جدران الموت والجنون

جدران الموت والجنون

مما كتب المحاصرون في حل قبل خروجهم (فيس بوك)

هي دفاتر المجانين وهم يكتبون آخر لحظاتهم قبل أن يداهمهم الرحيل. جدران المدينة أو ما بقي منها لم تعد صالحة بعد كل هذا الخراب إلا لسطر واحد يؤرخ آخر فكرة قد ينطقها ميت أو مسافر أو عاشق.

هنا حلب، صدق جنون المصائر يا أبي الذي مات من عقود، هي نفس المدينة التي كانت تضج بالأحياء الهارعين إلى دكاكين الرزق، والعشاق المستعجلين للقاءات أولى، والنسوة المغتسلات من ليالٍ صارخة، وأولادٍ يمسكون بالأيام وأقلام الرصاص.

هنا حلب، هي نفس المدينة التي ضجت بالأحياء في دكاكين الرزق، والعشاق المستعجلين للقاءات أولى، والنسوة المغتسلات من ليال صارخة

لا مكان في هذا الوقت للكتابة عمن فعل كل هذا الخراب ببلد يتسع لكل الحياة، والدقائق القليلة الممنوحة من أجل الرحيل لا تتعدى عصر الروح حتى نهايتها لكتابة توقيع صغير يدل على المكان، أو عبارة مجنونة تختصر سنوات الوجع والطموح.

"راجعين ياهوا" كلمتان من أغنية لفيروز اختصرت الحب والحلم لعاشقين خطاها على جدار والتقطا صورة لذكرى عناقهما الأخير في هذا المكان. العاشقان يريدان أن يبعثا رسالة أمل لكل من وصلته الصورة عبر وسائل الاتصال، سواء كانوا موالاة ومعارضة، محايدين ومهتمين، متعاطفين وأعداء، عائدون أيضًا.

على حائط آخر، وحيدًا يكتب دون مواربة عشقه، هنا ولد وإلى هنا سيعود. كتب باختصار كلماته وقلبه (راجعين يا حلب). مباشرة من القلب إلى من يحب، وتحتها تاريخ الخروج الذي يخطه عاشق من أولئك الصادقين الذين لم يجربوا سوى خفقة قلب واحدة.

اقرأ/ي أيضًا: من أجل حلب..عودة الاحتجاجات السورية في أوروبا

أحبيني بعيدًا عن بلاد القهر والكبت، بعيدًا عن مدينتنا التي شبعت من الموت، أحدهم يترك بيتًا باللون الأحمر من القصيدة المتوحشة لنزار قباني على جدار متداعٍ عله يدلل على وحشية ما حصل، وتبدو فيه رغبة جامحة ببعض الراحة من مشهد الموت المكرر.

يباغتك شعور هؤلاء المحاصرين، وقد كنت تعتقد أن من يعيشون داخل الدمار قد تآلفوا مع الموت والعتمة، وأن دواخلهم محشوة بالحقد والقهر، وأن مفردات الحب والشعر قد مسحت من ذواتهم المكوية بالقصف ووداع جثث الجيران، وأن عيونهم نسيت ألوان البشر ولم تعد تعرف إلا سواد البيوت المحروقة، وفقط وحده مشهد الموتى عالق بين العين والقلب.

"راجعين ياهوا" كلمتان من أغنية لفيروز اختصرت الحب والحلم لعاشقين خطاها على جدار والتقطا صورة لذكرى عناقهما الأخير في حلب

هل هو الجنون يحمي المحاصر والمقاتل والمفجوع، هل ترك هؤلاء عقولهم لهكذا لحظة متوقعة، وأنهم قد تعاملوا مع الجنون بجنون استطاع حمايتهم عندما تحين لحظة التعقل المباغتة؟

خرج هؤلاء من موتهم يشبهوننا نحن الذين نعيش في بحبوحة الحياة، إلا من توق إلى دمارهم وبيوتهم المترنحة، ودموعٍ على ما تركوا خلفهم من أحباء وجدران أليفة، ربما لم يصدقوا هم أننا نشبههم وأننا مثلهم بشر. ثمة من يحدث الكاميرات عن الجوع والبرد والموت، وثمة من يصرخ أنه سيعود بعد حين، وآخرون لا ينتبهون لأحد ربما غرقوا في أنين بعيد.

الجدران دفاتر المجانين هكذا ورثناها، وكل القصة من أولها إلى آخرها خطها بعض المجانين على الجدران فأشعلت النار التي أحرقت الجميع. لكنها اليوم حكاية مختلفة عن بشر حالمون خرجوا من بين أسنان الموت وتركوا وراءهم جدران الجنون والموت شاهدةً على حياة ما.

اقرأ/ي أيضًا:
جدارية يوم القيامة: حلب-القاهرة
التابوتُ أعَزُّ الأصْدِقَاء