المفوَّضيَّة تقاضي أسترازينيكا وحرب لقاح باردة بين روسيا والاتحاد الأوروبي

المفوَّضيَّة تقاضي أسترازينيكا وحرب لقاح باردة بين روسيا والاتحاد الأوروبي

لا زال برنامج التلقيح الأوروبي ضد فيروس كرونا يكابد العثرات (Getty)

لا زال برنامج التلقيح الأوروبي ضد فيروس كرونا يكابد العثرات، تلو العثرات، بعد أن تأخرت شركة أسترازينيكا مجددًا في الالتزام بما تعاقدت عليه والاتحاد، مخلِّفة نقصًا في الجرعات، لم تخفف من حدته تبشيرات منظَّمة الدواء الأوروبيَّة بدخول خط إنتاج لقاح فايزر مرحلة الاشتغال في ألمانيا الشهر الماضي. الأمر الذي دفع بروكسيل للجوء إلى القضاء، في تحرِّك غير مسبوق طوال أمد أزمة اللقاح الأوروبيَّة، والتي يعود انبلاجها إلى أولى شهور السنة الجارية.

لا زال برنامج التلقيح الأوروبي ضد فيروس كرونا يكابد العثرات، تلو العثرات، بعد أن تأخرت شركة أسترازينيكا مجددًا في الالتزام بما تعاقدت عليه والاتحاد

هذا ما أعلنه الناطق الرسمي باسم المفوضيَّة الأوروبيَّة، ستيفان كيرسمايكر، بأنها (المفوضيّة) "شرعت منذ يوم الجمعة الماضي في التحرُّك قضائيًا ضد شركة أسترازينيكا"، هذا التحرُّك الذي يأتي ردًا على "عدم الالتزام ببعض بنود الاتفاقيَّة، وعدم قدرة الشَّركة على الخروج بخطة عمليَّة لسد هذا الخصاص والإيفاء بتعهداتها". مضيفًا بأن "ما يهمنا من القضيَّة هو: إيجاد طريقة أسرع لتسليم ما يكفي من الجرعات لتطعيم المزاطنين الأوروبيين والإيفاء بما تم التعهد لنا به عبر الاتفاقية التي وقعناها مع الشركة"، مؤكدًا أن المفوضيَّة كطرف مقاضٍ "تنوب في ذلك عن الدول الـ 27 المكونة للاتحاد"، وأن رفعها للقضيَّة جاء "بموافقة ودعم من حكومات تلك الدول". فيما بدأت جلسات الاستماع في القضية اليوم الأربعاء، 28 نيسان/ أبريل، بمحكمة بروكسيل.

اقرأ/ي أيضًا: جولة أخرى في حرب اللقاح.. مثالب الضغط الأوروبي على أسترازينيكا

من جانبها، عبَّرت شركة أسترازينيكا عن "أسفها" إزاء التحرُّك الأوروبي الأخير، متعهِّدة بـ "الدفاع عن نفسها داخل المحكمة بكل ما أوتيت من وسائل". بالمقابل، أكَّدت عملها على الوفاء بتوريد 50 مليون جرعة إلى الطرف الأوروبي بنهاية هذا الشهر، تتمة لـ 120 مليون التي سبق وتعَّهدت بتسليمها في الربع الأول من السنة الجارية. منتقلة إلى رد ما حدث من تأخير إلى الضغط الذي تعرفه خطوط إنتاجها، كون لقاحها "يشكِّل نسبة 97% من مجموع الجرعات المخصصة للدول الفقيرة عبر آلية كوفاكس التي أطلقتها منظَّمة الصحة العالمية مطلع الشهر"، تضيف: "نحن نحرز تقدُّمًا في الاستجابة للتحديات التقنية الكثيرة التي تواجهنا وتحسين خطوط إنتاجنا، لكن عجلة إنتاج اللقاح طويلة وبالتالي سيأخذ تقدمنا ذاك وقتا لينعكس في الواقع".

عراقيل وتحديات في الإنتاج تواجها شركة أسترازينيكا، يسلِّطُ عليها الضوء مقال نشره موقع Politico منتصف الأسبوع الماضي، بأنه "رغم التزام مصنع اللقاح الذي ببلجيكا بإنتاج عدد الجرعات المتعاقد عليها مع الشركة، إلا أن مصنع هولندا لازال غير قادر على تصنيع ما يكفي من المصل للإيفاء باتزاماتها مع الاتحاد الأوروبي"، ما دفع الشركة البريطانية إلى إنتاج أكثر من نصف الجرعات المذكورة في مصنع آخر بميريلاند الأمريكية، قبل أن تعلَّب في إيطاليا. الشيء الذي يفند  من جهة ما أتى على ذكره رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشيل، في شهر آذار/ مارس الماضي، عن حظر الولايات المتحدة تصدير اللقاح وما وصفه بـ "قُطريَّة اللقاح". كما يفسر من جهة أخرى "المقاربة الليِّنة" التي عاملت بها أورسولا فون دير لين الولايات المتَّحدة حين تهديد بروكسل بمنع تصدير اللقاح خارج التراب الأوروبي، يورد المقال. ويسترسل بالقول نقلًا عن وثائق أوروبيَّة:" الحل الوحيد أمام أوروبا هو الاستمرار في الاعتماد على مصنع الولايات المتحدة في استيراد جرعاتها من لقاح أسترازينيكا".

يتزامن هذا وإعلان المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، عن فتح باب التقدم لتلقي اللقاح أمام العموم مطلع حزيران/يونيو المقبل، بعدما اقتصر طوال المدة التي تسبق ذلك التاريخ على حالات خاصة وفئات عمرية ووظيفيَّة محددة. معربة عن تخوُّفها من النقاش العمومي الذي قد يطرأ مع توسيع عمليَّة التطعيم، حال مطالبة الفئة المطعَّمة بحريَّة أوسع من القيود التي تفرضها الإجراءات الصحيَّة، بالقول: "سنلج مرحلة انتقاليَّة عسيرة لن يكون من السهل الخروج منها، حيث ستوجَّب علينا التعامل مع الأسئلة الأكثر حساسيَّة"، متعهِّدة بتخفيف القيود على من أتمُّوا تلقي جرعاتهم من اللقاح.  ألمانيا التي تعرف منذ صيف 2021 تصاعد الحركات الاحتجاجية ضد القيود التي فرضتها إجراءات مكافحة فيروس كورونا، اخترقتها حركات اليمين المتطرِّف الذي صعَّد من سطوته بالبلاد؛ خطابًا وشعبيَّة، حيث لم تطعِّم لحد الساعة سوى 7% من سكانها بشكل تام، فيما عدد من تلقَّوا الجرعة الأولى يناهز 23%.

فيما بـ 17% كنسبة للسكان الذين تلقوا جرعتين من التطعيم، تبقى هنغاريا على رأس المتقدِّمين في عمليَّة التلقيح بين دول الاتحاد. وليس هذا التفرُّد الوحيد لها عن باقي جيرانها في القارَّة، بل تعدُّ الوحيدة التي منحت تراخيصًا لاعتماد كل من لقاح سبوتنيك الروسي وسينوفارم الصيني، دون الرجوع لتوصيات هيئة الدواء الأوروبيَّة. بل وشدَّدت وزارة صحَّتها في بلاغ على أن اللقاح الروسي هو "الأكثر أمنًا وفعالية بين كل اللقاحات المطروحة ضد فيروس كورونا".  بالمقابل استغلَّت الحكومة اليمينيَّة الشعبويَّة التي تقود البلاد هذا التقدُّم الذي يحرزه برنامج التطعيم في توجيه هجوم للمعارضة، بدأ إعلاميًا في الأوَّل، بنسب أقوال لهذه المعارضة واتهامها بسعيها إلى العمل على اتساع تفشي الوباء من أجل استغلاله انتخابيًا السنة المقبلة. "أقوال ملفَّقة" حسب موقع DW الألماني، رغم اعتمادها كحقائق من قبل رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، إثر دخوله شخصيًا على خط الاتهام واصفًا خصومه السياسيين بـ " الشر الذي لا حدود له".

غير أن أخذ النقاش حول اللقاح الروسي أبعادًا سياسية ليس مقتصرًا على هنغاريا وحدها، هكذا نجده يؤدي إلى أزمة سياسية في جارتها سلوفاكيا، مطيحًا برئيس الحكومة هناك، إيغور ماتوفيتش، بعدما عمد إلى عقد صفقة سريَّة لشراء 200 ألف جرعة سبوتنيك، ضاربًا عرض الحائط بقرار وزير صحته بـ "عدم اعتماد أي لقاح دون ترخيصه من المختبرات الرسمية أو الهيئة الأوروبية للدواء". وإثر موجة الرفض التي أثارها تصرُّف ماتوفيتش ذاك، ردَّ هذا الأخير باعتبار الأمر حقدًا على شخصه واصفًا من عارضوه فيه بـ "المغفَّلين"، فيما انتهى السجال باستقالة حكومته اليمينية الشعبوية، وإعلان معهد الدواء السلوفاكي عدم ترخيصه استعمال سبوتنيك لـ "نقص المعطيات حول سلامته". التشيك هي الأخرى تعيش على وقع أزمة سياسيَّة، بعد أن تم عزل وزير خارجيَّتها، توماس بيترشيك، لقاء مواقفه المعادية للقاح الروسي، بعد سجال بينه وبين رئيس الوزراء، ميلوس زيمان، المعروف بميلانه نحو موسكو.

أخذ النقاش حول اللقاح الروسي أبعادًا سياسية في هنغاريا، كما سبب أزمة سياسية في جارتها سلوفاكيا، مطيحًا برئيس الحكومة هناك

إذًا هي متاعبٌ وانقسامات سياسية عميقة تلك التي يعرفها الاتحاد الأوروبي حول لقاح سبوتنيك، وما مثَّلته القضية من مستودع لتناطح قطبي هو الأوسع والأكثر تأثيرًا على المناخ السياسي العالمي الراهن؛ بين الغرب من جهة ومحور موسكو-بيكين من جهة أخرى. يقرأ فيه مقال لموقع BBC شبهًا بالحرب الباردة منتصف القرن الماضي، حيث أن "السباق الراهن من أجل أبحاث اللقاح أشبه بالسباق نحو الفضاء خلال الخمسينات"، مضيفًا أن "القوة الناعمة لروسيا تكمن في التيكنولوجيات التي تمتلكها"، و"إذا كانت موسكو فيما مضى تنفق الكثير مقابل شن هجمات سايبرانية وتظليل إعلامي، من أجل نشر الانقسامات وإعدام الثقة داخل الرأي العام الأوروبي، ها هي الآن بفضل لقاحها تحصد نفس الثمار دون أي جهد"، بالتالي "فبوتين وإدارته مستمتعون الآن بما يقع، كون حالة الشقاق هذه مهمة بالنسبة لمصالح روسيا".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

 أزمة التكتل الأوروبي.. من لقاح سبوتنيك إلى انسحاب فيدس من كتلة الشعب الأوروبي

"انتكاسة" لحزب ميركل على وقع فضيحة مالية وسوء إدارة الأزمة الصحية