رفسنجاني.. إرثٌ من القمع خلف واجهة الاعتدال

رفسنجاني.. إرثٌ من القمع خلف واجهة الاعتدال

246 مشاهدة
الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني (أتا كيناري/أ.ف.ب)

قبل وفاته بفترةٍ وجيزة، عبر علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس الإيراني الأسبق ورجل الدين البارز، عن موقفه بشأن الهولوكوست. قال رفسنجاني "على سبيل المثال، يقال إنه قد قُتل ستة ملايين من اليهود. تكشف الروايات اللاحقة عن أنه رغم موت البعض، إلا أن الكثير من اليهود كانوا مختبئين خلال تلك الفترة؛ "الموتى" ما زالوا على قيد الحياة في الواقع". كان الهدف الأكبر من اللقاء هو تذكير المسؤولين الإيرانيين بعدم تبني السردية الغربية المخادعة للهولوكوست علنًا، لأنها لا تؤدي إلا إلى تقوية إسرائيل. كان ذلك نموذجًا لأسلوب ومكر رفسنجاني: كان يظهر عادةً صورة معتدلة تخفي حقيقة تشدده. هكذا بدأ راي تاكيه، وهو زميلٌ بمجلس العلاقات الخارجية، وريول جريشت، وهو زميلٌ بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، مقالهما بصحيفة واشنطن بوست الأمريكية.

اعترف رفسنجاني بأن التضييق الذي تفرضه الدولة ينفر الشباب من النظام. لكنه، كنصير لدكتاتورية رجال الدين، لم يسمح بتقليص سلطة الدولة

يرى تاكيه وجريشت أن أغلب نعايا رجل الدين في الصحافة الغربية تنوح موت "براجماتي" كان في الواقع أهم مهندسي ماكينة القمع والطموحات الإقليمية الخاصة بالنظام الثيوقراطي. كرس رفسنجاني، وليس معاونه الذي تحول إلى عدوه، علي خامنئي، الإرهاب كأداةٍ ضمن فن الحكم الإيراني. لقد كان رفسنجاني هو القوة الدافعة وراء تطوير البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

اقرأ/ي أيضًا: رهان إيران طويل المدى للتغلب على الاتفاق النووي

ويتابع الكاتبان أن مأساة رفسنجاني كانت أنه مع تقدمه في السن بدا أنه يقدر استحالة الثورة الإسلامية. كانت حدود رجل الدين الذي كان يتمتع بالدهاء السياسي أكثر وضوحًا خلال فترة رئاسته. إبان توليه السلطة عقب ثماني سنوات من الحرب المدمرة مع العراق، أصر رفسنجاني على أن ضرورات إعادة البناء والإصلاح سوف ترشده. لكن ميوله السلطوية أعاقت تمكين القطاع الخاص مع إصراره على إشراف دولة قوية على خلق اقتصادٍ صناعيٍ حديث. قاد اعتماده على الدولة الذي شابته المحسوبية إلى بيروقراطيةٍ متضخمة والمبالغة في الاقتراض الخارجي وأزمة دين.

خلال عهد رفسنجاني، أصبح الفساد مستوطنًا. لقد كان رفسنجاني هو من حاول تطويع الحرس الثوري عبر منح مسؤوليه مناصب كبيرة في قطاعاتٍ رئيسية من الاقتصاد. إن طبقة الثوريين الأثرياء الجديدة بالجمهورية الإسلامية، والذين راكموا ثرواتهم بفضل صلاتهم بالنظام والذين يجعلون رواد الأعمال الصينيين يبدون نزهاء، هم أبناء رفسنجاني الحقيقيين.

ويشير الكاتبان إلى أن رفسنجاني كقائدٍ مفتون بنجاح الدكتاتوريات الشرق آسيوية لم يفكر أبدًا في الإصلاح السياسي بجدية. في بعض الأحيان، اعترف رفسنجاني بأن التضييق الثقافي الحاد الذي تفرضه الدولة ينفر الشباب من النظام. لكنه، كنصيرٍ لدكتاتورية رجال الدين، لم يكن يمكنه أبدًا السماح بإجراءاتٍ تقلص سلطة الدولة. خلال عهده، كان يتم فرض رقابة شديدة على الصحف، كما كان يتم اعتقال المعارضين واغتيال البعض منهم بالداخل والخارج. كان أكثر وزير استخبارات إثارة للرعب منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، علي فلاحيان، هو رجل رفسنجاني. كان رفسنجاني يحاكي أحيانًا شعارات الإصلاحيين ويقيم موائد مستديرة مع المثقفين، لكن جهاز الإرهاب الإيراني ظل على حاله إلى حدٍ كبير.

ناظرًا إلى ما وراء إيران، أحب رفسنجاني عقد مؤتمرات لمسلمين سنة متشددين يمكن أن يدركوا أنه ينبغي على السنة والشيعة الاتحاد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. لم يكن رفسنجاني، الذي ربما يكون أكثر النخبة الدينية الحاكمة في إيران سفرًا (حيث ارتحل كثيرًا في السبعينيات مستخدمًا ثروة عائلته)، مستريحًا للطائفية التي تميز سياسة طهران الخارجية في الوقت الحالي.

اقرأ/ي أيضًا: إيران..قمع ما بعد الاتفاق النووي

لكنه كان مستريحًا تمامًا لفكرة فرق تسد بين "الكفار": قاد رفسنجاني انفتاحًا مع أوروبا، معتبرًا التكنولوجيا والاستثمارات الأوروبية متطلبًا أساسيًا للهمينة الإيرانية في الشرق الأوسط. لتحقيق ذلك الحلم، لم يكن لدى رفسنجاني مشكلة في عقد اتفاقات مع شركات النفط الأمريكية.

خلال فترة رئاسته (1989-1997)، أعاد رفسنجاني تنظيم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، كما سعى إلى اجتذاب العلماء الإيرانيين من الخارج

في النهاية، قد يكون إرث رفسنجاني ذو الأثر الأعمق هو طموحات إيران النووية. في بدايتها، أخرجت الثورة الإيرانية، بأزماتها واضطراباتها، البرنامج النووي الذي بدأه الشاه عن مساره. في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، برز رفسنجاني كممكنٍ رئيسي للصناعة النووية. خلال الحرب العراقية الإيرانية، كان للنظام الديني الكثير من الاحتياجات، مع سعي الثوريين إلى توطيد حكمهم في الداخل بينما يصدون فيالق صدام حسين. وجد رفسنجاني دائمًا الأموال للمضي قدمًا في أبحاث الأسلحة النووية، وهي الحقيقة التي سببت لوكالات المخابرات الغربية بعض القلق.

خلال فترة رئاسته (1989-1997)، أعاد رفسنجاني تنظيم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، كما سعى إلى اجتذاب العلماء الإيرانيين من الخارج واندفع إلى شراء الكثير من التقنيات النووية مزدوجة الاستخدامات. تكشف يوميات رفسنجاني المنشورة، والتي تغطي فترة رئاسته، أدلة مثيرة على التعاون مع كوريا الشمالية في مجال الصواريخ البالستية وأسلحة الدمار الشامل، كما تكشف أيضًا عن سعادة رفسنجاني بالتفوق في الحيلة على مراقبة البحرية الأمريكية.

الآن تقع مهمة المضي قدمًا في أحلام إيران النووية على عاتق ربيب رفسنجاني الأكثر شهرة، الرئيس حسن روحاني، والذي أظهر مكره الخاص في سحر الغربيين. قبل مدةٍ ليست بطويلة، كان إصلاحيو إيران المضطهدين يصبون لعناتهم على رفسنجاني وروحاني، واللذين اعتبرا كلاهما تجسيد الشر. اليوم يُنعى رفسنجاني ويُشاد بنائبه من قِبل ذات الرجال والنساء كآباءٍ روحيين لخلاصهم المحتمل. لابد أن رفسنجاني، والذي كان يتمتع بحس فكاهة لاذع وحسٍ سليم بالتاريخ، كان يقدر تلك المفارقة المبهجة قبل أن يوقف قلبه الضعيف عقله اللامع عن التخطيط ضد أعدائه الكثيرين.

اقرأ/ي أيضًا:

إيران بعد كابوس العقوبات..البحث عن الانتقام

عهد عون: إيراني-سوري وتكريس لحزب الله؟