جولة أخرى في حرب اللقاح.. مثالب الضغط الأوروبي على أسترازينيكا

جولة أخرى في حرب اللقاح.. مثالب الضغط الأوروبي على أسترازينيكا

جولة أخرى في حرب اللقاح بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا (Getty)

لم تزد سوى اشتعالًا حرب اللقاح بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، غداة إعلان كلٌّ من السويد، قبرص، لوكسمبورغ ولاتفيا، انضمامها إلى كوكبة الدول الأوروبية المعلقة لاستخدام لقاح أسترازينيكا. فيما الدفوع المبررة لذلك بقيت هي نفسها دفوع الذين سبقوها: انتظار التأكد من سلامة اللقاح، بعدَ ما شاع عنه من تسببه بتخثّر دم متلقيه، كعرض جانبي مؤدي إلى الوفاة. كان ذلك تزامنًا مع الخروج الأول للوكالة الأوروبية للأدوية عن صمتها بخصوص هذا الجدل الحاصل، مفنّدة في تقرير لها ارتباط العقار بما نسب إليه، مقرَّة أن "في ميزان فوائد لقاح أسترازينيكا ومخاطر أعراضه الجانبية، كفَّة الفوائد هي الراجحة".

لم تزد سوى اشتعالًا حرب اللقاح بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، غداة إعلان كلٌّ من السويد، قبرص، لوكسمبورغ ولاتفيا، انضمامها إلى كوكبة الدول الأوروبية المعلقة لاستخدام لقاح أسترازينيكا

قبل أن تعود مجددًا ذات الوكالة إلى التأكيد، مساء الخميس 18 آذار/مارس الجاري، في ندوة صحفية مطولة، بالقول: "أكرر أن موقفنا العلمي هو أن هذا اللقاح هو خيار آمن وفعال لحماية المواطنين من كوفيد – 19". مضيفة على لسان مديرتها التنفيذية، إمير كوك، بأن لقاح أسترازينيكا "قد أظهر فعالية لا تقل عن 60% في التجارب السريرية والوقاية من مرض فيروس كورونا، وفي الواقع تشير الدلائل الواقعية إلى أن الفعالية يمكن أن تكون أعلى من ذلك". وفي ما يخص ما شاع من تسببه في عوارض تخثُّر الدم، حسمت كوك قائلة: "خلصت اللجنة أيضًا إلى أن اللقاح ليس مرتبطًا بزيادة في المخاطر الإجمالية لأحداث الانصمام الخثاري، أو جلطات الدم".

اقرأ/ي أيضًا: "انتكاسة" لحزب ميركل على وقع فضيحة مالية وسوء إدارة الأزمة الصحية

قبلَ ذلك، مطلع الأسبوع الجاري، أقدمت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا هي الأخرى على تعليق استخدام العقار، كـ"مجرد إجراء احترازي من أجل الحفاظ على الثقة في اللقاح " على حد وصف وزير الصحة الألماني يانس شبان. سرعان ما تغَيَّر الموقف بعد رد وكالة الأدوية، ليعود كلٌّ من ماريو دراغي، رئيس الوزراء الإيطالي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى استدراك قرارهما، مبديان "استعدادهما لبدء التلقيح بأسترازينيكا بسرعة" كما ورد في بيان لرئاسة الوزراء الإيطالية. وبالفعل أعلنت فرنسا عودتها إلى استعمال العقار المذكور في تطعيم ساكنتها عبر تغريدة لوزير صحتها، أوليفييه فيرون. برلين هي الأخرى أعادت النظر في إجرائها ذاك، مؤكدة  على لسان وزير صحتها بأن "هدف الحكومة الفيديرالية هي أن تشرع في التلقيح بأسترازينيكا". كما أوقفت كل من إيطاليا، إسبانيا، لاتفيا، بلغاريا، سلوفينيا وليتوانيا، تعليقها استخدام اللقاح.

منعطف جديد في مسلسل حرب اللقاح؟

بالنسبة للشركة المصنعة للعقار، أسترازينيكا البريطانية السويدية، فليس هناك إلا "37 حالة تخثر دم من بين 17 مليون شخص تلقوا اللقاح في دول الاتحاد السبعة والعشرين زائد بريطانيا"، وهذا رقم "لا يبلغ إحصائيًا حتى احتمالية حدوث تلك التجلطات عند الساكنة عامة"، وبالتالي "لا وجود لأدلة على ارتباطه باللقاح"، حسب ما جاء في ردِّها. فيما هي ذاتها الشركة التي أعلنت قبل أيام عن تخلفٍ جديد في تسليم جرعات الاتحاد الأوروبي من اللقاح، مرجعة ذلك إلى  تأخر في خطوط إنتاجها هناك، ومحتجَّة أنه "مع الأسف، القيود المفروضة على تصدير الجرعات ستأخر التسليمات التي كانت مبرمجة خلال الربع الأول من هذه السنة".

قيود على تصدير جرعات اللقاح، كتلك التي فرضتها إيطاليا على شحنة أسترازينيكا التي كانت موجَّهة إلى أستراليا، في سابقة أوروبية. تقول ديبلوماسيَّة روما بأن قرارها جاء تباعًا لـ "الشح العام في جرعات اللقاح داخل الاتحاد الأوروبي، وكذا تأخر الشركة الكبير  في تسليم الشحنات المتفق عليها"، مع أن الشحنة محطُّ الحجز لم تتعد 250.7 ألف جرعة. وحظي القرار بدعم أوروبي كبير،  بالمقابل  اتهم الاتحاد إثره بـ "الاحتكار القطري للقَاح" من قبل من تضرّروا من القرار.

"تهمٌ صادمة" حسبَ شارلز ميشيل، رئيس المجلس الأوروبي، نافيًا إيّاها بأنه "عكس بريطانيا والولايات المتَّحدة، لم يعتمد الاتحادُ الأوروبي سياسة ممنهجة في منع تصدير اللقاحات"، بينما الإجراء الإيطالي " لم يكن حظرًا للتصدير، بل لمنع الشركات التي ارتبطنا معها ببرنامج تسليم مسبق الدفع، من أن تصدرها لدوَل أخرى متقدمة في عملية التلقيح دون أن تفي بالتزاماتها معنا". ردود استنكرتها الخارجية البريطانية، على لسان وزيرها دومينيك راب، الذي كاتب ميشيل قائلًا: "ادعاؤك بأن بريطانيا حظرت تصدير الجرعات، ادعاء  خاطئ ولا يستند إلى أي أدلَّة"، فبريطانيا "لم تمنع من مغادرة حدودها أي جرعة لقاح، سواء ضدَّ كورونا أو فيروسات أخرى"، قبلَ أن يختمَ بصيغة تذكير: "نحن واحد في مواجهة الوباء".

لكن لهجة التصعيد زادت بعدَ هذا الفصل من حرب اللقاح، وبعدَ تسابق الدول الأوروبية إلى إعلانها حظرَ استخدام عقار أسترازينيكا، هكذَا لوحَّت أوروبا بفرض قيود على صادرات اللقاح. كان ذلك على لسان رئيسة مفوَّضيَّتها، أورسولا فون دير لين، التي وصفت ما يقعُ بـ "أزمة القرن"، مضيفة أن "10 مليون جرعة انطلقت من أراضي الاتحاد صوب بريطانيا، ولا زلنا ننتظر جرعاتنا القادمة من هنا!". قبل أن تهددَ: "إذا بقي الحال كما هو عليه، فسنربط صادراتنا من اللقاح بمدى تقدم الدول في عملية تطعيمها، وسنحرص على أن يتناسبَ ذلكَ التقدُّم مع تقدُّمنا". 

في تفاعل مع هذا التهديد دعا رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، الاتحادَ الأوروبي إلى التراجع عما أسماه "حرب اللقاح" التي تشنُّها أوروبا على بلاده، مؤكدًا على أن "التقدم والحرية أمران لا ينفصلان". كما توَجَّه إلى شعبه مطمئنًا: "مهما سمعتم عن الضغط الذي تقوده مختلف الدول من أجل تأمين حصصها من اللقاح، لا يجب عليكم أن تقلقوا، كون هذه اللقاحات هي مجهود دولي ونحن في بريطانيا سنظل ملتزمين بروح التعاون تلك".

المثالب السياسية للضعط الأوروبي على أسترازينيكا

"لو تكاثرت تسريبات أخبار تخثُّر الدم، كان ذلك ليحدثُ أزمة ثقة هي أكبر من التي أحدثها تعليق استخدام اللقاح" صرَّح مسؤول فرنسي، نقلًا عما نشرته جريدة  Financial Times. هكذا جنح رؤساء الدول الأوروبية إلى إيقاف التطعيم بأسترازينيكا، في خيار يرجِّح ذات المقال طابعه السياسي. فإثرها، سرعان ما "غيَّرت برلين موقفها باتجاه اللقاح، تاركة حلفاءها الصغار بلا خيار سوى اتباع قرارها بتعطيل عملية التطعيم" تورد الجريدة البريطانية، مضيفة "أن ميركل هاتفت ماريو دراغي لإخباره بالمستجد، هذا الأخير الذي نسَّق وماكرون، إضافة إلى بيدرو سانشيز رئيس وزراء إسبانيا"، الشيء الذي "منح الانطباع  بكون القرار ليس اختيارهم المستقل، بل بإيعاز ألماني".

مدفوعًا بهذا الواقع، احتجَّ الإيليزيه قائلًا: "إنها لم تكن ردة فعل بافلوفية على القرار الألماني التي صاغت القرار الفرنسي". غير أن هذا لم يحفظه من تلقي انتقادات الصحافة، إحداها افتتاحية جريدة Libération لـ 17 آذار/مارس الجاري، التي عاد كاتبها إلى سخرية الرئيس الفرنسي في تصريح سابق من إعلان أمريكا قرب تطوير لقاحها،مصوِّبًا نحوه بالقول: "من سخر منهم ماكرون سابقًا هم الذين يتصدرون الآن الطريق نحو الخروج من الجائحة"، فيما "لم يبق للرئيس ومستشاريه سوى سلسلة من الانتظارات"، إحداها "انتظار القرارات الألمانية ليتخذ قرارته الخاصة". ولم يحفظه أيضًا من سخط أصوات برلمانية، حتى من جانب الأغلبية الحاكمة، كما عبَّر عن ذلك داميان أباد، رئيس الفريق الجمهوري تحت قبة الجمعية الوطنية، الذي وصف الإجراء بـ "المتسرِّع" و"الناتج عن قرار أحادي الجانب من ألمانيا"، مضيفًا أن دورهم في اجتماع الأربعاء الماضي مع الوزير الأول، جان كاستيكس، "لم يكن للمساهمة في اتخاذ القرار، بل لإبداء الرأي فقط"، في إشارة إلى تفرد رئاسة الحكومة والجمهورية ومسؤوليتهما في الأمر.

في ألمانيا، ومع كون الأصابع موجهة لها في قيادة التحرك الأوروبي الأخير، إلا أنها لم تسلم من مثالبه داخليًا. هكذا نجد حزب المستشارة آنجلا ميركل تهوي شعبيَّته إلى أضعف مستوياتها منذ سنوات، حسب استطلاعات الرأي الأخيرة، كما ترتفع المطالبات في البرلمان بإقالة وزير الصحة، يانس سبان. حيث يشير مقال جريدة  Financial Timesالآنف ذكره، إلى أن سبان تجاهل تحذيرات نظرائه بأن " تعليق استعمال اللقاح سيؤدي إلى خسائر بشرية أكثر من التي ستتسبب في وفاتها أعراضه الجانبية". وينقل على لسان زعيمة حزب الخضر الألماني، كاثرين غوين إيكارت، أن "الطريقة التي اتخذ بها سبان قراره، أوصلت البلاد إلى حالة من الارتباك والشك التي تفشت بين المواطنين". فيما "طالت ههجومات الصحافة الألمانية حتى رئيسة المفوضية الأوروبة" يورد المقال، "معيبة عليها سوء اختيارها لتوقيت حديثها عن حظر التصدير، تزامنًا مع بشارتها للمواطنين الأوروبيين بالشحنة الجديدة من اللقاح" مما زاد في أزمة ثقة في اللقاح المتفشية أساسًا، ويُرجع ذلك إلى كونها مسيَّرة من قبل السياسة الداخلية لألمانيا". 

من الضغط إلى أزمة الثقة في اللقاح

إذن هي لحظة كدِّ الحكومات الأوروبية في إعادة إنعاش برنامج تطعيمها، أولًا عبر انتشاله من أزمة الثقة والشكوك التي أشاعتها الفصول الأخيرة من حرب اللقاح، والتي "حتى وإن تم تداركها بخطاب مطمئن، فالكرة الآن في ملعب المشككين في اللقاح، وهم الأكثر تنظيمًا"، حسب ما يورد المقال على لسان بيت كامبمان، رئيسة مركز اللقاح في معهد لندن لطب المناطق الاستوائية. ذات الخطاب المطمئن الذي ودَّ إرساله كل من رئيس الوزراء الفرنسي، جان كاستيكس، وبوريس جونسن، ساكن الداونينغ ستريت البريطاني، عبر تلقِّيهما تطوعيًا الجرعة الأولى من عقار أسترازينيكا. لكن "سيحتاج الأمر جهدًا أكبر  من ذلك لعودة الثقة، خاصة في بلد (كفرنسا) الذي يعرف تشكيكا كبيرًا في القاح" تختم الـ  Financial Times.

وفي فرنسا، اعتبر الأطباء أن القرار "هو قرار سياسي ولا وجود لأي سبب جاد وموضوعي له" يؤكد إيف بويسون، رئيس مجموعة كوفيد بالأكاديمية الفرنسية للطب، في تصريح صحفي، إلى جانب تصريحات أخرى، رصدتها جريدة Le Parisien  الفرنسية، تصب معضمها في تفنيد أي تعليل طبي لإجراء تعليق استخدام لقاح أسترا زينيكا بالبلاد. قبل أن تنطلق ذات الجريدة إلى رصد حالة السخط التي أحدثها، فتنقل على لسان مارغو بايار، نائبة رئيس النقابة الفرنسية للأطباء العامين، أن ما حدث "مهزلة حقيقية"، وتضيف "لقد جعلونا مثل الدمى، نحن الذين تكبدنا العناء في إقناع الناس بضرورة اللقاح، هل تظنون أنهم سيعودون بعد ذلك لأخذ الجرعة ثانيًا؟". سؤال تجيب عنه اليومية الفرنسية، بذات الروبورتاج، حو ل الهلع المتفشي وسط من ينتظرون التطعيم، الذين تلقوا جرعتهم الأولى أو حتى الثانية، فمنهم من "ندم على تلقيه اللقاح"، و الذي يقسم أن "لن آخذَ الجرعة الثانية لو دام التعليق يومًا ثانيًا"، وآخر فضَّل "لو تلقيت جرعة لقاح فايزر" كونها أكثر أمنًا في نظره.

أشار استطلاع رأي لقناة BFMTV، إلى أن 20% من الفرنسيين فقط يثقون في عقار أسترازينيكا. أما في استطلاع آخر لموقع YouGov، فـ 81% من البريطانيين يثقون في اللقاح

هذا وأشار استطلاع رأي لقناة BFMTV، إلى أن 20% من الفرنسيين فقط يثقون في عقار أسترازينيكا. أما في استطلاع آخر لموقع YouGov، فـ 81% من البريطانيين يثقون في أسترازينيكا مقابل 79% منهم يقولون كذلك بسلامة فايزر الأمريكي، بينما الألمان فـ 66% منهم يثقون في فايزر مقابل 43% في أسترازينيكا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 أزمة التكتل الأوروبي.. من لقاح سبوتنيك إلى انسحاب فيدس من كتلة الشعب الأوروبية