد إصابتهم بها، علمًا أن انثنين من هذه الفيروسات كان مصدر نشأتهما الصين، حيثُ طالب الخبراء بالاستعداد لمواجهة الفيروسات التي ممكن أن تظهر مستقبلًا. 

من هذا الجانب لا يمكننا نفي تحمل الصين مسؤولية أخلاقية في انتشار الفيروس بسبب عدم إعلانها عن أول حالة مما حوله لجائحة أوقفت العالم عن الحركة، ويأتي ذلك من جانب إخفائها انتشاره على أراضيها لأكثر من ستة أسابيع، لم يتصرف النظام الشيوعي بطريقة حاسمة لاحتوائه عند اكتشاف الطبيب لي وينليانغ لأول إصابة العام الماضي، خشيةً من التأثير سلبيًا على صراعها الاقتصادي العالمي مع واشنطن، بل قام على عكس ذلك بقمع جميع الأصوات التي حذرت من انتشار فيروس يشبه متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس).

اقرا/ي أيضًا: كورونا.. الديمقراطية بين قوسين

تحاول بكين في المرحلة الراهنة التكفير عن أخطائها بتقديم الدعم الطبي واللوجستي للدول التي تعاني من الفيروس، كما الحال مع كمبوديا وإيطاليا ودول الكتلة الشرقية، وقامت كذلك الأمر بتقديم 20 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية في إطار الجهود المبذولة لمكافحته، بينما لا تزال دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحاول جاهدة الحد من انتشاره بشكل واسع، لكن على الجانب الآخر يصف كلايف هاميلتون موقف بكين الراهن دوليًا بأنه "إعادة كتابة لتاريخ" الفيروس التاجي، والتي يوضحها جوليان كو بأنه سينظر إليها في المستقل بدرجة "أقل قسوة في ضوء إخفاقات الحكومات الأخرى في الاستجابة بفعالية" لمكافحته.

العالم  يستنسخ التجربة الصينية لمكافحة الفيروس 

تستوجب حالة قبول الإجراءات الصحية من قبل الجميع رغم أن فرضها من قبل السلطات المحلية على المستوى العالمي جاء بالقوة دراسة خاصة تفسر الأسباب التي أدت بسكان العالم للرضوخ لأوامر السلطات المحلية رغم أنها تجاوزت القوانين الدستورية في بعضها، وظهور مخاوف من تعزيز الديكتاتوريات السياسية والعسكرية قبضتهم في الحكم، فضلًا عن الساسيين أصحاب الميول الاستبدادية الذين سيسعون لإضعاف المؤسسات الديمقراطية في بلادهم. 

كان انتشار الفيروس ثقيلًا على الخارطة العالمية مع فرض المزيد من القيود على الحريات الشخصية للحد من انتشاره، فقد رصدت وكالة الأنباء الفرنسية مطالبة أكثر من ثلاثة مليارات شخص في ما لا يقل على 70 بلدًا ومنطقة بملازمة منازلهم تحسبًا من انتشاره، مع اتخاذ المزيد من الإجراءات بإيقاف حركة الملاحة الجوية، يمكن القول إن العالم توقف عن النبض، باستثناء الصراعات العسكرية التي تشهدها منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتنامي المخاوف من انتشار الإصابة في مخيمات اللاجئين المعزولين عن العالم إلا من أنفسهم لدرجة عدم السيطرة عليه.

اقرا/ي أيضًا: وباء كورونا وإعادة التفكير في سياسات الطوارئ

 يقول المؤرخ البريطاني ريتشارد إيفانز إنه عندما حاولت السلطات المحلية سواء في بريطانيا عام 1832 أو نابولي 1884 فرض الحجر الصحي والعزل بسبب تفشي وباء الكوليرا، قُوبلت بموجة من أعمال الشغب بسبب تدخل السلطات المحلية بشؤون الناس الخاصة، لكننا اليوم نطالب السلطات المحلية بالتدخل لمكافحة الفيروس وفرض المزيد من الإجراءات القانونية، مرجعًا ذلك لأن الناس في الوقت الراهن يقبلون بنصائح الأطباء.

لا ينفي إيفانز وجود اختلافات مثيرة للاهتمام في تعاطي الدول مع الجائحة العالمية، فهو يرى أن استجابة بريطانيا للفيروس لم تخرج عن التقاليد باعتمادها على العمل التطوعي والليبرالية وعدم تدخل الدولة رغم الضغوط الهائلة التي فرضت على الحكومة، في حين عند النظر لدول أوروبية أقوى مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، نجد أن الحكومات مطالبة من المواطنين بفرض المزيد من القيود، ما يدل على وجود فوارق كبيرة في التقاليد والثقافة السياسية، حتى في الصين على سبيل المثال كان من السهل فرض القوانين والقيود.

يعطي حديث إيفانز صورةً شبه كاملة عمّا يحصل اليوم في طريقة التعاطي الشعبي مع الفيروس، ويمكن ملاحظة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي يروج متابيعها لهاشتاغ "خليك بالبيت" بجميع لغات العالم الحية، ومحاولة نشر مواد مجانية مختلفة لتحفيز الآخرين على البقاء في المنزل، استجاب الجميع للقيود التي فرضتها السلطات الرسمية باستنساخ التجربة الصينية، توقفت خارطة الاحتجاجات العالمية عن تحديث نفسها، وتحولت بدلًا من ذلك إلى خارطة تحدث يوميًا أعداد الوفيات والإصابات وأخر التعميمات الصحية، ما يضع الديكتاتوريات والقادة السياسيين في خانة الفائدة من الجائحة العالمية على المستوى المحلي.

يحضر في هذه الصيغة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد أهم الرموز الشعبوية الفاشية في الاتحاد الأوروبي، باتخاذه سلسلة من القرارات تحت ذريعة الطوارئ الصحية التي يكفلها القانون المجري، كان أخرها تمرير تشريع ينتظر موافقة البرلمان المجري ليُمنح بموجبه سلطات طوارئ واسعة يستطيع فيها حكم البلاد لفترة طويلة، كما أنه من بين التوقعات التي نشرتها الصحف الغربية أن يقوم الرئيس ترامب بتأجيل موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضين بالأخص بعد اقتراب الديمقراطيين من تثبيت اختيارهم على نائب الرئيس السابق جون بايدن لمنافسته.

استغلت شعبويات فاشية وأنظمة دكتاتورية وعسكرية كثيرة عنوان وباء كورونا لتمتين قبضة أدوات الضبط والسيطرة، بالتالي "المعاقبة"،  لا المراقبة فقط

على أرض الواقع ارتفعت ثقة الفرنسيين بالرئيس إيمانويل ماكرون إلى 51 بالمائة بعدما كانت تحت نسبة 50 بالمائة لمدة عامين تقريبًا، بينما ارتفعت ثقة الفرنسيين بالحكومة إلى 54 بالمائة بسبب الطريقة التي استجابت فيها الحكومة الفرنسية لمكافحة الفيروس، حتى ما قبل فرض القوانين المشددة كانت الحكومة الفرنسية تواجه أزمة غير مسبوقة بسبب حركة السترات الصفراء الاحتجاجية الرافضة لحزمة القرارات المرتبطة بنظام الرعاية الصحية وحقوق العمال، لكن مع انتشاره تراجعت جميع المطالب أمام الالتزام بالقوانين لمكافحته.

وفي الحالة التشيلية يواجه المحتجون خطر خسارة مكاسبهم التي حققوها في احتجاجاتهم اليومية منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لكن مكاسب التشيليين تواجه خطر خسارتها بعد تأجيل البرلمان التشيلي الاستفتاء الشعبي على إعادة كتابة الدستور من 26 نيسان/أبريل إلى 26 تشرين الأول/أكتوبر، ومع إعلان الرئيس سبستيان بينييرا المزيد من القيود التي تحد من الحريات العامة بدأت السلطات المحلية بإزالة الرسوم الفنية للمحتجين من ساحة بلازا إيطاليا بالعاصمة سانتياغو مركز الاحتجاجات الرئيسي، خطوة وصفها عالم الأنثروبولوجيا نيكو سيلفا بأنها "غير مسؤولة قد تحفز المحتجين على العود إلى الساحة" مجددًا.

ديمقراطيات هشة أم ديمقراطيات كاملة؟

رصدت وكالة الأنباء الفرنسية مطالبة السلطات المحلية على مستوى العالم لأكثر من ثلاثة مليارات شخص في ما لا يقل على 70 بلدًا ومنطقة ملازمة منازلهم تحسبًا من انتشار الفيروس، مع اتخاذ المزيد من الإجراءات بإيقاف حركة الملاحة الجوية، يمكن القول إن العالم توقف عن الحركة، باستثناء الصراعات العسكرية التي تشهدها منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتنامي المخاوف من انتشار الإصابة في مخيمات اللاجئين المعزولين عن العالم إلا من أنفسهم لدرجة عدم السيطرة عليه، ما يجعلنا أمام فرضية أنه حتى الدول التي يعيش مواطنيها في نظام حكم ديمقراطي كامل ليست إلا "ديمقراطيات هشة".

يمكننا خلال جولة سريعة على ملخصات الإجراءات التي فرضتها الدول لمكافحة الفيروس أن نلمس لجوء جميع السلطات الحاكمة لتفسير صارم للدستور من أجل فرض قوانين الحجر سواء الصحي أو المنرلي، فالدساتير المكتوبة بحسب ما يرى جون سي.كالهون يوجد لها العديد من المزايا أثبتت أنها كتبت كـ"أداة للتصديق على توسيع نطاق سلطة الدولة وليس العكس"، فقد "أثبتت فكرة ربط السلطة بسلسلة دستور مكتوب أنها مجرد تجربة نبيلة فاشلة، كما ثبت أن فكرة وجود حكومة مقيدة للغاية هي طوباية جدًا"، لذلك "يجب إيجاد وسائل أخرى أكثر جذرية لمنع نمو الدولة العدوانية".

 يرفض عالم الاجتماع إيريك كلينينبرغ الفكرة القائلة بأن الفيروس قد يعزز من الحكومات الاستبدادية، لأننا في مرحلة تواجه فشل النظام الاجتماعي المعمول به في الأسواق "بشكل كارثي"

يعطي هذا التفسير للدساتير المكتوبة التي لجأت إليها الحكومات العالمية لمكافحة الجائحة صورةً عما يمكن توقعه لعالم ما بعد فيروس كورونا، إذ يرفض عالم الاجتماع إيريك كلينينبرغ الفكرة القائلة بأن الفيروس قد يعزز من الحكومات الاستبدادية، لأننا في مرحلة تواجه فشل النظام الاجتماعي المعمول به في الأسواق "بشكل كارثي"، في مقابل زيادة تفضيل "سلوكيات الذات"، وسيؤدي الألم الذي سيتسبب به الفيروس لإعادة التفكير بالهوية والأشياء التي نحترمها، وقد يساعد على المدى البعيد باكتشاف "نسخة أفضل عن أنفسنا".

وهو تفسير يتوافق في عرضه مع وجهة نظر الكاتبة سونيا شاه التي تتوقع أن تكون أفضل السيناريوهات المحتملة إجبار المجتمع على قبول القيود المفروضة على ثقافة المستهلك الجماعية، على اعتبار أنها الثمن المنطقي الذي ندفعه لحماية أنفسنا من الأمراض المعدية والكوارث الطبيعية مستقبلًا، مشيرةً إلى أن المجتمع أشبع رغباته طوال العقود الماضية بالتعدي على المزيد من أراضي الكوكب بالأنشطة الاصطناعية لإجبار الأنواع البرية على الاحتماء بالأجزاء المتبقية من الموائل القريبة من البشر، بمعنى إمكانية الذهاب لتقليص الأنشطة الصناعية والحفاظ على موائل الحياة البرية، في مقابل تعزيز النقاش في قضايا الرعايا الصحية. 

في حين تتوقع الكاتبة كاثرين مانغو وارد قضاء الفيروس على الحواجز الاصطناعية التي تحولت بدون انتقال حياتنا بشكل كببر إلى الإنترنت، إذ أنه على الرغم من أن الأشياء لن تصبح افتراضية بالكامل، لأن الأجيال القديمة النافذة التي تتعامل مع البيروقراطيين الحذرين لا تزال غير قادرة على استيعاب أدوات الإنترنت المفيدة، والتي تعتقد أنها كانت ستستمر لسنوات لولا حدوث الأزمة، لكن عند دراسة الشركات تجارب العمل عن بعد سيكون من الصعب حرمان الموظفين من هذه الخيارات، حيثُ أن العمل من المنزل لا يتطلب إلا تحميل تطبيق أو اثنين والحصول على موافقة المدراء.

على جانب آخر من هذه التفاسير، يبرز موقف المفكر السلوفينيي سلافوي جيجك من الجائحة العالمية، على اعتبار أن الحجز الصحي المبرر على أسس علمية وطبية قد يساعد على انتشار فيروس "التفكير بمجتمع بديل، يتخطى حدود الدولة القومية، مجتمع يحقق نفسه في أشكال التعاون والتضامن العالميين"، بمعنى أننا سنكون مجبرين على إعادة "اختراع للشيوعية" تعتمد على "الثقة في الشعب والعلم"، معتبرًا أن أحد المفارقات الساخرة على توحيدنا ودفعنا للتضامن العالمي تجلّت "بشكل أوامر صارمة لتجنّب التواصل والاحتكاك مع الآخرين، بل حتى العزلة الذاتية".

ويرفض جيجك فكرة تحكم الدولة بطريقة أفعالنا في مقابل وجوب تعلمنا "التحكم بذواتنا وضبطها"، وفيما يظهر إمكانية أن يكون "الواقع الافتراضي المساحة الوحيدة الآمنة"، وأن تصبح حرية التحرك في الفضاء العام تقتصر "على بضع جزر معزولة يملكها شديدو الثراء"، فإنه علينا في المقابل عدم نسيان أن مصطلحي "فيورس/فيروسي" مرتبطين بشبكة الأنترنت، لذا ما علينا رؤيته الآن عودتنا إلى "المعنى الأصلي والحرفي للمصطلح: العدوى الفيروسية تعمل جنبًا إلى جنب في كلي البعدين: الواقعي والافتراضي"، لذلك يرى بأن التهديد الذي تتعرض له قيمنا التحررية يجب أن يقابل بتغيير جذري لأنه الوحيد القادر على إنقاذنا.

العزل أولى مراحل نشوء الأنظمة التوتاليتارية 

سجلت خارطة الاحتجاجات على المستوى العالمي ما يزيد على تنظيم 60 حركة احتجاج في شباط/فبراير الماضي، على أن مطالب المحتجين كانت مختلفة في عاملين أساسيين، أولًا أن جميع الاحتجاجات لم تخرج عن الإطار العام للمساواة الاجتماعية، والدفاع عن الحريات السياسية والمدنية، والتعددية الجنسية والثقافية، ومكافحة العنصرية والعنف ضد المرأة والأزمة المناخية. 

وثانيًا طريقة تعاطي السلطات المحلية مع الاحتجاجات، إذ أنه بينما كانت قوات الأمن العراقية تفتح الرصاص على المحتجين السلميين في العاصمة بغداد، كان الآلاف يحتشدون  مدينة بريستول الإنكليزية أمام أنظار أفراد الشرطة البريطانية للاستماع إلى كلمة ناشطة المناخ السويدية غريتا تونبرغ التي انضمت إليهم للمشاركة في "أيام الجمع من أجل المستقبل" الأسبوعية.

هذا جانب آخر تتحمل مسؤوليته بكين لما كان لها من عدم إعلانها عن الفيروس أثرًا سلبيًا على خارطة الاحتجاجات العالمية مما سمح بإيقافها، تقول حنة أرندت "إن يكذب المرء إزاء العالم أجمع، أمر لا يعقل حدوثه بلا عاقبة إلا إذا تضافرت كل ظروف التسلط التوتاليتاري"، تراجعت الاحتجاجات العالمية أمام انتشاره المتسارع، فيما تكافح منظمة الصحة العالمية لإيجاد حلول جذرية لاحتوائه، إلا أن ذلك لا يمنع من إشارة بعض التقارير إلى مواجهتها انتقادات بسبب الإطراء الذي كالته لبكين في مكافحة انتشار الفيروس.

قدمت الصين للنظام التوتاليتاري العالمي فرصةً لم يكن يتوقعها عندما حجبت المعلومات الصحيحة المرتبطة بانتشار الفيروس في بداية الأمر، بعدما فشلت الحكومات المحلية في كبح غضبة الشارع لديها، تلاشى خلاف أنقرة مع الاتحاد الأوروبي بسبب أزمة اللاجئين على الحدود مع اليونان وبلغاريا، واستخدمته موسكو ذريعة لإصدار قانون يمنع التجمعات لأكثر من خمسة آلاف شخص بعد دعوات المعارضة للتظاهر احتجاجًا على مشروع التعديلات الدستورية الذي يتيح للرئيس بوتين البقاء بالسلطة حتى 2036، وفي هايتي غير معروف أين وصلت الأمور مع المحتجين الذين يطالبون برحيل الرئيس جوفينيل مويز المدعوم من واشنطن بسبب تردي الحياة الاقتصادية وقضايا الفساد المتهم بها.

مثّل مقترح الحجر الصحي أو المنزلي فرصة استطاعت استثمارها الأنظمة العالمية في مواجهة غضبة الشعوب، إذ تشير أرندت لحاجة الأنظمة الشمولية بطبيعة الحال إلى "ظروف خاصة تكون فيها الجماهير مفتتة ومتشظاة، منها إلى غياب مجتمع يتشكل من الجماهير"، وهو ما يمكن مقارنته بصعود حزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني النازي بزعامة أدولف هتلر، وما قابله من صعود للحزب الشيوعي السوفييتي بزعامة جوزيف ستالين في موسكو، حيثُ أن الاثنان يعتبران نموذجًا للأنظمة الشمولية. 

جاء انتشار فيروس كورونا ثقيلًا على الخارطة العالمية مع فرض المزيد من القيود على الحريات الشخصية للحد من انتشاره

تستطيع هذه الأنظمة أن تتسلق هرم السلطة عبر تشكيل "مؤسسات سياسية جديدة كليًا، بعد أن تكون قد دمرت كل التقاليد الاجتماعية، والتشريعية والسياسية القائمة في البلاد"، ذلك أن السياسة "التوليتارية تشاء تحويل الجنس البشري إلى شعاع فاعل ومعصوم لقانون، يصير الناس، إذ يدفعونه بأجسادهم، خاضعين له سلبًا"، من حيث أنهم يقومون "بقذف المواطنين ثم يأخذونهم في مسار الطبيعة أو التاريخ بغية تسريع الحركة فيها، وعلى هذا فإنهم لا قبل لهم سوى أن يكونوا منفذي القانون الذي يلازم الحركة أو يكونوا ضحاياه"، إذ أنه في النهاية تنظر أرندت إلى مرحلة عزل المواطنين عن بعضهم على أنه أولى مراحل الأنظمة الشمولية التي يغيب فيها أي حقوق مطلقة للآخرين.

 

اقرأ/ي أيضًا: