تصعيد دبلوماسي بين موسكو وواشنطن.. ماذا بعد العقوبات؟

تصعيد دبلوماسي بين موسكو وواشنطن.. ماذا بعد العقوبات؟

تأتي العقوبات الأمريكية كخطوة رمزية (رويترز)

فرضت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا، وذلك بعد بضعة أيام من المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيس الأمريكي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، تخللها تقديم بايدن لمقترح عقد اجتماع قمة في دولة ثالثة في الأشهر المقبلة لمناقشة النطاق الكامل للقضايا التي تواجه الولايات المتحدة وروسيا، في وقت تشهد الحدود الأوكرانية – الروسية حشودًا عسكرية روسية في خطوة تثير قلق حلفاء كييف الغربيين، ومخاوف من تكرار سيناريو عام 2014 عندما استولت روسيا على شبه جزيرة القرم عبر دعمها الجماعات الانفصالية الموالية لها.

فرضت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا، وذلك بعد بضعة أيام من المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيس الأمريكي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين

واشنطن تطلب من موسكو خفض التوتر بين البلدين

في أول تصريح بعد فرض البيت الأبيض لائحة العقوبات الجديدة ضد روسيا، قال بايدن إن "الوقت الآن المناسب لخفض التوتر القائم" بين واشنطن وموسكو، وتابع مضيفًا أنه ما زال هناك مجال يتيح للبلدين العمل معًا، وتعليقًا على العقوبات الجديدة قال بايدن للصحفيين: "كنت واضحًا مع الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) بأنه كان بإمكاننا المضي إلى أبعد من هذا، لكني آثرت ألا أفعل ذلك… اخترت التصرف بشكل متناسب".

اقرأ/ي أيضًا: إدارة بايدن تفرض عقوبات جديدة على روسيا تشمل طرد دبلوماسيين

وجاءت العقوبات بعد أقل من يومين على المكالمة التي جمعت بايدن مع بوتين، وبحسب البيان الصادر عن البيت الأبيض، فإن بايدن شدد في المكالمة الهاتفية على أن واشنطن "ستتصرف بحزم للدفاع عن مصالحها الوطنية حيال بعض التصرفات الروسية"، في إشارة للتقارير التي ارتبطت بالتدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، والتقارير التي تحدثت عن وقوف قراصنة روس وراء الهجمات السيبرانية التي استهدفت مواقع وشركات أمريكية، إضافة للتدخل الروسي في أوكرانيا بدعمها الانفصاليين في شرق أوكرانيا الموالين لموسكو.

واستهدفت العقوبات الجديدة وفقًا للمرسوم الذي وقعه بايدن 32 كيانًا وأفرادًا روس، بالإضافة إلى ثمانية كيانات وأفراد في شبه جزيرة القرم، فضلًا عن حظر القرار على الشركات الأمريكية الشراء المباشر لسندات الدين الروسية الصادرة عن البنك المركزي، أو صندوق الثروة الوطني، أو وزارة المالية الروسية، ولاحقًا قالت واشنطن إنها طردت 10 دبلوماسيين روس.

وفيما أعرب حلف الشمال الأطلسي (الناتو) عن تأييده للعقوبات الأمريكية التي استهدفت روسيا، فإن العقوبات التي استهدفت شبه جزيرة القرم جاءت بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وأستراليا وكندا، في وقت أعلنت بولندا طردها لثلاثة دبلوماسيين بعدما صنفتهم بأنهم "أشخاص غير مرغوب فيهم" على أراضيها.

وجاءت العقوبات بالتزامن مع تصريحات المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي التي اتهمت فيها موسكو بالتورط في مقتل جنود أمريكيين في أفغانستان، وقالت ساكي خلال التقرير الصحفي اليومي إن التقارير الاستخباراتية التي حصلت عليها الولايات المتحدة "تؤكد تقديم روسيا مكافآت لقتل عدد من جنودنا في أفغانستان"، ورفضت ساكي اعتبار العقوبات الجديدة "تصعيدًا" ضد موسكو، لكنها أشارت إلى أنه من شأنها "جعل روسيا تدفع ثمن بعض التصرفات غير المقبولة" بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.

موسكو تهدد بالرد على العقوبات بالمثل

ولم يخرج الرد الروسي عن سياق تصريحات المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن أن موسكو سترد على أي عقوبات بالمثل، فقد اعتبرت وزارة الخارجية الروسية في بيان صادر عنها أن العقوبات الأمريكية "غير مقبولة"، مشيرةً إلى أن الولايات المتحدة وجهت "ضربة موجعة جديدة إلى العلاقات مع روسيا رغم إعلانها نية بنائها بطريقة براغماتية"، وأضاف البيان "بأنه سيتم في أقرب وقت اتخاذ سلسلة إجراءات جوابية" ردًا على العقوبات الجديدة.

وفي تصريحات منفصلة تناقلتها وسائل إعلام روسية، وصفت المتحدثة باسم وزراة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا العقوبات الأمريكية بـ"السلوك العدواني"، وتابعت المتحدثة الروسية مؤكدةً بأن "الرد على العقوبات سيكون حتميًا"، محملة واشنطن مسؤولية تدهور العلاقات الثنائية بين البلدين، ولاحقًا اعتبرت زاخاروفا أن العقوبات جاءت على عكس ما أبداه بايدن من "اهتمام بتطبيع العلاقات الروسية – الأمريكية"، في إشارة لمقترح بايدن بإجراء قمة مع بوتين في بلد ثالث.

وكانت موسكو قد وجهت رسالة للولايات المتحدة عبر مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف خلال اجتماع مع سفير واشنطن في موسكو جون سوليفان، وبحسب ما نقلت وسائل إعلام روسية فإن أوشاكوف أكد خلال الاجتماع على أن بلاده "سترد بأكثر الطرق حسمًا" في حال فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على موسكو.

خبراء يتوقعون تأثيرًا محدودًا للعقوبات الجديدة

حتى الآن لا يزال تأثير العقوبات الجديدة غير معروفًا على الكرملين، على الرغم من أن الانتعاشة الطفيفة التي عاشها الروبل الروسي أمام الدولار بعد المكالمة الهاتفية بين بايدن وبوتين كانت محدودة، حيث شهد سعر صرف الرويل تراجعًا مرة أخرى بعد الإعلان عن العقوبات الأخيرة، إلا أن المؤكد من مسار العقوبات السابقة أن الكرملين لا يزال صامدًا في وجه العقوبات الأمريكية – الأوروبية المشتركة.

فقد اعتبر تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن التهديد الذي من المتوقع أن تخلفه العقوبات الجديدة يبدو محدودًا، مشيرة إلى عدم تأثر موسكو بالعقوبات التي استهدفت سندات الدين الروسي، نظرًا لأن ديون الحكومة الروسية خارج البلاد يقدر بـ41 مليار دولار، وهو مبلغ صغير نسبيًا مقارنةً بالاقتصاد العالمي، مضيفة بأن معظم سندات الديون التي تبيعها الحكومة الروسية تكون محلية، في حين يملك سبعة بالمائة فقط من المستثمرين الأمريكيين سندات ديون بالروبل من الحكومة الروسية.

وبحسب ما نقلت نيويورك تايمز فإن الخبراء وصفوا العقوبات التي استهدفت سندات الدين الروسي بأنها "خطوة رمزية"، واعتبروا أن الإجراءات الأمريكية التي فرضتها إدارة بايدن، يوم الخميس، تشير إلى أن الإدارة الأمريكية على استعداد للمضي تدريجيًا في نهجها الجديد للتعامل مع موسكو حتى تصل إلى إجراءات أكثر صرامة، مرجحين أن تستهدف الخطوات القادمة الحد من وصول روسيا إلى أسواق رأس المال العالمية.

وشبّهت نيويورك تايمز نهج الإدارة الأمريكية الحالية اتجاه موسكو بنهج إدارة ترامب في إدارتها للملف الإيراني، مشيرة إلى أن بايدن ينتهج في سياسته اتجاه روسيا سياسة مشابهة لاستراتيجية إدارة ترامب التي استخدمت لعزل إيران عبر تقييد وصولها لنظام رأس المال العالمي، وفيما تتقابل مصالح إدارة بايدن مع الدول الغربية بشأن إيران، فإن مصالحهما تتقاطع بشأن روسيا، التي تعتبر من الموردين الرئيسيين للطاقة إلى أوروبا الغربية.

لشرق أوكرانيا دور في العقوبات

كان بايدن واضحًا في مكالمته مع بوتين عندما أعرب عن قلق واشنطن "إزاء الحشود العسكرية الروسية المفاجئة في شبه جزيرة القرم المحتلّة وعلى حدود أوكرانيا"، إضافة للجهود التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الذي ناقش بحسب ما نقلت تقارير غربية انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك على الرغم من المخاوف التي تبديها فرنسا وألمانيا إزاء استياء روسيا إذا ما انضمت أوكرانيا إلى الحلف.

ووفقًا للتصريحات المتبادلة بين واشنطن وموسكو في أعقاب العقوبات الجديدة فإنها توحي بوجود موافقة غير مباشرة على المضي بالمشاورات لتحديد موعد الاجتماع الذي اقترحه بايدن، والذي جاء أولًا على لسان ساكي التي أكدت أن دعوة بايدن للاجتماع مع بوتين "لا تزال قائمة"، فيما وصف بيسكوف مقترح بايدن بأنه مطابق لرؤية بوتين، وتابع مضيفًا أن تحليل المبادرة الأمريكية الجديدة سيتطلب "بعض الوقت"، لافتًا إلى أن الرد عليها سيكون وفقًا لقرار بوتين.

وتجنّب بيسكوف في الموجز الصحفي الصادر عن الكرملين يوم الجمعة الربط بين العقوبات الأمريكية الجديدة، والمقترح الذي قدمه بايدن للاجتماع مع بوتين، لكنه أشار إلى أن "مبدأ الرد بالمثل يعد أساسيًا في مثل هذه المسائل"، مضيفًا بأن موعد عودة السفير الروسي أناتولي أنطونوف إلى واشنطن يعود لبوتين أيضًا، فيما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية أن مكتب الرئيس الفنلندي سولي نينيستو أبلغ كلًا من واشنطن وموسكو رغبة هيلسنكي في تنظيم القمة الثنائية بين قطبي الحرب الباردة.

والسجال الدبلوماسي الذي تصاعد بين قطبي الحرب الباردة حديثًا، يأتي في وقت تشهد فيه الحدود الأوكرانية – الروسية توترات عسكرية، بعدما أعرب حلف الناتو عن قلقه من الحشود العسكرية الروسية قرب الحدود الأوكرانية واصفًا إياها بأنها "استفزازية"، وبحسب المسؤولين الأوكرانيين فإن الحشود العسكرية الروسية قرب الحدود مع كييف وشبه جزيرة القرم يتجاوز 50 ألف جندي روسي، وهو ما يمثل وفقًا لتقارير غربية قرابة 18 بالمائة من القوات البرية الروسية.

وفي محاولة للتقليل من مخاوف الغرب إزاء الحشود العسكرية الروسية الأخيرة، أوضح وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن الحشود العسكرية تأتي "في إطار إجراءات المراقبة والتدريبات خلال فترة التدريب الشتوية"، مشيرًا إلى أن الجنود الروس ينفذون تدريبات في الوقت الحاضر، لكنه أضاف كذلك بأن حلف الناتو بدأ بحشد قرابة 40 ألف جندي إضافة للطيران الاستراتيجي بالقرب من الحدود الروسية.

السجال الدبلوماسي الذي تصاعد بين قطبي الحرب الباردة حديثًا، يأتي في وقت تشهد فيه الحدود الأوكرانية – الروسية توترات عسكرية

وفي دليل على القلق المتزايد من الحشود العسكرية الروسية الأخيرة، قال وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن إن الولايات المتحدة سترفع من تواجدها العسكري في ألمانيا عبر إرسالها 500 فردًا إضافيًا إلى القاعدة العسكرية الأمريكية في ألمانيا، مضيفًا بأن القرار الجديد يعني إلغاء القرار الذي أصدره الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن سحب 12 ألف جندي أمريكي من أصل 36 ألف يتواجدون في ألمانيا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 جولة جديدة من التوتر بين واشنطن وموسكو