ذباب حول العمائم

ذباب حول العمائم

ما زال الطريق أمام وقف التحرش طويلًا (تويتر)

تقول الموظفة السابقة في القطاع الحكومي إن رئيسها السابق، وهو وزير كبير في الحكومة دأب على التحرش بها، وفي يوم من الأيام حاول الاعتداء عليها جنسيًا عندما ذهبت إلى مكتبه، وبعد أن قاومته وهددته بالصراخ وأفلتت من قبضته، كانت هذه المرة الأخيرة التي تراه فيها.

أول خطوة في الطريق نحو وقف التحرش، أن نرفع الغطاء الديني عن المتحرشين، وأن نقول لكل من يوجد لهم المبررات والمخارج من الشيوخ والدعاة: احترموا عمائمكم

لم تقدم الموظفة شكوى ضد الوزير المتحرش، استقالت من وظيفتها لأنها لا تثق في إجراءات الحكومة، فضلًا عن أن الجميع سيلومها هي إن تحدثت، ففضلت أن تبتعد هي وتنهي بأيديها مسيرتها المهنية التي كانت ناجحة.

اقرأ/ي أيضًا: حملات مناهضة التحرش تتصاعد آسيويًا.. أن تصل ولو متأخرًا

حدث ذلك في أفغانستان، وكشفه مع وقائع أخرى كثيرة ومخيفة تحقيق مهم لمؤسسة بي بي سي البريطانية عن التحرش الموجود في مستويات رفيعة داخل الجهاز الحكومي في بلاد بقيت قوانينها لسنوات طويلة تلزم النساء والفتيات بارتداء النقاب، ولا تسمح لهن بالتحدث بصوت عال حتى لا يسمعهن رجال غرباء، وتحرمهن من الخروج من بيوتهن للدراسة أو العمل، ورغم ذلك تتصدر دول العالم في التحرش في كل التصنيفات ولسنوات كثيرة متتالية.

المؤسسة نفسها نشرت تحقيقًا مثيرًا للجدل عن التحرش بالنساء في موسم الحج وفي رحاب الحرمين. عشرات النساء تحدثن عن تعرضهن للتحرش والاعتداءات الجنسية على يد حجاج ورجال أمن بينما يرتدين ملابس الإحرام، وبعد نشر التحقيق أطلقت الناشطة المصرية الأمريكية منى الطحاوي وسمًا على موقع تويتر لتجميع شهادات النساء اللاتي تعرضن للتحرش في الحرمين وفي المساجد عمومًا، فانهالت آلاف الشهادات على مواقع التواصل الاجتماعي لتكشف حجم المأساة المسكوت عنها.

هل وصل عبد الله رشدي شيئٌ من هذه الشهادات؟ هي نماذج لاعتداءات جنسية تقع في بلاد لا يُكشف للمرأة فيها وجه، وفي بقاع يُفترض فيمن يذهب إليها أنه ذاهب للعبادة زاهد في شهوات الدنيا، لا كانت المرأة فيها "حلوى مكشوفة" ولا استفزت ذكورة الذباب.

تقوم رواية رشدي وبقية المشايخ على أن المرأة "المتبرجة" هي التي تستفز شهوات الرجال فيتحرشون بها، وأنهن لو التزمن بالزي الإسلامي ما تعرضن لأي مضايقات، ويختلف مفهوم التبرج هنا حتى من شيخ لآخر، يراه بعضهم كشف الشعر وأجزاء من الجسم، ويراه آخرون كمحمد حسين يعقوب ارتداء نقاب أسود كامل مع اختيار لون مختلف للجوارب!

يبدأون حديثهم دومًا برفض التحرش وإنكاره وبعدها تأتي كلمة "ولكن" ليُحمل كل ما بعدها المسؤولية للمرأة نفسها ويوجدون المبررات للمتحرشين، ذلك يبرر الاحتفاء الكبير بآراء هؤلاء الشيوخ في الموضوع، والهجوم الكاسح على كل من يعارضهم. هم يقدمون المسكنات لضمائر المتحرشين، يحولونهم إلى مجرد رد فعل مغلوب على أمره، بل وأحيانًا يتحول المتحرش إلى مجاهد في سبيل الله يعاقب المتبرجة على تبرجها كي ترجع إلى الطريق القويم. ليس متحرشًا بل صاحب رسالة.

لكن بفرض موافقتنا هنا على مبدأ تسليع المرأة وتحويل الرجل إلى كائن بلا عقل تتحكم فيه الشهوات، لماذا لا تظهر كل هذه التبريرات إلا لو تعلق الأمر بالتحرش؟ يحب الجميع الذهب ويجده معروضًا أمامه في الفتارين لكنه لا يجرؤ أن يمد يده فيأخذه لأن هناك قانونًا سيدينه بالسطو المسلح ومجتمعًا سيستنكر فعلته ويرحب بمعاقبته. تستفز إعلانات الشقق الفاخرة مشاعر الفقراء لكن لو فكر أحدهم في وضع يده على واحدة منها بالقوة سيجد ردًا عنيفًا ربما يُفقده حياته، فإذا كنتم تصرون على تحويل المرأة إلى سلعة فلماذا تجعلونها سلعة مستباحة؟

ذلك يأخذنا إلى نقطة القوانين، وهل هي رادعة للتحرش بنفس قدرتها على الردع في حالة السرقة؟ مع الوضع في الاعتبار أن السرقة اعتداء على ملكية إنسان بينما التحرش اعتداء على الإنسان نفسه.

تنص المادة 306 مكرر (أ) من قانون العقوبات المصري على معاقبة المتحرش بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه، ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه أو بإحدى العقوبتين، وهي رغم كونها خطوة للأمام بحكم أنه حتى عام 2006 لم يكن التحرش جريمة أصلًا، لكنها تبقى عقوبة شديدة الضعف ولا تكفي للردع خصوصًا مع تحول التحرش إلى واقع يومي وظاهرة لا يخلو منها شارع في مصر.

الأزمة أن هناك طريقًا طويلًا جدًا حتى يقف المتحرش في قفص الاتهام أصلًا، وفي الغالبية الساحقة من الحالات ينجو المتحرش قبل الوصول إلى مرحلة المحاكمة، بدءًا من الناس في الشارع الذين يتوسطون لإقناع الفتاة بالتنازل عن حقها حتى لا يضيع مستقبل الشاب، وإذا تجاوزنا هذه المرحلة قد يتدخل الضابط في مرحلة لاحقة لمحاولة حل الأمر وديًا، ثم مرحلة تدخل الأهل في النيابة لمحاولة التصالح، وصولًا إلى صعوبة إثبات واقعة التحرش في المحكمة إذا كان الشاهد فيها قول الفتاة فقط، ناهيك عن الوصم الذي تتعرض له الفتاة طوال هذه المراحل وكأنها مدانة ومذنبة وليست المجني عليها.

اقرأ/ي أيضًا: المغربيات ينتفضن ضد التحرش الجنسي في وسائل النقل العمومي

فإذا كانت العقوبة غير رادعة، والأصل أن المشكلة تُحل عرفيًا قبل الوصول إلى مرحلة التقاضي، وإذا أضفنا لذلك أن هناك رجال دين يحملون المسؤولية للفتاة قبل المتحرش سواء كانت "متبرجة" بمفهومهم أو حتى ملتزمة ومنتقبة، فكيف نتصور أن ينتهي هذا الكابوس لتنعم أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا بسير هادئ في الشارع وبحقهن في صيانة أجسادهن؟

هناك طريق طويل جدًا لنصل إلى هذا الهدف، لكن أول خطوة في هذا الطريق أن نرفع الغطاء الديني عن المتحرشين، وأن نقول لكل من يوجد لهم المبررات والمخارج من الشيوخ والدعاة: احترموا عمائمكم.