13-أغسطس-2023
هايدغر، نيتشه، وفتغنشتاين (الترا صوت)

هايدغر، نيتشه، وفتغنشتاين (الترا صوت)

في الطبيعة ثمة أثر ما يدل الإنسان إلى حقيقته في هذا الوجود، وربما هذا السبب الذي يجعل روح المرء تهفو إليها، فهي تمنحه فرصة مراجعة الذات وبناء الأفكار وتأمل تعاقب الحياة والموت الذي يلاحظه بين الفينة والأخرى في حياة الأشجار وموتها، وكذلك الطيور والأنهار في مسيرها وجفافها.

تبدو النجوم هناك كشامات تتوهجُ في وجه السماء، و نداءات الإنسان أقرب إلى السماع. كما يبدو أثرهُ الذي يُترك على التراب ذو معنى تضمره الأرض الطرية تحت قدميه، حيث شهدت الحكمة ولادتها الاولى، وحيث يكون بحثه عن الذات والحقيقة وبناء الأفكار مدعومًا بنداء الطبيعة وتغيّر أحوالها من فصل إلى أخر.

كيف يمكن لأي أحدٍ أن يصبح مفكّرًا إن لم يقضِ ثلث اليوم على الأقل من دون هوايات أو أناس أو كتب؟

هكذا تبدوا الحياة في الأرياف والبساتين الكبيرة التي يقطنها الإنسان، ولا عجب والحال هذه أن نرى الإنسان في لحظة سكونه والحنين إلى ذكرياته يجد نفسه وقد تمدد فوق عشب رطب، أو تجول في غابة تكسوها الأشجار والأغصان المبللة بالندى، فهذه الذكريات لا تثقلها التفاصيل، وصخب الحياة كما في المدينة.

فيما مضى، وبعد أن كان الإنسان في أحضان الطبيعة، أخذ يفكر بطريقة تؤهله للانفصال عنها وعن قوانينها التي تسبب الألم، فبدأ بالعمل على تأسيس كيان خاص به يجعله في منأى عن منطق الغابة وتمجيد القوة والذهاب نحو أنسنة الإنسان، والإجابة على أسئلته حول الوجود والمصير وعلاقته بالآخر التي لا تزال إلى اليوم كثيرة وملقاة في المسارب.

هذا التحول الذي دشّنه الإنسان بانتقاله إلى حياة المدينة سرعان ما انقلب عليه. فبمرور الزمن، سيطرت القيمة التبادلية على القيمة الاستعمالية للشيء، وأصبح الإنسان شيئًا أو رقمًا لا نفع له سوى درّ الربح. ويالمأساة الإنسان وخيبة مسعاه وهو يرى الأشياء الجامدة والمنفصلة عنه تتحكم فيه وتوجهه إلى حيث تشاء كما تنبئ يومًا قسطنطين فيرجيل جورجيو، صاحب رواية "الساعة الخامسة والعشرون بتحول الإنسان إلى آلة خالية من المشاعر والعواطف. ومن يعيش في الهامش يصبح محطمًا تهيمن عليه قوى غامضة تتلاعب بمصيره في ظل عالم الاستهلاك، ويُحال إلى ما يشبه الحشرة التي لا تعرف في أي ساعة تدهسها عربة الحياة المعطوبة دون ندم.

ونتيجة لما سبق، صار الإنسان يحن إلى أيامه الأولى. فالمدينة التي حلم بها تكاد تكون بنايتها العالية وحوشًا تتنظر افتراسه، ناهيك عن أنها جعلته أكثر وحدة وتفكيرًا بالفناء، إذ لا علاقة فيها يُكتب لها النجاح دون أن يكون المرء متسلحًا بالوهم والقدرة على الاستهلاك والصبر على الهيجان المسعور للخليقة والخلق والتطبع بطباع الآلات وقوانينها. وهذا ما جعله يشعر بضرورة التصاهر مع الطبيعة والعودة إلى أحضانها، فهي أمه الأولى مهما قست.

في كتابه "الصحراء"، يقول علي شريعتي: "إنَّ حضارتنا كلما تصير أكثر تعقيدًا وثقلًا تجعل الحاجة إلى العودة والتعرف على الطبيعة أكثر الحاحًا". فالطبيعة هنا أشبه بماكينة غسل عملاقة تغسل الإنسان بكل ما علق بروحه وفكره من قسوة وألم، وتعيد له نظرته الأولى إلى الوجود. فهذه الأم غالبًا ما يرجع إليها وقتما ينسى الإنسان نفسه ويتحول إلى آلة صماء خاوية، لتدرك ولدها الذي ولد خيِّرًا وطيبًا، لكن المجتمع ومؤسساته أفسداه كما يقول جان جاك روسو.

في كتابه "رسالة حول العميان"، يرى دينيس ديدرو أن: "وجود الإنسان هو الذي يجعل الأشياء الأخرى مثيرة للاهتمام. فلماذا لا نجعله المركز الذي تتركز عليه شتى النواحي.. إن الإنسان هو الكلمة الوحيدة التي علينا أن نبدأ منها". ولذلك يعتقد بأن استلاب الإنسان يعود إلى عاملين هما الكنيسة وقوانين البلاد، فهو يسمي المرحلة الأولى التي عاش فيها الإنسان بمرحلة "الابصار" التي كان سعيدًا فيها، لكن تم سلب بصره وانتقل إلى المرحلة الثانية "العمى" وأصبح يتوكأ على عصا الكنيسة والقوانين لمعرفة طريقه.

فلاسفة قرويون وبستانيون

على الرغم من محاولاتهم المضنية التي يُراد بها معرفة الكون والإنسان وتخفيف ثقل الوجود، إلا أنَّ الفلاسفة سرعان ما يجدون أنفسهم في غثيان شديد من المدن الصاخبة وأوضاعها. فهذا فريدريك نيتشه (1844 – 1900) قد كتب أغلب مؤلفاته في قرية تحيط بها قمم جبلية وتطل على أشجار الصنوبر. كان يستيقظ في الخامسة صباحًا ويعمل حتى منتصف النهار ثم يتنزه صاعدًا القمم الضخمة التي تُطوِّق القرية، ويتساءل نتيشه: "كيف يمكن لأي أحدٍ أن يصبح مفكّرًا إن لم يقضِ ثلث اليوم على الأقل من دون هوايات أو أناس أو كتب؟".

ولذلك شعر نيتشه بأن ثمة تشابهًا بين فلسفته والجبال بعد أن قضى أيامًا عديدة في المشي في وادي "فكس" حاملًا قلمه الرصاص ودفتره المغلف بالجلد، فكان يشعر بقيمة الأفكار التي تأتي خلال المشي في المزارع والحقول والوديان التي تتسم بالهدوء. يقول في هذا الصدد: "وحدها الأفكار التي تأتي خلال المشي هي التي يمكن أن تمتلك أية قيمة".

بإمكان الإنسان أن يكون منعزلًا في المدن الكبيرة أكثر من أي مكان آخر، لكنه لا يستطيع أن يكون وحيدًا البتة

وبعد استقالته من جامعة بازل في سويسرا عام 1879، كان نيتشه يتمنى أن يعمل بستانيًا محترفًا كما ينقل آلان دو بوتون في كتابه "عزاءات الفلسفة"، حيث أخبر والدته المتفاجئة: "تعلمين أنّني أفضل الطريقة البسيطة والطبيعيّة في العيش، وقد تعاظم توقي لهذا".

وبالفعل بدأ نيتشه بالعمل بستانيًا بحماسة، ولكن نتيجة لضعف بصره الذي يمنعه من رؤية ما يقلم، بالإضافة إلى صعوبة حني ظهره، تلاشت هذه الأمنية من حياته بالاستسلام. لكن ولعه بالطبيعة وعمل البستنة نجده ماثلًا أمامنا في نصوصه الفلسفية: "علينا التعامل مع مصاعبنا كما يفعل البستانيون". ويكتب في وصف نفسه: "متخفيًا في الغابات كغزال خجول".

ولا يختلف نمط العيش هذا كثيرًا عند مارتن هايدغر (1988 – 1976) الذي كان يَشحذ إلهامه من خلال عيشه في الغابة السوداء التي تقع في منطقة جبلية في جنوب غرب ألمانيا، حيث قال فيها عبارته الشهيرة: "وحدها الغابة السوداء تلهمني".

وفي عام 1933، تلقى هايدغر اقتراحًا بتعينه أستاذ كرسي للفلسفة في جامعة برلين، لكنه رفض وبرر رفضه بتمسكه بالعيش في بيته الريفي. يقول هايدغر في وصفه للمكان الريفي الذي يعيش فيه: "أنا أحسّ بتحولاته من ساعة إلى أخرى، ومن النهار إلى الليل، خلال تعاقب الفصول. إنّ ثقل الجبال وصلابة صخورها القديمة، والنموّ المحترس لأشجار التنوب، والبهاء المضيء للحقول المُزْهرة، وهمس السيول في ليل الخريف الطويل، وأيضًا البساطة الصّارمة للمساحات المغطّاة بثلوج كثيفة، تتسرّب كلّها إلى الحياة اليوميّة هناك في الأعالي، وفيها تتجمّع وتتراكم وتتموّج".

ويؤكد هايدغر أن العمل الفلسفي:" لا يتمّ بعيدًا كما لو أنه فريد من نوعه. إنّ مكانه يوجد وسط عمل الفلاحين. عندما يجرّ المزارع الشابّ المزلاج الثقيل المُحَمّل بحطب أشجار الزّان على طول المنحدر الوعر والخطر باتجاه ضيعته، وعندما يدفع الراعي بخطى حالمة وبطيئة باتجاه القمّة، وعندما يجمع الفلاح في غرفته القدّات الكثيرة الصالحة للسقف، فإنّ هذا العمل يكون من نفس الصنف. والانتساب الفوريّ لعالم الفلاحين يجد هنا جذوره".

ويعلن هايدغر عن امتعاضه من السكن في المدينة بقوله: "في المدن الكبيرة، بإمكان الإنسان أن يكون منعزلًا أكثر ممّا في أيّ مكان آخر، وبسهولة متناهية. غير أنه لا يستطيع أن يكون وحيدًا البتة. ذلك أن الوحدة لها نفوذ متميّز تمامًا في ألاّ "تعزلنا". بل بالعكس، هي تلقي بحياتنا بجوار كلّ الأشياء. هناك، أي في المدن، بإمكاننا أن نحصل على الشهرة السريعة من خلال الصحف والمجلات. وهذا هو الطريق المؤكد للسقوط السريع في هاوية النسيان".

لذلك نجد هايدغر يحط من شأن الإنتاج الآلي الكبير والعقل النفعي الذي بسببه بدا الوجود الإنساني "متشيئًا"، فهو بحسب رأيه بحاجة إلى قوة اجتماعية تحرره، إلى أفكار تضيئه. وفي المقابل، نجد هايدغر يدعو إلى الاصغاء للنجوم والسماوات والغابات، فالإنسان: "يجب أن يفسح مكانًا للوجود بتسليم نفسه بالكامل له، أي يجب أن يعود إلى الأرض الأم التي لا يمكن استنفادها، فهي النبع الأول لكل معنى".

أما الفيلسوف الثالث الذي فضّل حياة الريف والعمل كبستاني على حياة الترف والملذات، فهو لودفيغ فتغنشتاين (1889- 1951)، الذي يعد واحدًا من أعظم الفلاسفة في العصر الحديث، إذ عاشَ فتغنشتاين حياة العزلة والتصوف بعيدًا عن الأضواء، ولذلك قرر أن يمنح نصيبه الأكبر من ميراث والده إلى أشقائه، ويعيش حياته في كوخ متواضع في منطقة "سوقنفيورد" في النرويج.

يعتقد فتغنشتاين أن الفلسفة هي تمرين روحي وليست مجرد تنظير أكاديمي. وربما من هذا المنطلق نفهم لماذا لم يستهويه لقب الأستاذية، فهو يرى أن الفلسفة عمل مستمر على الذات للتخلص من كل زيف، وأن على المتفلسف أن يتعلم كيف يستخدم فكره لعيش حياة جيدة، من خلال الاستشفاء الذاتي بالممارسة الفلسفية بوصفها تمرينًا روحيًا ينقلنا من التنظير إلى العمل.

يقول هايدغر إن العمل الفلسفي لا يتم بعيدًا كما لو أنه فريد من نوعه، فمكانه هو وسط الفلاحين

والطريف أنه حين احتفت به الجمعية الفلسفية في فينا، التي اعتبرت كتابه "الاطروحة" "لوحًا فلسفيًا مقدسًا"، انتظر أعضاؤها حضوره، لكنه خيّب أملهم وذهب لممارسة عمل البستنة في أحد الأديرة قرب المدينة.

وعلى الصعيد العربي، نجد فيلسوف مصر الوجودي عبد الرحمن بدوي (1917 – 2002) يعلن عن امتعاضه من العيش داخل المدن، إذ ينتمي بدوي إلى عائلة متجذرة في المجتمع الريفي، وهو ما ولد لديه إحساسًا قويًا بالانتماء لأصوله الفلاحية، وكان يظهر دائمًا بمظهر الشخص القروي نكاية بثقافة المدن الكبيرة. ونجد عشق بدوي لحياة الريف ماثلًا حتى في نصوصه، ففي سيرته التي نشرها قبل عامين من وفاته، يقول مستعرضًا جذروه الفلسفية: "العقاد حرث لي الأرض، وطه حسين بذرها، والفلاسفة الألمان قد هذّبوها".

يمثّل العيش وسط الغابة "فردوس الإنسان الضائع"، حيث يجد هناك جذوره ويتحد مع أمه الطبيعة ويستمع إلى ندائها. ربما كل ما يريده الإنسان المعاصر الذي يأكله القلق اليوم هو كوخ هادئ في الريف يأوي إليه وينظر من خلال نوافذه المفتوحة إلى الوجود.