شارب الإسبرسو

شارب الإسبرسو

مقهى رصيف

الساعة الثامنة مساء، الجو صاح والهواء لطيف. جالس إلى جوار آخرين وأخريات على رصيف مقهى في شارع مزدحم. من خلفنا نسمع نشيجًا عاليًا وبكاء متواصلًا. كعادتنا في المدن الكبرى والمكتظة، لم نلتفت إلى مصدر الصوت، خوفًا من أي تواصل بصري يؤدي إلى تواصل من نوع آخر، مع من اعتقدنا أنه متشرد ضاقت به السبل لقتل وحدته. هذا سلوك مألوف في المدن عمومًا، تتعلمه بالخبرة أحيانًا، وأحيانًا باختبار محن ومعضلات، يسببّها، فضولك وأحيانًا تضامنك.

لا يبقى لك في هذه المدن غير أن تكون مفترسًا كامنًا. وأن تنتظر صامتًا ومحايدًا كما لو أنك لا تسمع ولا ترى وتتكلم

يمر الرجل حافيًا على الرصيف، ممسكًا بصدغيه ويطلق نشيجًا عاليًا. كان عاريًا تمامًا لا يستر عريه شيئًا. تأملناه جميعًا، كل رواد المقهى وعماله وعاملاته، ونظرنا إلى بعضنا دفعة واحدة، نظرة من يريد أن يتأكد أنه يرى ولا يحلم. ويريد هذا التأكيد من جاره الذي يفترض به أن يكون رأى ما رآه، وأن آثار رؤيته ما زالت تخيم على فمه وعينيه. ثم ابتسمنا لبعضنا ابتسامة استفسارية، لم تدم غير ثوان معدودة، وعدنا إلى مشاغلنا أو ملاهينا.

اقرأ/ي أيضًا: الثورات المستحيلة

خلف مسير هذا الرجل عاريًا قصة. نحن لا نعرفها، لكننا نعرف بوجودها، من أثرها البادي للعيان. لكن هذه القصة على فداحتها، وهي فادحة حتما، لم تدفعنا لسؤاله. من يدري: ربما يكون فاقدًا لوعيه وإدراكه، ربما يكون مخدرًا كليًا، وربما يكون رجل عصابة عوقب بتعريته وأخذ كل مقتنياته، وربما يكون ضحية لفعل عدواني ما. لكننا، لن نساعده. ليس واردًا في مثل هذه الحال أن نهب لنجدة مظلوم. مثل هذه الهبّة هي وصفة لا تخطئ لإقحام نفسك في مشاكل لا تنتهي. كل ما فعلناه أننا ابتسمنا لبعضنا ونظرنا في أعين بعضنا بعضًا لنؤكد لأنفسنا أننا لم نبلغ هذا الدرك بعد. ما زلنا نستطيع العيش في هذه المدينة متجنبين كل ما فيها ومن فيها. ما زال هذا الأمر ممكنًا، ولم نسقط بعد في حفرة المدينة العميقة.

العيش في مدينة مكتظة بالمجهولين، هو تجنب بحت. تتجنب أن تنظر في عيني جارك على طاولة المقهى، تتجنب أن تنظر في وجه الصبية الجميلة التي تلبس ثيابًا فاضحة. جل ما تستطيع فعله أن تنظر إلى قفاها. في هذه اللحظة، تكون نظرتك نظرة مفترس وليست نظرة تواصل. التواصل ممنوع ومحفوف بالمخاطر في هذه المدن. إذًا، لا يبقى لك غير أن تكون مفترسًا كامنًا. وأن تنتظر صامتًا ومحايدًا كما لو أنك لا تسمع ولا ترى وتتكلم.

في العادة، حين تقيم في حي جديد، ويُلزمك الضجر والوحدة أن تداوم الجلوس إلى طاولات المقاهي، يجدر بك أن تعرف حدودك. أنت الوافد الجديد إلى المقهى، وما زلت قيد المراقبة. عليك أن تثبت أنك بلا حواس تقريبًا، وأنك غير فضولي، إلى الحد الذي يمنعك من تجربة ما يقدمه المقهى من أصناف مشروبات ومأكولات والاكتفاء بطلبك المعتاد. وذات يوم، بعد زيارات لا تحصى إلى مقهاك الذي فُرض عليك فرضًا، سيقوم النادل بتحضير طلبك ما أن تدخل من الباب. هذه علامة لا تدحض على أنك لم تعد غريبًا: أنت شارب الإسبرسو الذي يجلس على تلك الزاوية، ودائما تحمل في حقيبتك حاسوبًا محمولًا، وبيدك قنينة ماء.

متى تنتهي غربتك في هذه المدينة؟ الأرجح أنها لن تنتهي. لكنك تستطيع من آن لآخر أن تتصرف كسائح. وسوف يتاح لك، كسائح، أن تعاين كل شيء

وإذا حدث يومًا أنك جئت إلى المقهى برفقة أحد معارفك، فذلك لكي تخفف عنه وطأة الزيارات المتكررة والطويلة إلى المقهى بوصفه غريبًا وممنوعًا من التعبير عن نفسه. التعبير عن النفس؟ هذا كلام كبير. لنقل أنك تكون ممنوعًا عن تحريك يدك على نحو مخالف للطريقة التي حركتها البارحة.

اقرأ/ي أيضًا: حكاية كل صورة

ما تقدم ليس إلا فصلًا صغيرًا في تغريبة مدن اليوم. وليكون المرء دقيقًا: في تغريبة العلاقة مع شوارعها. فثمة من يقطن في هذه المدن ولا يتصل بشوارعها اتصالًا مباشرًا، لأنه يملك ما يؤهله، ماديًا على الأغلب، ليتصل بمن يشبهونه، هوى ورغبات وأمزجة، في أماكن مغلقة وغير متاحة للغرباء الوحيدين.

متى تنتهي غربتك في هذه المدينة؟ الأرجح أنها لن تنتهي. لكنك تستطيع من آن لآخر أن تتصرف كسائح. وسوف يتاح لك، كسائح، أن تعاين كل شيء، وتصوره بكاميرتك أو بذاكرتك. إنما ولكي تكون سائحًا، يجدر بك أن تنفي عن وجهك ومظهرك كل أثر يوحي بأنك تقيم قريبًا من هذا المكان.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ارتدادات كورونا الاقتصادية الطويلة الأمد

مثقف لا يقرأ