هل يبدو العالم الحديث متناقضًا؟

هل يبدو العالم الحديث متناقضًا؟

أجيم سلاج/ إيطاليا

لا شك أننا نعيش حاليًّا في عالمٍ مليءٍ بالتناقضات. خاصةً بعد تشويه أغلب القيم الإنسانية والطبيعية المتعارف عليها في حياتنا. لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، إبان تنامي صرح الولايات المتحدة وتأثر أغلب العالم الحديث فيه، بما فيه القارة الأوروبية.

يقول لك العالم الأمريكي والأوروبي إنه يجب عليك حماية البيئة وصحة الكوكب بينما طائراته ومصانعه وأسلحته تدمر الكوكب بأكمله

لكن ما هي أوجه التناقض في هذا العالم الحديث؟ وما دور الولايات المتحدة الأمريكية؟ الجميع يعرف أن العالم الحديث من الناحية التكنولوجية والثقافية والاقتصادية هو عالم أمريكي بامتياز، وبالتالي فإن للأمريكان دورًا رئيسيًا في طريقة تعاملنا داخل العائلة والمجتمع (الفردية وحق الفرد في المجتمع) وثقافة الأكل الخاصة بنا (فاست فود وكوكا كولا) وطريقة الاستهلاك الخاصة بنا (شراء حتى السلع التي لا نحتاجها) بل وحتى طريقة لبسنا (بنطال جينز وقميص فضفاض).

هذا العالم الأمريكي والأوروبي الحديث، يقول لك يجب عليك حماية البيئة وصحة الكوكب، لا تشتر سيارة، أذهب إلى العمل بدراجة هوائية أو السير على الأقدام وذلك لتقليل التلوث والزحام، بينما طائراته ومصانعه وأسلحته تدمر الكوكب بأكمله.

اقرأ/ي أيضًا: 7 أفكار قالها ماركس نحتاجها اليوم

يقول لك إنه يجب عليك الاستهلاك أكثر وبقوة، بهذه الطريقة تجعل الاقتصاد في حالة منعشة دائمًا ونتجنب الانكماش. بينما يعطيك راتبًا تدفع منه إيجار منزلك ومصاريف الماء والكهرباء ويبقى لك ما يكفي (يا دوب) للأكل والشرب فقط.

يقول لك نريد أفضل تعليم لأطفالنا وأحفادنا، بينما يجعل أفضل المدارس خاصة، وتكلف حفنة آلاف من الدولارات فصليًا.

يشرع قوانين تضييق الهجرة ويدفع ملايين الدولارات لمنع المهاجرين من الوصول، بل ويحثك على البقاء، بينما هو يحرق بلدك حرقًا ممنهجًا بالقصف والعنف والعصابات.

يصدر أسلحة بالأطنان إلى دول العالم الأخرى، ثم يغضب من توافد اللاجئين منها.

جائزة نوبل للسلام تذهب لرجال قادوا حروبًا طاحنة. مؤسس جائزة نوبل مخترع متفجر الديناميت. دولة لديها أسلحة نووية وكيمياوية توقع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة المدمرة وتحتفظ بأسلحتها.

يقول هذا العالم إن منظمة الصحة العالمية عالمية، وصندوق النقد الدولي عالمي، بينما هي منظمات أمريكية. ويقول لك التدخين مضر والحشيش يدمر الدماغ، ولكنه في نفس الوقت يشرّع قوانين تبيعه لك في المقاهي والشوارع العامة. في أوقات الأزمات يطالبك بالتعاون والتفكير في الغير بينما بنى المجتمع كله على الفردانية وتهميش دور التعاون والعائلة. يعلمك أن تقدس رب العمل وليس العمل، يوضح لك أن المال هو من يصنعك وليس أنت من تصنعه.

يعلمك على وظيفة تأكل منها وتشرب وتقدم فروض الطاعة للشركة وليس على الاستثمار. يعلمك أن تحب نفسك فقط ولا تخضع لعائلتك لأن تفكيرهم قديم، يعلمك أن تأكل فاست فود لأن لا وقت لديك. يعلمك أن تشتري سيارة فاخرة بقرض وتصبح مديونًا، أي يعلمك كيف تبدو غنيًا وليس كيف تصبح غنيًا.

يعلمك كيف تنفق لا كيف تدخر، كيف لا تحترم وتقول رأيك أمام الكبير والصغير والأستاذ والعالم بنفس الحدة والجرأة، لا كيف تحترم من هم أكبر منك سنا وعلمًا.

يعلمك العالم المعاصر أن تقدس رب العمل وليس العمل، يوضح لك أن المال هو من يصنعك وليس أنت من تصنعه.

يعلمك أن العلاقات عابرة مع النساء، جنس وسهر ووداع، لا يعلمك كيف تحب بعاطفة وحنين ونقاء. يعلمك على عدم تكوين عائلة واستقرار لأن هذه أشياء مكلفة وغير ضرورية. يعلمك أن كل شيء سلعة، حتى النساء والأدب والفن.

اقرأ/ي أيضًا: فيسبوك، كورونا، سوق الاعلانات... وأشياء أخرى

لا يحثك على الصبر، لأن العالم سريع.

أنا بصراحة أرتعب من هذا العالم، وأرى أننا نسير في طريق الانهيار وتحويل الإنسان نفسه إلى سلعة وتجريده من كل شيء. وأرى أيضًا أنه من الصعب جدًا الخروج من هذا العالم سالمًا، بلا تصدع في السلوك والقيم والثقافة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "مدن متمردة".. حقُنا في المدينة

هل يسيطر وادي السيليكون على مستقبل الصحافة للأبد؟