02-أغسطس-2023
جيل دولوز وفليكس غوتاري (الترا صوت)

جيل دولوز وفليكس غوتاري (ألترا صوت)

لا تنفصل اشتغالات الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز عن الاشتغالات المعرفية لعصر ما بعد الحداثة، ولا عن المفاهيم التي صيغت عن الهوية والاختلاف والتكرار لفلاسفة من أمثال مارتن هايدغر، وميشيل فوكو، وجاك دريدا. لكن ما يميز دولوز هو أنه تعامل مع الفكر بطريقة مغايرة عندما انطلق من الـ"هنا" و"الآن" في إعادة خلقه وصياغته للمفاهيم التي يجب أن لا تنفصل عن شروط الحاضر وقضايا الحياة المصيرية.

فالفكر يتوجه دائمًا نحو الخارج لكونه لا يملك شكلًا، فهو يتغلغل وينصهر في جميع الأشياء. كذلك ليس الفكر هو المرئي والمعبر عنه، وإنما تلك العاصفة المجردة التي تأتي من الخارج لتُسلِط قوتها على الباطن وتخلخله. ليس ضروريًا أن نذكر آباء وأوصياء الفكر عند ممارسة عملية التفكير، كنيتشه وماركس وفرويد. قد يأتي الفكر من أشياء بسيطة تتمازج وتتداخل مع بعضها. إنه القوة المرتحلة والخالقة لكل معنى مستتر في أعماق الوجود.

أراد جيل دولوز وغوتاري تحرير الرغبة من النقص ومن سجنها العائلي، وإعادة ابتكار مفهوم أكثر إيجابية عن الرغبة عن طريق ربطها بالإنتاج

يُعطي دولوز صفتين رئيسيتين للفكر هما: الارتحال والتوطن؛ فالفكر يمتلك جغرافيا قبل أن يمتلك تاريخًا، والارتحال يتجلى في هدم البُعد المركزي أو الأحادي في الفكر، ثم التوطن عميقًا في حقول إبداعية مختلفة، وربطها من الجذور لتفكّر معنا وتخلق راهن الحياة من خارجها.

يقول دولوز: "أن نكتب عن فيلسوف ما أو أديب ما معناه أن نُقيم بداخله، وأن نجعله يُقيم بداخلنا". وهذا يتيح لنا أن نمنح الأديب/ الفيلسوف حياة أخرى من خلال الفكر، وعن طريق التعبير داخل سياق معين لم يمتلك فيه شروط التعبير عن نفسه. وهذه الكتابة تكون بواسطة الترحال والإقامة في الداخل.

إذا كانت الكتابة عبارة عن ترحال دائم واختراع شعوب تنقُصنا وأوطان جديدة وفقًا لدولوز، فإن الكتابة كما الحياة، ذلك أن كل فردٍ منّا في بحثٍ دائم عن موطن يدعم حركات تحرره ويقودها. ولذلك، فإن الترحال هو إعادة تهيئة الأرض وابتكار شروط جديدة للإبداع والحياة. وليست مفاهيم الهوية، والتوطن، والتحرر تلك المفاهيم الكلاسيكية المرتبطة بالأرض والانتماء والوطن. فالتوطن قد يكون في قلب الفكر، في الفلسفة، في الحب، في الفن والموسيقى. وهذا ينطبق على الحياة التي تنفجر فيها كل الثورات الكبرى والابداعات، فكل صيرورة ثورية هي تحرر من الموطن ومشاكسة للنظام والسلطة.

أن تكون مترحِّلًا معناه أن تكون مناضلًا ضد جمود الفكرة والثبات، ضد الأصل والمطابقة. فبقدر ما يكون اختلافك متشعبًا، وبقدر إقامتك في تلك المداخل والمسارب؛ بقدر ما تكون إنسانًا تقيم في أعماق الحياة وتطفو على سطحها في آن.

الجذمور وإبداع المفاهيم

ليس المفهوم عند دولوز كيانًا متعاليًا ولا تجريديًا، لكنه يُحيلنا دائمًا إلى أشياء ديناميكية ومادية تتعامل مع الإنسان والواقع انطلاقًا من حاضره الراهن ومشكلاته التي تمس صميم أفكاره وعلاقته مع الذوات الأخرى في المجتمع.

وقد ابتكر دولوز مفهوم "الجذمور" للتعامل مع الكثير من المعضلات الاجتماعية والسياسية؛ فالجذمور هو ساق النبات التي تنمو أفقيًا، وتنبعث منها جذور إلى الأسفل، ويكون هذا الساق تحت الأرض. ومع مرور الزمن، تموت الأجزاء القديمة، وتظهر براعم جديدة تضمن بقاء النبتة.

والجذمور، فلسفيًا، هو شكل من أشكال الوجود التي تُبرز التعدد دون أن تشهد على المرجع أو الأصل الواحد، وتتضمن ممرات ومسارب خاصة للانفلات، حيث يمكن لكل نقطة أن ترتبط بنقطة أخرى داخل النسيج نفسه دون أن يكون لها جذر أو منشأ. ويُعتبر الجذمور دالة لفهم الكثير من أفكار جيل دولوز وفليكس غوتاري. وانطلاقًا منه، سنتعرف على بعض المفاهيم عند هذين الفيلسوفين، كالرغبة واللاشعور والتحليل النفسي، وعلى طبيعة ارتباطاتها مع بعضها البعض دون أن يكون هناك وجود لأي توالٍ منطقي، أو محور أساسي لتلك الارتباطات.

مفهوم الرغبة عند دولوز وغوتاري

تتحدد علاقة الرغبة أساسًا عبر ربط الذات بالنقص، فمعنى أن نرغب في شيءٍ ما هو أن نفقده وننزع إلى كسبه. تبقى الرغبة تدور في فلك النقص، وحضور الموضوع هو شرط أساسي لقيام الرغبة، لكن حضور الموضوع هنا هو حضور في الغياب عن طريق النزوع الواعي أو التلقائي نحو الموضوع الذي نتمثله ولا نملكه.

وحتى في حال تملّك الموضوع، فإن قانون الرغبة المرتبط بالنقص لا يُلغي نفسه، إذ ينتابنا إحساس بالخوف من فقدانه، وهذا ما يُسمى بالقانون العكسي للرغبة التي تبقى محتفظة بجوهرها ونزوعها الدائم نحو النقصان. وهذا النقص هو جوهري في الإنسان، وهو الذي يحدد جدلية العلاقة مع الآخر.

تتحدد علاقة الرغبة أساسًا عبر ربط الذات بالنقص، فمعنى أن نرغب في شيءٍ ما هو أن نفقده وننزع إلى كسبه

يربط دولوز وغوتاري الرغبة بأصل نشوء الفلسفة التي تضمن الرغبة استمرارها وبقائها في المستقبل. وقد ارتبطت الرغبة بأصل نشوء الفلسفة في المجتمع اليوناني عن طريق الصداقة. فالصديق هو الذي يشكل حضورًا داخل الفكر، فليس الصديقان هما اللذان يمارسان فعل التفكير، وإنما الفكر نفسه هو الذي يستدعي الصداقة بين الطرفين.

وحتى رغبتنا في الأشياء الجامدة في العالم الخارجي هي ليست رغبة مجردة، بل ترتبط دائمًا بمجموعة أشياء داخل بناء من العناصر المتعددة. فمثلًا، عندما يرغب الإنسان في قراءة كتاب، فهو لا يرغب فيه بوصفه شيئًا مجردًا، وإنما لكونه يرتبط بمجموعة من العناصر في سياق معين ووفقًا لمرجع معين، كالقراءة والمتعة والدراسة.. إلخ. وبذلك، تكون الرغبة تعبيرًا عن التعدد عندما تقوم بالوصل بين مجموعة تلك العناصر المكونة لها إجمالًا.

الرغبة والمجتمع

يُصوِّر جيل دولوز وغوتاري الحقل الاجتماعي بوصفه مجالًا لتجلّي الرغبة وسيولاتها المتدفقة، ثم يبحثان عن آلية مشتركة لاستثمار الرغبة وتوظيفها كعنصر إنتاج في المجتمع.

وفي كتابهما "ضد أوديب"، يعتمد الكاتبان على مفهوم "الهذيانات" في التحليل النفسي بطريقة مستلهمة من التحليل النفسي ومضادة له في نفس الوقت، إذ إن "الهذيانات" تُحدد شكل الرغبة في المجتمع ليس بالمقولات الفرويدية المتمثلة بكراهية الأب والرغبة في الأم والخصاء وغيرها من الرموز والأصول، بل تتخذ "الهذيانات" بنية اللغة الاجتماعية وأقوال الناس المتمثلة بجوانب الإقصاء والقمع والتهميش. كما تحضر بوصفها خطابًا له طابع العنصرية والفاشية وإلغاء الآخر، أو تتشكل في إطار ثوري رومانسي يطمح نحو تغيير المجتمع إلى صورة أفضل بالفن والحب واليوتوبيا.

الرأسمالية والفصام

يتطرق دولوز وغوتاري إلى مفهوم الإنسان الفصامي في المجتمعات الرأسمالية. فمن هو الإنسان الفصامي؟ وما علاقته بالتحليل النفسي وبالرغبة؟

قامت الرأسمالية، من خلال اعتمادها على الربح وحده، بإقصاء الرغبة خارج مجال العمل. والرغبة هنا هي تلك التي تحيط بالإنسان وتشكّل كينونته وأحلامه خارج ماكينة العمل والرأسمال. لذلك قامت الأنظمة الرأسمالية بتحديد مجال الرغبة في عيادات الطب النفسي، وفي البيت والأسرة. أي أنها قامت بتملّك رغبته وسجنها في إطار معين يخدم مصالحها. وهذا التملك هو شكل آخر من أشكال الاستغلال الذي يؤدي إلى تملّك قوة العامل وجهده بطريقة غير مباشرة.

يدخل البرجوازي في علاقة اهتمام ومصلحة مع الطبيب والمهندس والعامل، وهذه العلاقة لا تنفصل عن غاية الربح بأي وسيلة، وتتمثل باستغلال القدرات العقلية والبدنية أبشع استغلال عند الإنسان.

أما المفكر الثوري والفنان والشاعر، فإن رغباته متمثلة بالثورة واليوتوبيا والحب وغيرها من الرغبات "المثالية" التي لا تخدم الرأسمالية، التي تتعمد إقصاء الإنسان الحالم خارج منظومتها. وفي الوقت نفسه، يتمرد هذا الإنسان على وضعه ويسعى بكل الأشكال إلى أن يُعترف به وبرغباته داخل المجتمع. ومن هنا يتولد الفصام.

فالإنسان الفصامي ليس ذلك الخارج من عيادة الطبيب النفسي، أو المقيم في مستشفى الأمراض العقلية، وإنما في تلك الهوة التي تنشأ بين حقيقة الرأسمالية المولدة للاغتراب والاستلاب، وبين تمرد الفصامي ورغبته التي تهدد المجتمع الرأسمالي. ولذلك قامت الرأسمالية باستدراج الفصامي وتدجينه بطريقة ماكرة، فجعلت الأحلام الثورية والفنون وكل عوالم اليوتوبيا والمثالية عبارة عن خطاب لا مرئي يخدم النظام الرأسمالي وغايته القصوى في الربح وتسليع الإنسان.

الإنتاج الرغبوي

يقوم تصوّرنا للحياة الحديثة على الجمع بين الإنسان والمجتمع وجدلية العلاقة بينهما. وهذه الحياة تقوم على المزج الفعلي بين الآلات الراغبة والآلات المنتجة، وبهذا تتحدد علاقة البشر بالمجتمع بوصفهم آلات راغبة تبحث عن سيرورة للإنتاج كواقع معاش. من هنا جاءت الأولوية بالنسبة لدولوز وغوتاري في مقاربة العلاقة بين الآلات الراغبة، نحن، والآلات المجتمعية. لذلك يمكننا القول إن المجتمع المنتج الذي يملك شروط إنتاجه يتحدد بواسطة الإنتاج الرغبوي الذي يعبّر عن نفسه بواسطة تدفقات الرغبة، وهي النقط التي تطفو عليها الرغبة. فالمجتمع هو الأرض الصالحة التي تُنجز فوقها تدفقات الرغبة وتنسيقاتها، ولكي يتحرك المجتمع لا بد من رغبة تتدفق فوقه.

الإنسان عند دولوز هو ذلك الذي يعي كثرته واختلافه بوصفهما إبداعًا يخلق حيوات مستمرة ومتجددة

يقول ميشيل فوكو: "إن علاقة السلطة بالرغبة ليست علاقة قمع ومنع، وإنما هي محاولة لتقنين الرغبة وإخضاعها أكبر قدر ممكن لأنماط الخطاب العامة والنافعة". وما يميّز العصور الحديثة هو تنوّع أشكال الخطابات المتعلقة بالجنس وغيره من الرغبات، غير أن هذا التنوع لا يعكس في عمقه محاولة لتجاوز التابو وتحرير الرغبة، بقدر ما يعكس محاولة لإقحام الرغبة داخل نظام خطاب، أو لجعل كل الرغبة خطابًا.

لذا يرى دولوز وغوتاري أن المجتمعات تعمل على فك شفرة تدفقات الرغبة التي تخترقها، أو الرغبات الجديدة الوافدة إليها عن طريق "استدماجها" بالنسق الخطابي للمجتمع، أو محاربة تلك التي تخالف نمطها السائد، والتي تضع مسلمات المجتمع كله موضع تساؤل. ويطلق دولوز على هذا النسق الخطابي للمجتمع باسم "الإكسيوم"؛ فبمجرد ظهور رغبة جديدة وغريبة عن هذا "الإكسيوم"، تبدأ الآلة المقننة للرغبة بالحرب والإزالة أولًا. أما في حال بقائها وصمودها، فإنها تعمل على دمج ذلك الغريب في نسيجها وخطابها، محاولة إيجاد "إكسيوم" جديد يناسب هذا المجتمع مع تلك الرغبة.

ينطبق هذا على المجتمعات الشرقية وبعض المجتمعات الشيوعية التي تتعامل مع التكنولوجيا والفن والموسيقى وغيرها من الأمور الأخرى، كالأزياء والموضات الحديثة، بما يتناسب مع إكسيومها الخاص ونظامها الخطابي.

الإكسيوم في المجتمع الرأسمالي

لا تملك المجتمعات الرأسمالية إكسيومًا محددًا، فما كان يمثّل خطرًا وتهديدًا للمجتمعات السابقة، يمثل عمليتَي بناء وتحول في النظام الرأسمالي. فأي رغبة جديدة أو منحرفة عندما تظهر في المجتمع الرأسمالي وتكون مخالفة للإكسيوم السائد، لا تحاربها الرأسمالية ولا تعمل على إدماجها في بنيتها، وإنما تقوم بتطويع سلطتها لإضافة إكسيوم جديد إلى إكسيوماتها؛ فالمجتمع الرأسمالي يسعى لتغيير نفسه ليكون مندمجًا مع تلك التدفقات الجديدة من الرغبة، وهذا ما يفسر لنا الانتشار الكبير للقنوات الإباحية، والمثلية الجنسية، والسياحة الجنسية في أوروبا وغيرها من الدول.

لا تملك الرأسمالية أرضًا ولا جذورًا وليس لها هوية ثابتة، فما يهمها هو الربح؛ لذلك قامت الرأسمالية بوسيلة جديدة من وسائل تقنين الرغبة عندما وضعت الجنس داخل نظام خطاب بحيث أصبح هو الوسيلة المثلى للربح. أما تحرير الإنسان الذي تدّعيه الأنظمة الرأسمالية، فما هو إلا استعباده بالحرية كما يُشير دولوز وغوتاري؛ فالرأسمالية لا يخيفها الغريب والشاذ، بقدر ما يخيفها المشابه الذي يملك نفس أسلحتها وآلياتها المخادعة.

الرغبة والتحليل النفسي

لا تكمن أهمية فرويد في اكتشافه المباشر للاشعور، وإنما في الطرق والأسس التي ساهمت في ترسيخ نظرتنا نحو أعماقنا المعتمة، فهو صاحب أول نظرية متكاملة في اللاشعور. وهذا المفهوم، اللاشعور الفرويدي، تمت صياغته كتعبير عن أثر أصلي يترسخ في انقطاعات الزمن، وتكون مهمته الرئيسية في الكبت الذي يقوم على إبقاء الدوافع التي تولّد اللذة في منطقة لا شعورية.

يتكوّن جوهر اللاشعور من العناصر الممثلة للدافع التي تسعى إلى إفراغ محتوياتها بواسطة تجليات الرغبة عن طريق الحلم أو الأمراض النفسية المتمثلة بالعصاب والجنون والهذيانات، أو بتحويله عن طريق "اللبيدو "إلى أعمال اجتماعية ونتاجات ثقافية.

يُصنف دولوز وغوتاري طريقة فرويد في التحليل النفسي بالاختزالية، فهي تحاول إرجاع كل التعددات إلى وحدة ممكنة، ويعتبران أن فكره هو فكر الوحدة والمطابقة، الخصاء أوديب والطوطم.

أن تكون مترحِّلًا معناه أن تكون مناضلًا ضد جمود الفكرة والثبات، ضد الأصل والمطابقة

يُطبّق دولوز وغوتاري، اعتمادًا على مفهوم الجذمور الفلسفي، التعدد والاختلاف في تفكيكهما للمنهج الفرويدي. ففرويد قام باتخاذ أسطورة أوديب نموذجًا لتحليل الرغبات اللاشعورية، غير أن أسطورة أوديب تبقى أسطورة، وتحمل في داخلها الأصل والأثر، وبالإمكان مقاربتها.

ويتجلى تطرف المنهج الفرويدي في تحليله للاشعور بتلك الإرجاعات التي تنتمي إلى الأصول والرموز، وتأطيرها بصيغة أحادية على شكل أسطورة أو حلم، أو ربطها بتاريخ الطفل والعائلة، متجاهلًا كل الأمور والصيرورات في المجتمع وما يحويه من إكراهات وضغوط وعدم تحقق لرغبات الفرد الآنية وعلاقته بالعالم الخارجي.

والجذمور الذي يطبّقه دولوز وغوتاري ضد فرويد، هو تلك التشابكات والمسارب المتعددة التي ليس لها أصل، لكن لها ماضٍ يتجدد في الحضور الدائم في حياة الإنسان، فالمثلث الأوديبي عند فرويد يحمل معول هدمه في فكر دولوز وغوتاري، لأن أفكار فرويد تنتمي إلى مبدأ "الأنسوخ" أو الجذر الواحد. ولهذا يجب أن يكون التحليل النفسي تعدديًا يشتبك مع الماضي بوصفه حضورًا. وهذا الحضور هو ثورة التعدد والاختلاف التي تخلق المعاني في حياة الإنسان.

اللاشعور والإبداع

أراد جيل دولوز وغوتاري تحرير الرغبة من النقص ومن سجنها العائلي، وإعادة ابتكار مفهوم أكثر إيجابية عن الرغبة عن طريق ربطها بالإنتاج. والإنتاج هنا أشياء حقيقية وواقعية لا علاقة لها بالتحليل النفسي. والرغبة لا ينقصها شيء، وهي لا تحيل إلى أي قانون، ذلك ثورية وقادرة، دائمًا، على الخلق والتفجير في أي وقت.

يُعرّف دولوز وغوتاري اللاشعور بوصفه آلة لإنتاج الرغبة عن طريق تواصلها مع الآلات الأخرى. واللاشعور ليس تلك الأعماق الراكدة في النفس، بل مجالًا مشتركًا بين أفراد المجتمع، وعملية إبداعية يصنعها الإنسان بنفسه عن طريق الإمكانات والمواد المتاحة له، وبذلك يمكن للإنسان أن يصوغ مفهوم أوسع عن اللاشعور عن طريق ربطه بالإنتاج وبالحاضر، عندها تنزع الحياة بأن تتحول إلى أثر فني كما يقول ميشيل فوكو.

الإنسان عند دولوز ليس له هوية ولا طبيعة ثابتة، فهو ليس ذلك الحيوان العاقل، ولا المسجون داخل "الكوجيتو" الديكارتي بعقله، وليس حيوان داروين، أو مريض فرويد، أو مجنون فوكو. إنه المتعدد والرحّالة والفصامي، ذلك الذي يعي كثرته واختلافه بوصفهما إبداعًا يخلق حيوات مستمرة ومتجددة.