إيران.. قمع ما بعد الاتفاق النووي

إيران.. قمع ما بعد الاتفاق النووي

الرئيس الإيراني حسن روحاني (Getty)

خلال الصيف الماضي، وقعت إيران أخيرًا، مع الولايات المتحدة وأطراف غربية أخرى، الاتفاق النووي الإيراني. للوهلة الأولى، يبدو ذلك كإنجاز تاريخي. ولكن يبدو أن هناك بعض الأمور المعلقة التي لم يحسمها الاتفاق النووي بعد، سواء في الشؤون الإيرانية الخارجية أو الداخلية.

يدع خامنئي الفصائل السياسية تتناقش طالما لا تهدد أمن النظام، ثم يتدخل في النهاية، بعد أن يرى المشهد السياسي بشكل أوسع، ليتخذ القرار النهائي

قال مارتن بارون، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة واشنطن بوست إنه الحدث "الأكثر إحباطًا"، في إشارة إلى إتمام الصحافي الأمريكي الإيراني، جيسون رضائيان، ليومه الـ500 في سجن إيفين الإيراني يوم 3 ديسمبر، وهو مدير مكتب الصحيفة في طهران، وحسبما تشير مجلة "فورين بوليسي"، تزيد فترة اعتقال رضائي بذلك شهرين عن فترة احتجاز 52 أمريكيًا في السفارة الأمريكية بطهران بواسطة الطلاب المتشددين الذين اجتاحوا مبنى السفارة عام 1979، ليشعلوا إحدى الشرارات الأولى للثورة الإسلامية الإيرانية وقطع العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع أمريكا.

وبينما نقلت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية يوم 22 نوفمبر عن المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية أن محكمةً قد قضت بسجن الصحافي لمدة غير محددة بتهمة التجسس، يرسل القضاء الإيراني إشارات قوية حول رفض خضوعه للضغوط الخارجية، خصوصًا في ضوء الهدوء النسبي في العلاقات مع أمريكا بعد الاتفاق النووي.

ظن الإيرانيون، وفق مراسل خاص لمجلة "فورين بوليسي"، أن توقيع الاتفاق النووي سيدشن نوعًا جديدًا، وألطف، من العلاقات مع الغرب، ولكن يبدو أن المرشد الأعلى الإيراني لديه خطط أخرى.

لم يبد المرشد الأعلى من البداية تأييدًا مطلقًا للاتفاق. بل انتهج أسلوبًا يجعله متخذ القرار الأخير، ولكنه ليس المتخذ الوحيد للقرار. يدع خامنئي الفصائل السياسية تتناقش طالما لا تهدد أمن النظام، ثم يتدخل في النهاية، بعد أن يرى المشهد السياسي بشكل أوسع، فقط ليتخذ هو القرار النهائي.

ضمن تبعات توقيع الاتفاق النهائي، حذر خامنئي في شهر سبتمبر من "التسلل" الأجنبي في إيران. ثم أعلن موقفًا أكثر حدة في 25 نوفمبر عندما قال: "هناك عدو مخادع، ماكر، بارع، محتال، وشيطاني" أمام قادة "الباسيج"، وهي قوات شبه عسكرية تطوعية تأخذ أوامرها من قوات الحرس الثوري الإيراني. وتابع: "من هو هذا العدو؟ إنه الغطرسة. وبالطبع، تمثل أمريكا اليوم تعريف الغطرسة".

تمادى خامنئي في تعزيز حدة خطابه، فقال إن الاستثمارات الأجنبية والتأثيرات الثقافية ستكون الطريقة الأولى التي سينتهجها الغرب في محاولة إسقط النظام الإسلامي الإيراني. تبتعد تلك التصريحات عن البراجماتية الشديدة التي أظهرها المرشد الأعلى في موافقته على الاتفاق النووي منذ أشهر قليلة. فمن ناحية، أراد خامنئي أن يتخلص من العقوبات الاقتصادية التي قوضت الاقتصاد الإيراني كثيرًا وعزلته عن الاقتصاد العالمي. ومن الناحية الأخرى، تشير أفعاله منذ ذلك الحين إلى رغبته استرضاء نخبته المحافظة التي عارضت الاتفاق وأساليب إدارة روحاني.

انضم سريعًا القادة المحافظون إلى صف خامنئي، حيث زعم قائد الباسيج، محمد رضا نقدي، بأن الولايات المتحدة قد خصصت ملياري دولار للإطاحة بالنظام الإيراني. بل ووضع وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، الذي ترأس مفاوضات الاتفاق النووي، على رأس هذه المؤامرة.

يشير سجن رضائيان ومزاعم نقدي، بعد توقيع الاتفاق النووي، إلى انقسام وسط النخبة السياسية الإيرانية حول مستقبل العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة، فيقف على أحد الجانبين السياسيين المعتدلين نسبيًا وعلى رأسهم الرئيس حسن روحاني، الذين حفزوا توقيع الاتفاق المؤقت عام 2013 ثم الاتفاق النهائي الصيف الماضي، وعلى الجانب الآخر يقف المتشددون المناهضون للانفتاح مع الغرب. وعلى نطاق أعمق، يبدو الانقسام أكثر حدة بين السياسيين والشعب الإيراني الذي عانى طويلًا، لابد أن احتفالات الشعب الإيراني في الشوارع بتوقيع الاتفاق تحمل الكثير من الدلالات حول تطلعات الشعب.

يجد روحاني وكبار مسؤولي إدارته أنفسهم محاصرين بين الشعب، المتطلع إلى المزيد من الانفتاح، والنظام المحافظ.

يبدو ذلك الانقسام باديًا أيضًا لدى الشباب الإيراني البارع تكنولوجيًا، الذي تجنب المساجد وتطلع إلى الغرب بحثًا عن التسلية والإلهام، والذين هجر الكثير منهم بلاده. تقول جولناز، 33 عامًا، وهي حاصلة على ماجستير في إدارة الأعمال: "أنا غير حرة"، فقد أدت صداقاتها مع العديد من الأجانب إلى مراقبتها ومراقبة بريدها الإلكتروني من قبل أجهزة الأمن، إلى أن انتقلت مؤخرًا إلى كندا. تعتقد جولناز أن الرئيس روحاني يفعل ما بوسعه لتحسين الأوضاع، ولكن في ضوء المقاومة التي يواجهها، لا تعتبر نفسها مستعدة لإضاعة المزيد من سنوات حياتها العملية.

يجد روحاني وكبار مسؤولي إدارته أنفسهم محاصرين بين الشعب، المتطلع إلى المزيد من الانفتاح، والنظام المحافظ. فقد صرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أنه قد أمل أن يكون رضائيان غير مذنب، ولكنه تراجع عن ذلك الموقف عند سؤاله عن مصير الصحافي، فربما شعر بردة فعل عكسية في البيئة الداخلية المتوترة.

إلا أن روحاني، من جانبه، قد أثار بشكل معلن احتمالية إجراء تبادل سجناء، والتي يعتقد أنها ستشمل ثلاثة مساجين أمريكيين، منهم رضائيان، مقابل 19 إيراني مدانين في الولايات المتحدة باتهامات متعلقة بالعقوبات الاقتصادية.

في المقابل، أقدم النظام على بعض الخطوات التي تُذكر روحاني بمدى عجزه، وعدم سيطرته إلى درجة كبيرة على العديد من المؤسسات الأمنية في بلاده. فبعد حوالي أسبوعين، اعتقل القسم الاستخباراتي بالحرس الثوري رجل الأعمال الإيراني الأمريكي، سياماك نمازي، في طهران. جدير بالذكر أن نمازي قد أعلن عن تأييده لعلاقات إيرانية أمريكية أفضل، بالإضافة إلى تقديمه للاستشارات للشركات الأجنبية حول كيفية إجراء الأعمال التجارية في إيران.

وفي غضون ذلك، اختفى خبير لبناني بتكنولوجيا المعلومات مقيم بالولايات المتحدة، نزار زكا، بعد مؤتمر في العاصمة الإيرانية، والذي دعي له من قبل الحكومة الإيرانية. بينما قال التلفزيون الحكومي الإيراني، الخاضع لسيطرة زمرة متشددي خامنئي، إن زكا قد اعتقل بتهمة التجسس.

تبدو بعض الأطراف متحمسة للاستثمار في إيران، فقد زار إيران أكثر من 100 شركة أجنبية متخصصة في مجال النفط يوم 28 نوفمبر واستمعت إلى دعم وزير النفط الإيراني للاستثمارات الأجنبية، ولكن ذلك الحماس سيفقد وهجه بالتأكيد إن استمر الحرس الثوري الإيراني في اعتقال رجال الأعمال الأجانب.

بينما تصدر تلك المواقف الحادة عن خامنئي، يقول أحد التفسيرات المتفائلة إن الحكومة تنوي اتخاذ إجراءات رمزية حتى لا تتخلى عن موقفها المعادي لأمريكا، إلا أن تلك المواقف الرمزية لن يكون لها تأثير عملي. فقد أعلنت وزارة التجارة والتعدين والصناعة الإيرانية عن اعتزامها حظر استيراد جميع البضائع الاستهلاكية الأمريكية بهدف "تعزيز الإنتاج الوطني". إلا أن ذلك الخبر كان مثار سخرية العديد من الإيرانيين، حيث تقول سارة أحمدي، وتعمل مديرة تنفيذية، إن البضائع الأجنبية تملأ إيران، مشيرة إلى وجود ثلاث متاجر لشركة "نايكي" في شارع واحد بطهران. ومع ذلك، يبدو أن تجارة البضائع الأجنبية قد تواجدت بالفعل في إيران خلال السنوات الأخيرة، ولكن ممارستها اقتصرت على الموالين للنظام. 

بينما تصدر تلك المواقف الحادة عن خامنئي، يقول أحد التفسيرات المتفائلة إن الحكومة تنوي اتخاذ إجراءات رمزية حتى لا تتخلى عن موقفها المعادي لأمريكا

تشير جميع تلك التناقضات إلى أن الاتفاق النووي قد جعل عقد الصفقات الدبلوماسية أكثر صعوبة مما مضى إلى حد ما. فبعد تنازل المحافظين وقبولهم بتوقيع الاتفاق، ليس من المرجح أن يقبلوا بتقديم المزيد من التنازلات لصالح الولايات المتحدة والغرب. ويعلق دبلوماسي غربي في طهران قائلًا: "بالنسبة للمتشددين، سيبدو ذلك كاتفاق آخر مع أمريكا، وهي إشارة لا يودون إرسالها".

وفي غضون ذلك، تستمر القائمة المتزايدة من الأشخاص القابعين في السجون، بما فيها من مواطنين إيرانيين معارضين، في تجويف تعريف روحاني بـ"الاعتدال"، وإعاقة تطلعاته إلى إعادة انتخابه في عام 2017. ورغم إلقاء معظم الإيرانيين للوم على القضاء الإيراني وليس روحاني، يحتمل أن يُلقى اللوم في النهاية على روحاني.

يعلق المراسل الخاص بمجلة "فورين بوليسي" قائلًا: "يقول الإيرانيون الأكثر تفاؤلًا إن روحاني يحتفظ بثقة الجمهور ولا يجب أن يتراجع أمام استفزازت عناصر النظام المعادية للغرب في أغلبها. فإن تراجع المتشددون في انتخابات فبراير، سيتمتع روحاني بتفويض أقوى للمضي قدمًا في تنفيذ أجندته".

يبقى أمام جيسون رضائيان أن ينتظر تراجع المتشددين في الانتخابات، أو أن تؤدي التصرفات المتناقضة بين إدارة روحاني والنظام إلى تحرير قيوده، وربما إعطاء المزيد من الحرية للشعب المتطلع إليها.

المصدر الرئيسي للمقال:  Khamenei’s Counterrevolution Is Underway

__

اقرأ/ي أيضًا: 

أوباما..السير على خط رفيع بين أنقرة وموسكو

أوباما والتدخل العسكري..مسرحية من ثلاثة فصول