أزمة التكتل الأوروبي.. من لقاح سبوتنيك إلى انسحاب فيدس من كتلة الشعب الأوروبية

أزمة التكتل الأوروبي.. من لقاح سبوتنيك إلى انسحاب فيدس من كتلة الشعب الأوروبية

يتسبب اللقاح الروسي بخلافات داخل الاتحاد الأوروبي (euronews)

تجددت مرةً ثانية أزمة حصول التكتل الأوروبي على لقاح سبوتنيك الروسي المضاد لفيروس كورونا الجديد بين الدول الأعضاء بعد وصول بياناته الأولى إلى مكتب وكالة الأدوية الأوروبية (EMA) من أجل الحصول على التصاريح الطبية التي تؤكد سلامته الصحية، بينما يتجه عدد من دول الكتلة الشرقية إلى تجاوز تصاريح سلامة اللقاح في خطوة تمثل تحديًا جديدًا للتكتل، الذي يعاني أساسًا من أزمة داخلية تمثلت مؤخرًا بإعلان حزب الاتحاد المجري (فيدس) انسحابه من حزب الشعب الأوروبي أكبر كتلة برلمانية في البرلمان الأوروبي.

تجددت مرةً ثانية أزمة حصول التكتل الأوروبي على لقاح سبوتنيك الروسي المضاد لفيروس كورونا الجديد بين الدول الأعضاء بعد وصول بياناته الأولى إلى مكتب وكالة الأدوية الأوروبية 

سبوتنيك بانتظار موافقة وكالة الأدوية الأوروبية

تصطدم خطة الانعاش الاقتصادي التي وافق عليها التكتل العام الماضي، من خلال موافقته على خطة التمويل المشترك بقيمة 750 مليار يورو سيتم تمويلها بقرض جماعي أولًا، إلى جانب اتفاقهم على شراء اللقاح بشكل جماعي للدول الأعضاء بدلًا عن اتجاه الدول لشراء اللقاح بشكل فردي ثانيًا، بمجموعة من العراقيل التي تحد من تنفيذها، بينما بدأت دول الكتلة الشرقية إلى جانب إيطاليا بإعداد خطط شراء اللقاح الروسي بصيغة فردية.

حرب اللقاح بين بروكسل ولندن.. هل يلجأ الأوروبيون إلى سبوتنيك الروسي؟

وكانت وكالة الأدوية قد أعلنت عن وصول بيانات اللقاح الروسي إلى مكاتبها للحصول على التصاريح الصحية اللازمة يوم الخميس الماضي، وهو ما يفند ادعاءات الجانب الروسي الذي قال سابقًا إنه قدم طلبًا للحصول على التصاريح اللازمة من وكالة الأدوية في كانون الثاني/يناير الماضي، بعد اعتماده في المناطق المتنازع عليها في شرق أوكرانيا، بينما ترفض السلطات الأوكرانية الحصول على اللقاح الذي طوره مركز غامالي الروسي للأبحاث. 

وفي خطوة تمثل تحديًا جديدًا للتكتل الذي يعاني من أزمة داخلية، برزت تقارير غربية تتحدث عن توجه دول المجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا إلى تجاوز بيانات تقييم سلامة اللقاح المفترض الحصول عليها من وكالة الأدوية، بينما تتجه إيطاليا إلى تصنيع اللقاح على أراضيها متجاوزة بذلك قرارات التكتل ذات الصلة، في ظل تحذيرات أطلقتها السلطات المحلية من إمكانية دخول البلاد الموجة الثالثة من الجائحة العالمية نهاية الشهر الجاري.

في مقابل ذلك يبرز موقف مضاد لعدد من دول البلطيق، بما في ذلك بولندا وليتوانيا، حيثُ تحذر تلك الدول التي كانت تخضع سابقًا للاتحاد السوفييتي من أن اللقاح الروسي سيكون جيوسياسيًا، معللين تحذيراتهم بأن الموافقة على استخدامه ستؤدي إلى تعزيز الانقسامات السياسية داخل التكتل، وهو ما يشكل تحديًا للدول الكبرى، ولا سيما ألمانيا التي تشترط استخدام اللقاح الروسي بحصوله على موافقة وكالة الأدوية.

من جهتها أكدت وكالة الأدوية الأوروبية أن تحليلها لسلامة اللقاح لن يكون سياسيًا إنما سيقتصر على تقييمات مرتبطة باللقاح فقط. تصريح جاء على لسان النائب الألماني في البرلمان الأوروبي بيتر لايز الذي أشار إلى أن البيانات السريرية التي قدمها الجانب الروسي "لا تزال تحمل علامة استفهام كبيرة بالنسبة لي"، موضحًا أن الدراسة التي نشرت حول اللقاح في مجلة ذا لا نسيت الطبية تتضمن "أسئلة جدية".

تصريحات النائب الأوروبي أبرزت مخاوف وكالة الأدوية بخصوص الأشخاص الذين خضعوا للتجارب السريرية الخاصة باللقاح، في ظل تساؤلات تحوم حول الشريحة العمرية للأشخاص الروس الذين خضعوا للتجارب السريرية، بعد التقارير التي تحدثت عن إجراء التجارب السريرية على أشخاص أصغر عمرًا، وهو ما دفع بالرئيس التنفيذي لصندوق الثروة السيادي الروسي كيريل ديميترييف للرد على تصريحات لايز مطالبًا التكتل بأن بفصل اتفاق الحصول على اللقاح عن الخلافات السياسية.

انقسام التكتل الأوروبي حول اللقاح

في تجاوز واضح لاتفاقيات التكتل الأوروبي بشأن اللقاح الروسي، وهو ما يمكن وصفه بالخطوة أحادية الجانب، أعلن صندوق الثروة الروسي عن توصله لاتفاق مع شركة Adienne Pharma & Biotech السويسرية للأدوية من أجل إنتاج اللقاح الروسي في إيطاليًا في تموز/يوليو القادم، وهي خطوة تعتبر الأولى من نوعها داخل حدود التكتل الأوروبي، نظرًا لعدم حصول اللقاح على تصريح وكالة الأدوية لاستخدام اللقاح الطارئ داخل التكتل.

وإلى جانب إيطاليا، كانت المجر أول دولة داخل التكتل الأوروبي قد وافقت على اعتماد لقاح سبوتنيك في خطة التطعيم التي بدأتها في شباط/فبراير الماضي، بينما تتجه سلوفاكيا للتراجع عن استيراد مليوني جرعة من اللقاح التي أبرمتها سابقًا مع صندوق الثروة الروسي، بعد تهديد أعضاء من الائتلاف الحاكم بإسقاط حكومة إيغور ماتوفيتش في حال استلام براتيسلافا للقاح الروسي، وذلك على الرغم من حصوله على تصاريح السلامة الصحية اللازمة بعد تجاوز التجارب السريرية.

القرارات أحادية الجانب التي بدأت تتجه إليها دول التكتل متجاوزة بذلك التصاريح المتعارف عليها، دفعت برئيسة مجلس إدارة وكالة الأدوية كريستا ويرثومر هوش لمطالبة الدول الأعضاء بعدم الموافقة على لقاح سبوتنيك حتى تنتهي من مراجعتها النهائية، وشددت في تصريحات لإذاعة نمساوية على عدم منح اللقاح "تصريح طوارئ وطني" من أجل بدء استخدامه، وهي تصريحات وصفها الجانب الروسي بأنها "سلبية"، مشيرين إلى أن تصريحات هوش تطرح "تساؤلات جدية حول التدخل السياسي المحتمل في عملية التقييم الحالية للوكالة الأوروبية للأدوية".

وأمام أزمة حصول التكتل الأوروبي على العدد المطلوب من اللقاح أعرب رئيس المجلس شارل ميشال عن اندهاشه من التقارير التي تحدثت عن تخزين التكتل للقاحات، مجددًا اتهامه للدول المصنّعة للقاح فيروس كورونا بفرضهم قيود تحظر تصدير اللقاح لدول التكتل الأوروبي، قبل أن يهاجم روسيا والصين متهمًا إياهما باستخدام برامج اللقاحات الخاصة بهما "لأغراض دعائية"، يرفض التكتل المشاركة بها.

وكان مسؤولون ودبلوماسيون أمريكيون قد أكدو على عدم حظر بلادهم تصدير لقاح موديزا الأمريكي رسميًا، لكنهم قالوا إن التدابير الأخيرة تأتي في إطار ما يسمى بقانون الإنتاج الدفاعي الذي وقعته إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرًا، فيما ناشد منتجي لقاح سبوتنيك الروسي المسؤول الأوروبي بـ"العمل معًا لمحاربة الفيروس، وجعل اللقاحات غير سياسية"، وكذلك الأمر مع السلطات البريطانية التي رفضت تصريحات ميشال المرتبطة بلقاح أكسفورد- أسترازينيكا.

أزمة لقاح سبوتنيك ليست الوحيدة

إذا ما تركنا أزمة اللقاح الروسي التي تضرب داخل حدود التكتل الأوروبي جانبًا، يمكننا ملاحظة أنها ليست الأزمة الوحيدة التي يواجهها التكتل، بالأخص بعد ظهور السلالات الجديدة من فيروس كورونا، مما تتسبب بموجة جديدة من الإغلاق الشامل، الأمر الذي أثّر على قطاعات اقتصادية عديدة، ساهمت بشكل أو بآخر بدفع أصحاب الشركات الصغيرة لإعلان الإفلاس، وزادت من الأعباء الاقتصادية عمومًا، المتأثرة بالأزمة الإقتصادية العالمية خصوصًا.

ويمكن ملاحظة حجم الاستياء داخل حدود التكتل من خلال الاحتجاجات العنيفة المناهضة لسياسات الإغلاق المفروضة، إذ بحسب ما يرى المحرر المساهم في النسخة الأوروبية لموقع بوليتيكو الإلكتروني بول تايلور فإن العقد الاجتماعي بين حكومات دول التكتل من طرف، ومواطنيها من طرف آخر بدأ بالانشقاق، وهو ما يؤثر على الحريات الفردية والحماية الجماعية من طرف، والمراقبة والخصوصية من طرف آخر.

كلام تايلور لا يمكن فصله عن انسحاب نواب فيدس من كتلة حزب الشعب الأوروبي في طريق تحولهم لأن يكونوا التيار المعارض في البرلمان الأوروبي، ولعل أكثر ما يؤكد هذا الانسحاب التقرير الصادر عن اتحاد الحريات المدنية في أوروبا الذي أشار إلى أن تدابير السلامة التي فرضتها الدول الأوروبية لمكافحة الفيروس استخدمت عن غير قصد أو عن قصد "كذريعة" لإضعاف المؤسسات الديمقراطية.

فقد أشارت كبيرة مستشاري المنظمة ليندا رافو في بيان لها إلى أن دول مثل المجر وبولندا وسلوفينيا "استخدمت الوباء لتعزيز قبضتها على السلطة والحد من انتقاد الحكومة"، وأضافت بأن التقرير رصد مهاجمة السلطات المحلية لوسائل الإعلام، فضلًا عن فرض المزيد من القيود على وصول الجمهور للمعلومات في "البلدان ذات التقاليد الديمقراطية القوية" مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.

ويأتي في هذا السياق التحول الذي يشهده البرلمان الأوروبي من خلال إعلان أعضاء حزب فيدس المجري الذي يتزعمه فيكتور أوربان من كتلة الشعب المحسوبة على يمين الوسط، أن الانسحاب جاء على خلفية اتهام الكتلة البرلمانية للحزب المجري بتقويض الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، وهو ما مهد لمهاجمة أوربان مؤسسات الاتحاد الأوروبي مع اتجاه حزبه لتبني الأيديولوجيا الشعبوية المتطرفة.

الملاحظ أكثر أن الأحزاب الشعبوية المتطرفة من الممكن أن تنضم لاحقًا إلى حزب فيدس، مما يعطيهم فرصة لتشكيل جبهة معارضة موحدة داخل البرلمان، نظرًا لتصويت 28 نائبًا من أعضاء البرلمان الأوروبي ضد القواعد الجديدة للبرلمان التي تنص على التمكن من تعليق عمل كتل بأكملها أو استبعادها في ظروف معينة في حال صوت 50 بالمائة على ذلك بالموافقة، وهو ما قوبل بالرفض من قبل حزب فيدس إلى جانب الحزب الديمقراطي السلوفيني بزعامة رئيس الوزراء يانير يانشا، وحزب الشعب النمساوي بزعامة المستشار سيباستيان كورتس.

الملاحظ أكثر أن الأحزاب الشعبوية المتطرفة من الممكن أن تنضم لاحقًا إلى حزب فيدس، مما يعطيهم فرصة لتشكيل جبهة معارضة موحدة داخل البرلمان

ويدعم فرضية تشكيل جبهة معارضة موحدة داخل البرلمان النقاشات التي أجراها فيدس مع حلفاء داخل المجموعة يعرف عنهم انتقادهم الدائم لسياسات التكتل الأوروبي، بما في ذلك قضايا الهوية، والديمقراطية اليمينية المتطرفة، ويزيد من هذه الفرضية تصريحات النائب عن فيدس في البرلمان الأوروبي تاماس دويتش الذي أوضح بأنه على الرغم من احتمالية بقاء فيدس داخل الكتلة فإن المسار العام للأحداث يشير بأن فيدس يتجه إلى "المعارضة"، مضيفًا بأن الحزب المجري "لا ينتقد أوروبا، لكنه (ينتقد) بيروقراطية بروكسل".

 

اقرأ/ي أيضًا: 

دراسة أمريكية: ارتداء الكمامات يعزّز المناعة ضد فيروس كورونا الجديد

دراسة بريطانية: اللقاح الروسي حقّق استجابة مناعيّة كافية وآثاره الجانبية طفيفة