الصوت المسروق: لمن يُقتل الرأي الآخر في فلسطين؟

الصوت المسروق: لمن يُقتل الرأي الآخر في فلسطين؟

محتجون في رام الله على مقتل الناشط نزار بنات على يد أمن السلطة الفلسطينية (Getty)

ما زال الشعب الفلسطيني يعيشُ تحت وطأة الاحتلال، وعلى ذلك أن يَفرضَ عليهم، شعبًا وقيادةً، أن يكونوا من الثوار. الثورة هي تغيير جذري في واقع فاسد، وليس من مهمّاتها الحفاظ على الفاسدين وحمايتهم إن وجدوا؛ الثورة تعملُ ضدّ العملاء وبائعي الأرض والمتواطئين مع الصهيونية، ومهمتها تصفيتهم. وللأسف، السلطة الوهمية التي يتصارعون عليها تعيش تحت رحمة الاحتلال، حياتها ووجودها تعتمد عليه، وهي لا تستحق البقاء، حيث لم ولن تنجز هدف الحد الأدنى للتحرير الذي وضعته منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، التي كانت تظن أن السلطة الوطنية على أي جزء يتم تحريره أو دحر العدو عنه، هو الطريق إلى دولة على حدود الأرض المحتلة عام 1967، كخطوة مرحلية نحو التحرير الشامل لكل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر.

السلطة اليوم هي حبيسة الاحتلال، بل ورهينته، وتحوّلت مع الوقت إلى عبء يُثقل كاهل الشعب الفلسطيني، وتتعالى الأصوات المطالبة بحلّها

السلطة اليوم هي حبيسة الاحتلال، بل ورهينته، وتحوّلت مع الوقت إلى عبء يُثقل كاهل الشعب الفلسطيني، وتتعالى الأصوات المطالبة بحلّها بعدما استنفدت شروط وجودها كمشروع وطني تحرري. ولّدت السلطة واقعًا أشبه ما يكون بالاحتلال المركب؛ فهناك الاحتلال العسكري المباشر، ودولة المستوطنين، إلى جانب السلطة الفلسطينية التي تحكم السكان ولا تحكم الأرض، وهو واقع مؤلم للفلسطينيين، فالجندي والمستوطن يحظى بالحماية محليًا ودوليًا، وفلسطينيًا بواقع التنسيق الأمني، بينما يرى الفلسطيني أنّه يخضع لحكم الأطراف الثلاثة، ويرى بينها تكاملًا في قمعه.

اقرأ/ي أيضًا: عبد الله صيام.. في مواجهة العدو قال لن يمروا

لطالما أيدّ رأي الشارع أعلاه قادة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح كذلك، ووصفوه في تصريحاتٍ رسمية على أنّه واقع غير مقبول، وبعباراتهم حول السلطة الفلسطينية قالوا إنّها "سلطة بلا سلطة" و"سلطة سقفها أحذية الجنود الصهاينة"؛ يتحكم بها الحاكم العسكري القابع في مستوطنة بيت إيل المقامة على أراضي مدينة البيرة، وهي سلطة تحمي الاحتلال جنودًا ومستوطنين دون ثمنٍ سياسي. سُجّلت بعض هذه الأقوال للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبعضها الآخر لصائب عريقات وعزّام الأحمد وحنان عشراوي وياسر عبد ربه، وغيرهم.

ذات العبارات هي ما كررها المغدور نزار بنات في فيديوهاته؛ كررها بعباراته البسيطة وانفعالاته التي حملت شكل الهجوم على القيادات الفلسطينية ومسّت بعضهم بشكل شخصي، ولم يستثنِ فيها أحدًا، حيث هاجم فتح التي يُقال إنه انتمى إليها طالبًا، وقد هاجم حماس، وكذلك تيار النائب السابق محمد دحلان. فهل ارتكب جرمًا بذلك؟ ربما يرى البعض أنه ارتكب جنحة "المس بمقاماتٍ عليا" رغم أنّه لا يُمكن لأحدهم أن يكون عاليًا في ظل الاحتلال، فأعلى منبر هو ما ابتُلي به الفلسطينيين جميعهم وهو خازوق الاحتلال. وجنحة كهذه لا تستوجب القتل بأي شكلٍ من الأشكال، حيث إن قانون السلطة المتماشي مع شروط الاتحاد الأوروبي يُحرّم الإعدام حتى لعملاء الاحتلال.

يمنع القانون الفلسطيني التعذيب نصًا، وكذلك القتل خارج نطاق القانون. كثيرةٌ هي الممنوعات القانونية التي تحفظ حقوق الإنسان في القانون الفلسطيني، إلّا أنّ المحرمات الثورية والوطنية هي الأكثر في عرف الشعب الفلسطيني. إنّ غياب المؤسسة التشريعية يعني غياب الديمقراطية، وهذه المؤسسة معطلة منذ قرابة الستة عشر عامًا، وتعطيلها وغيرها من المؤسسات جرّت الكل الفلسطيني في فلسطين المحتلة إلى مربعات الخراب، واستمرار التعطيل سيجر هم إلى الاحتراب الداخلي أكثر، لذلك آن الوقت للتغيير، ولعودة الفلسطينيين إلى جذورهم كثوار ومناضلين أحرار.

لم يكن كاتب هذه السطور يتفقُ كثيرًا مع بعض شطحات الناشط الاجتماعي والسياسي الفلسطيني المغدور نزار بنات، لكنني كنت أحترم ما يقوله ويعتقده، وأشاهد فيديوهاته بفضول عندما يرسلها لي بعض الأصدقاء للاستماع إلى رأيي فيما يقول. كان له، رحمه الله، أسلوبه الخاص الذي قد يراه البعض مسًا بالرموز التي يُقدّسها مخالفوه بالرأي، لكن بالمجمل كان ثلث ما يقوله حقيقة مطلقة، وفي بعضه الآخر حقيقة نسبية مشوّهة، وفي ثلثه الأخير شطحات لا صلة لها بالحقيقة وتنطوي على تحليل خاص، وهذا ليس نقيصة، إذ لكلٍ منّا أسلوبه بالتعبير أو لفت الانتباه.

لم يكن نزار بنات استثناءً، كان ناشطًا شعبيًا يسير وفق نبض الشارع، ويُسمع الناس ما يودون سماعه، كان له من الجرأة أبعد حدودها

لم يكن نزار بنات استثناءً، كان ناشطًا شعبيًا يسير وفق نبض الشارع، ويُسمع الناس ما يودون سماعه، كان له من الجرأة أبعد حدودها، التي تصل إلى الوقاحة في النقد، لكن ما كان يقوله ليس بالعمل العسكري الذي يستحق لقاءه القتل. بلغة الأنظمة الحاكمة، كان اعتقاله وقرص أذنه كما كل مرةٍ كافٍ، وهو في بعض الأحيان كان يسعى إلى ذلك، وهو الساعي إلى عضوية المجلس التشريعي، فقد كان كل اعتقالٍ يزيد من شعبيته، وعلى إثره تستضيفه المنصّات الإعلامية، ويغرّد في مطلب حريته النشطاء؛ من يتفق معه ومن يختلف.

اقرأ/ي أيضًا: في حزيران.. أيام للشهداء والحريّة

الفلسطيني، كما قال لي صديق يومًا ما، يختلفُ عن أقرانه العرب، فهو الوحيد من بينهم الذي يمتلك حق التعبير السياسي بلا حدود، فهذا التعبير هو أفقه الوحيد أمام العالم وميزته عليهم، بينما يمتلكُ أقرانه العرب كل الحقوق الأخرى؛ التنقل والعمل والتعليم المجاني وغيرها، إلا الحق في التعبير السياسي المطلق، إذ ما زال سقفهم السياسي محدودًا بالأمن ومحاصر بالبوليس السري (أجهزة الاستخبارات) الذي يُحاسب على كل كلمةٍ تنتقد النظام.

ثمّة مقولة قديمة للزعيم الراحل ياسر عرفات يقول فيها: "دع ألف زهرة تتفتح في حديقة الثورة". كان الاختلاف في الرأي سمة مميزة للفلسطيني أينما حل، كان يتحدث كثائر ولا يخشى في القول، يتحدث بثقةٍ ولا يلتفت يمينًا ويسارًا كما يفعل أشقائه من العرب، لكن اليوم وفي ظل السلطة المحاصرة من الاحتلال، هناك من يريد تجريد الفلسطيني من هذا الحق، والزجّ به في حظيرة الأنظمة العربية.

تُشير نتيجة التشريح الأولي أنّ المعارض بنات قُتل تحت التعذيب، كما أفاد أكثر من طرف فلسطيني، وعلى رأسهم الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان. تكرر هذا الحدث الأليم من قبل السلطتين في غزّة والضفة الغربية في السنوات الأخيرة، حيث يُقتل نشطاء سياسيين جراء التعذيب لا رصاص الاحتلال. وهو لأمر مؤسف ومخزٍ، إذ من المفترض أن يتحلّى الفلسطينيون بالمرونة والصبر ويتحمّل بعضهم بعضًا، حتى يقدروا شعبًا وقيادةً وفصائل على مواجهة الاحتلال وقطعان مستوطنيه. لكن في ظل الخلافات السياسية العميقة بين أطراف المعادلة الداخلية الفصائلية الفلسطينية، أثبت الشعب الفلسطيني أنه أكبر من قياداته وفصائله، وأن فصائله همّها الأكبر الحفاظ على سلطاتها وامتيازاتها ورفاهيتها، بينما يعيش شعبها العذابات اليومية بلا نهاية.

للأسف، أضاعت هذه القيادات والفصائل ما أنجزه الشعب الفلسطيني في هبّته الأخيرة، لذلك يعاني الفلسطينيون من أزمة كبيرة؛ أزمة تقرير مصير، وأزمة تغيير طال أمدها ويجب إنجازها. إنّ استمرار الوضع الراهن يُنذر بكارثة وطنية داخلية، وهي في مجملها لن تصبّ إلا في صالح العدو.

أضاعت هذه القيادات والفصائل ما أنجزه الشعب الفلسطيني في هبّته الأخيرة، لذلك يعاني الفلسطينيون من أزمة كبيرة

الغريب في الأمر وما يدعو للشك والريبة في قتل المعارض السياسي نزار بنات، أنه جرى بينما كانت المعركة ما تزال قائمة؛ معركة الكل الفلسطيني صوب العدو، وكان العالم الغربي يبحث عن طوق نجاة لكيان الصهاينة صنيعته من الأزمة التي وضع نفسه فيها. وكان هناك عربٌ يطورون تطبيعهم مع كيان العدو نكايةً بشعب يخضع للاحتلال أو بفصيل فلسطيني، أو بتسابق مع طرف عربي آخر على مستوى التحالف مع عدو الأمة. وكان هناك فلسطينيون آخرون يذهبون ليباركوا بزيارتهم تطبيع هذا البعض، ويمنحونه وسامًا على بيع القضية بوعي أو دونه.

اقرأ/ي أيضًا: أجساد الفلسطينيات في المنطق الاستعماري المتحيّز

وبينما كل هذا كان يحدث، كان هناك بعض الجلّادين من بني جنسنا، ممن لا يملكون من قلوب وعقول القادة والثوار أي ذرة من مسؤولية، يقتادون صوتًا غاضبًا إلى الزنازين، وبينما هم في الطريق، يبدو أنه صرخ بصوتٍ أعلى فعاقبوه على جرأته، عاقبوه بشدة، ولم يهدأوا إلا عندما أسكتوه مرةً وإلى الأبد. وبعد أن ظنوا أنهم أسكتوه، فتحوا من خلف موته آلاف الحناجر الغاضبة. السؤال هنا: أي غباء هذا الذي اقترفوه وأي سياسةٍ تلك؟ من فعل ذلك خدم الاحتلال، ورغم أن كل فعل من هذا مدان، وكل فعل من جنسه جريمة، إلّا أنّ أكبر الخطايا هو عدم قراءة الواقع الجديد، وعدم جس نبض الشارع الذي تغيّر في إحدى عشر يومًا ونيف، ولم يعد كما كان، لا تجاه السلطة ولا تجاه الاحتلال.

ألف باء الثورات نجاح الحركات الاجتماعية الثورية، فمن من هم في "الأعلى" لا يقرأون الواقع ولا يقبلون بتغييره، بينما لم يعد بمقدور من هم في "الأسفل" والوسط العيش ضمن القديم، ويلوحون برغبةٍ عارمة بالتغيير. تستغل هذا التنافر بين القديم والجديد، قوى شبابية ناضجة تُمسك بالدفّة وتقود المشهد إلى حيث اشتعال الثورة، فإن اندلعت لن يعود الناس إلى ما كانوا عليه، ولن يهدأوا إلا بتغييرٍ شامل. هل تسير الأحداث في هذا المسلسل؟ الإجابات ليست بعيدة، ستجيبنا عليها الأيام القليلة القادمة.

لماذا نظن ذلك؟ لأن الناس لن تنسى هذه المرة ما حصل، ولن تخبوا إراداتهم، فقد تحرروا من عقدة الخوف، لأن نارًا تستعر في قلوبهم. كانت نارهم تهبُّ صوب الاحتلال، وهذا هو الطبيعي في حالة شعب مُحتل، لكن هناك من حوّل اتجاه الريح بغباءٍ منقطع النظير صوب نفسه. مجرم من حوّل هبّة شعب تحت الاحتلال إلى نارٍ تُحرقه وإلى احتراب داخلي وفتنة، قد لا يخرج منها الكل الفلسطيني إلا بأذى كبير يصيب الجميع.

ما وقعَ عارٌ لن ينفع معه لجان تحقيق، حتّى لو قُدّم كبش فداء، فالناس تُريده سمينًا. ربما تهدأ بعدها وربما لا، الأيام حبلى بالمفاجآت، لكن المهم أن تبقى البوصلة والحِراب؛ كلّ الحراب صوب العدو، فهو سبب كل هذه الآلام، حتى لو ارتكبها فلسطيني، فمفردة العدو اتّسعت وأخذت تحت عباءتها الكثيرين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فلسطين عنوان لحرية الشعوب العربية

فلسطين كاملة: من المستحيل إلى الممكن