في مقهى المحطة

في مقهى المحطة

تجهيز لـ مارتن هونرت/ ألمانيا

المكان الذي يكدّ الناس فيه هذا الصباح كان أنقاضًا قبل نصف قرن. لا بد أن أديمه جثثٌ قديمةٌ. ولو استعرتَ صرخة أبي العلاء "خففِ الوطء" لن يبالي أحد، رغم احتمال أنَّ الحيَّ العابر يطأ رميمَ جدّه الميت المقيم.
سرعانَ ما يصبح الموتى أجانبَ!

كذلك الحال هناك، في المكان الذي يتقوّض الآن، فمن فيه يحلمون بمكانٍ كهذا، يضج بالكد الصباحيّ. رغم أنك كنت تردّد جملة ماركيز، حين تراهم في الكراجات: "تبدو وجوههم تعيسة، وكأنّهم سيعدمونهم صباحَ اليوم التالي".
الموتى، دائماً، سؤال الغرباء؛ الغرباء في المكان أو عنه.
*

يتحدّث كثيراً عن المافيا الإيطالية، أو لا يتحدث عن سواها. التقيته في مقهى الرصيف وكان ثملاً ويتحدث بانكليزية أسوأ مني. حكايته الأهم عن ساعي بريد أحد الأحياء الفقيرة في ضواحي "نابولي"، حيث يقوم بإيصال رسائل السجناء، وهم طبعاً من أعضاء المافيا الصغار، إلى زوجاتهم اللاتي ينتظرن.

العمل كثير، فالسجناء كالعادة لا يفعلون شيئاً سوى كتابة الرسائل، لكن المشكلة أنهم لا يكتبون العناوين ولا أرقام البيوت ولا أسماء زوجاتهم. ربما لأن تلك الشوارع، ككل الشوراع الخلفية، بلا أسماء. الساعي ابتكر حله السحري، سوف يأتي مرة كل أسبوع ومعه مكبر صوت، يقرأ أسماء السجناء وسط الحي، وعلى كل من تسمع اسم زوجها ان تأتي لاستلام بريدها.

مأساة ساعي البريد أنه لا يستطيع تلبية أيٍّ من نداءات هؤلاء الفاتنات الوحيدات، فالمافيا تراقب عمله.. ورغباته.
*

كولونيا مدينة الأقزام. تقول الحكاية الشعبية إنهم كانوا يكملون أعمال الأهالي الكسالى؛ يأتون ليلاً لكي يطبخوا للطباخ، وليخيطوا ما لم يكمله الخياط. 

امرأة كولونيّة، هي صورة أخرى من صور "بندورا" في الأسطورة الإغريقية، دفعها فضولها لتراهم. ليلاً حين سمعتْ ضجيج مجيئهم فتحت الباب... ومن يومها لم يعد الأقزام إلى كولونيا.

الآن، في مقهى المحطة، أسجّل ملاحظة صغيرة: الأقزام أجانب أيضاً!
*

شاهدتُ ابن عمي صينياً. هو ذاته بالرأس الكبير، ولكن ببعض الانطلاس في العينين. صورتُ النسخة الأثيوبية من سوسن وأرسلتها على الفور، وأحبّتْ نفسها كثيراً بتلك العظام الضامرة، والهزل العنيف في الخصر. لكلٍّ منا نسخة تامة الأوصاف في الأعراق الأخرى، فقط كي نعرف أننا أجانب أنفسنا.

*

راقبتُ البيوت مثلثة الأسقف، وتساءلت: لماذا كنا نرسم البيوت على هذا الشكل في حصة الرسم مع أن بيوتنا ليست كذلك؟
حتى بيوتنا أجنبية.

أقرأ/ي أيضًا:

حين توقّفت شهرزاد

عطوان وفودة.. داعش باقية وتتمدّد في الكتب