الصحافة وكوفيد 19.. كرنتينا على رأس الصنعة

الصحافة وكوفيد 19.. كرنتينا على رأس الصنعة

الصنعة الصحافية برمتها، بكل أدوارها والتعويلات عليها، أمام خطر كورونا ومخاطر السلطة معًا اليوم (براون هيرالد)

"إنها أوقات عصيبة، أصبح الكلّ يؤلّف الكتب" شيشرون

من الضرورات التي فرضها اتساع انتشار فيروس كورونا المستجد وغرائبيته الواقعية أتت مستلزمات الحجر والإغلاق. رفقة وسع حظيرة الكرنتينا/ت المتنوعة من مرادفات متعلقة بالعزل والابتعاد والتباعد وما شابه. من بين مصادفات الكوكب الواقعية الغرائبية أيضًا، لكن غير المستغربة، حضر الكم الهائل من السجون والمعازل المقفلة على من فيها من كتاب وصحافيين بتنوع جغرافياتها، ليس جوليان آسانج أولهم، وللأسف مما يتبدى، أن شادي حبش أو المناضل الهندي المقعد وشبه الضرير جي إن سايبابا ليسا آخرهم.

هناك ما يمكن رصده من انشغال معولم بضرب أساسات الصنعة الصحافية ونزع دور الفاعل الاجتماعي عنها. كما طردها، أي الصحافة، خارج حظيرة الشأن العام

لكن هذا ليس كل شيء بالضرورة، أو ليس هذا كل ما يتعلق بالعاملين في مهنة الصحافة/الصحافات في أيام كوفيد 19. إذ وجدت التعسفات القمعية ما دون تلك المتمثلة بالحبس والاعتقال على تلويناتهما إطارًا ذهبيًا تؤطر فاعليتها ضمنه سواء بالملاحقة و/أو الإخراس و/أو كل ما يخطر ببال وما لا يخطر من تكوينات التنكيل . الأمثلة الشاخصة متسعة بما يكفي ويزيد، حتى من طرف كوفيد 19 نفسه الذي قضى على حيوات ما اقترب من 100 من أبناء الصنعة الصحافية حول الكوكب. الأنكى أن التعسفات الوظيفية/المهنية لم تفوت حفلة الكرنتينا المائعة المنصبة على رؤوس الصحافيين أيضًا، للمصادفة! ربما.

اقرا/ي أيضًا: جوليان آسانج.. صحافي نادر على طريقته

في قول من الأقوال الكثيرة والخطب المتراكمة  للمحامي الأول والخطيب المؤسس، كما هو واحد من أوائل الصحافيين بالمعنى الممكن بالقصد إليه، ماركوس توليوس سيسرو، صرح، المعروف اختصارًا بـ "شيشرون" أن "المعرفة فن، لكن التعليم فن آخر قائم بذاته. بينما القتلة لا يبحثون عن فلسفة، بل يبحثون عن أجورهم. لذلك لا أعتقد أن القدر يصيب الرجال إذا فعلوا، لكني أعتقد أنه يصيبهم إذا لم يفعلوا". أصاب شيشرون ما أصابه في السابع من كانون الأول/ديسمبر 43 ق.م نتيجة وفاءه للمبادئ الجمهورية المؤسسة من تلك التي لماركوس أوريليوس، من ضمنها حرية القول والتفكير وحق الرجال بأن يفعلوا اجتنابًا لتعسفات القدر، ومضى بضربة سيف غادرة. بالتأكيد تلك الاستحقاقات التي مضى لأجلها شيشرون لم تكن معممة على العوام/الجمهور بأكمله، إنما كانت حكرًا على من يحق لهم استحقاقها، تمامًا كما النسخة الأثينية من الديمقراطية، أو تلك التي في بواكير دستور الولايات المتحدة الأمريكية. علمًا أن مثل تلك الاستحقاقات المحتكرة لم يتم تحصيل أشباهها في أكثر من ثلثي الكوكب حتى اليوم، بينما يتم الالتفاف والاحتيال عليها في الثلث الأول.

 منذ يوم الغدر بشيشرون حتى اللحظة المقبلة لم تتوقف مصفوفة الغدر عن تناول من مارسوا اجتناب الأقدار بالأفعال، ومنهم من لم يأبه كثيرًا بالمبادئ المؤسسة على اختلافها واختلافاتها إنما توخى ما استطاع إليه سبيلًا من المكافئة على أداء الواجب بالواجب نفسه، أقله كي ينعم بالرزق "الحلال".

كما أتى كوفيد 19 بما جلبه من مكاشفات ضرورية بشأن الصالح العام والملكية العامة ومهما الخدمات العامة، أتت ضرورة استذكار، لا ذكر، أن المفترض بالصحافة الحضور كخدمة عامة للصالح العام. لكن في حضن الديمقراطيات المتفاقمة كما الدكتاتوريات الناعمة وغير الناعمة، ماذا تبقى للعام من خدمات عامة وهم يضربون بسوط ضرورات مواجهة كوفيد 19 المفترضة كما تغلق أبواب غرف الطوارئ في وجوههم، سواء لضعف البنى على استقبالهم في أماكن، وأماكن أخرى لشكل ورتبة بوليصة التأمين، إن وجدت. طوبى للودعاء الطيبون، الذين لن يرثوا الأرض، وفق جوهر نبوءة الراحل أمل دنقل الساخرة والساحرة.

ليس قهر الصحافيين من بين الحصريات الحاضرة بحراب كوفيد 19 فقط، إنما أيضًا يشهد الكوكب ازدهارًا خلابًا للكذب والإشاعة، رفقة التزوير الفيسبوكي والتلفيق الواتسابي، كما تضخم البروباغاندا أيضًا، ولأتفه المسببات. إذ لم يعد الرئيس الأمريكي الحالي، المتحرش والمزور والعنصري المعتوه، دونالد ترامب  متفردًا في حلبة استراتيجية حرب التدليس ضد ممكنات الصحافة والعاملين ضمنها. هناك ما يمكن رصده من انشغال معولم بضرب أساسات الصنعة الصحافية ونزع دور الفاعل الاجتماعي عنها. كما طردها، أي الصحافة، خارج حظيرة الشأن العام. لكن هذه المرة، أصحاب ترتيب قوائم وأرتال الفصل التعسفي والتنكيل المموه من مؤسسات سبق وشغلت الناس واشتغلوا في صحافتها تحضر في باب الشراكة ضد الصحافة والأدوار التي يمكن أن يعول عليها ضمن ممكنات الصنعة الصحافية، بقوة الخيار والضرورة. فـ" خلف كل قيصر يموت قيصر جديد" مجددًا وفق أمل دنقل. أما كارثة الافتقار الصحافي عربيًا، فهي قائمة وفاعلة، كما هي عالميًا للمناسبة، خصوصُا بما في الحظيرة الإعلامية عربيًا من تعويم بروباغندي، تطبيعي وغير تطبيعي. ومعها يبدو أن إفقار الصحافيين قد حقق بعض الحضور الملوس كذلك.

في مفهومية السلطة، عندما تكون ليست من الناس ولا لهم، فالكوارث تمثل أجمل الفرص، من زاوية تصوير السلطة لإعادة تشكيل الواقع، من أجل المزيد من كل شيء رديء ومكروه

الصحافيون هم روح وقلب سرد الحكاية بل وأذرعها الكاملة أيضًا، حكاية الناس للناس ولأجل الناس في المفترض الصحافي المشتهى. هذا بعيدًا عن الالتهاء بموقع الحكاية من الصحافة بما هي صنعة معلومة وتقص لها وعنها ولأجلها. لكن في الأزمنة الرديئة والكاشفة في آن معًا، تصير الحكاية حبلًا يلتف على عنق حاملها وناقلها، وربما سامعها، وفق ما تحمله ممكناتها الحقيقية من إزعاج لمفاصل السلطة. في ترمنولوجيا الكوارث، تأتي النصيحة الصحافية بتوخ واعتناق الدقة ومراعاة كل ما يمكن مراعاته في توظيف المفاهيم ورمي الاصطلاحات واشتقاق التعبيرات ورسم التوصيفات، رفقًا بالناس. لكن في مفهومية السلطة، عندما تكون ليست من الناس ولا لهم، فالكوارث تمثل أجمل الفرص، من زاوية تصوير السلطة لإعادة تشكيل الواقع، من أجل المزيد من كل شيء رديء ومكروه. هذا حاصل في شركة الحزب الشيوعي الصيني، غير الديمقراطية، وفي واشنطن، الديمقراطية جدًا. كذلك الحال في جغرافيا بحال فلسطين المستعمرة، لا الاستعمارية بالضرورة، ففي الوقت الذي يدأب فيسبوك وأخواته وإخوته من يوتيوب وما شاكل على ملاحقة المحتوى الفلسطيني والتعتيم عليه بل ومحاربته ونفيه، تمامًا كما تتم محاولة إقصاء ونفي الفلسطيني المستمرة، من الواقع ووعي الواقع معًا، تحضر أسماء صحافية باستمرار في محاكم جيش الاحتلال ومجالد جهاز السلطة الفلسطينية. ليتبدى رأس هرم الإجابة بخصوص ما معنى أن يكون المحتوى فلسطينيًا؟ أو حرًا تحرريًا في ترجمة ممكنة؟.

اقرا/ي أيضًا: ضرورة سلامة كيلة.. براعة تخريب إشكالياتنا الرائجة

بالعودة لصحافي نادر على طريقته، أو خير من يمكن أن يمثل ما للصحافة من ثقل أخلاقي أولًا، وعملياتي ثانيًا في القرن 21 ، أعلن الزملاء الصحافيين في موقع ويكيليكس قبل أيام قليلات أنه سيتعين على مؤسسه، جوليان أسانج، الانتظار حتى مطلع أيلول/سبتمبر المرتقب على الأقل قبل أن ينظر قاضٍ بريطاني في طلب أمريكي بتسليمه، وكذلك انتظار الإجراء "العدلي" المقبل بحقه. في حين اتفق ممثلو مكتب المدّعي العام الأمريكي، على أنه سيكون من غير الآمن مواصلة عملية تسليمه لواشنطن في هذه الظروف، أي الظرف الكوفيدي.

هنا تحضر منظومة الهيمنة الأمريكية والتبعية لها، ليس من باب الهوس بها، وإن كانت تحقق نقاطًا معقولة بإمكاناتها في هوسة البشر. إنما تحضر سياسيًا وأمنيًا وقضائيًا وإعلاميًا بما لها من سطوة على ديمقراطيات أوروبا الغربية منذ بريتون وود. تلك أوروبا نفسها التي يرتحل إلى مراكزها، غير المركزية سوى من زاوية نظرها هي ومن خدعتهم، كثير من عموم أبناء جنوب العالم وجنوبها بوعيهم في باب الخديعة المقيم. هكذا يعيد كوفيد 19، ومعه تأجيل عرض آسانج عدليًا، الحديث لدائرة  حقيقة وموقع جنة حريات الإعلام المنشودة للمنفيين من صحافة العرب، وللمرتزقة العبثيين أيضًا.

الصنعة الصحافية برمتها، بكل أدوارها والتعويلات عليها، أمام خطر كورونا ومخاطر السلطة معًا اليوم

من المفروغ منه، أو يفترض ذلك، أحقية الناس بالحصول على المعلومة الحقيقية دون تلاعب بتكوينها وتوظيف لتوقيتها. لكن بما مارسته جل حكومات الكوكب ومجموعاته الحاكمة من كذب وتضليل بخصوص كوفيد 19، وغيره طبعًا، يصبح من الشرعي التقول بضرورة وحضور الصحافة الحرة من بين ممكنات مواجهة الجائحة، وهذا أمر لا يحضر إلا بحضور الصحافيين، الذين هم بشر أيضًا، لديهم القابلية للوقوع ضحايا الكارثة، كما لديهم من القابلية بشأن تحقيق البطولة. والذين، أيضًا، عليهم تذكر باستمرار ما لخطورة وحساسية التغطية الكورونية/الكوفيدية وما لها من اشتراطات واستحقاقات، أقلها عدم الشراكة في خداع الجمهور، بل وفضح مكامن الخديعة، كبرى وغير كبرى.

من بين ما يمكن الانتباه له وبشأنه أخيرًا، أكثر من النجاح السلطوي في تعطيل وحرف المشرط الصحافي على ضروريته الأنية والدائمة، هو مكامن الضعف والزوايا الحرجة، المأدلج وغير المأدلج منها، للأداء الصحافي إجمالًا. علمًا أن الصنعة الصحافية برمتها، بكل أدوارها والتعويلات عليها، أمام خطر كورونا ومخاطر السلطة معًا اليوم.

 

اقرا/ي أيضًا:

مستقبل الديمقراطية والرأسمالية.. بربرية التضليل

موجات تقديس الأدوات.. هنا تتوه الثورات

مجموعات حاكمة غير جميلة