الرداءة أقوى من الفن

الرداءة أقوى من الفن

من مقتنيات متحف الفن السيئ في أمريكا

مريحةُ جدًّا فكرة أنّ الزمن خير ناقد، خصوصًا أنه أنصف أعمالًا مجهولة وسلّط الضوء على تجارب مغمورة، وإلى جوار ذلك طوى صفحات أناسٍ ملؤوا أزمنتهم صخبًا.

بهذه البساطة، يُقنع الفنّانون أنفسهم أنّ محكمة المستقبل ستحقّق عدالتها، وأن الرداءة آيلة إلى الزوال في آخر الأمر.

في هذه الفكرة ما هو صائب إلى حدّ ما، وما هو ممكن إلى حدّ ما، بالنسبة لنا نحن الشهود على اندثار رداءات زمن سابق، الأمر الذي يُغري بكون رداءة زمننا ستلقى ذلك المصير العادل المحتوم.

ما نراه رديئًا ورخيصًا وسخيفًا، في الفكر والفنّ والأدب، بات قويًّا إلى الحدّ الذي لم يعد في وسع حِججنا ضدّه أن تكون مرافعات مقنعة 

غير أنّ الغائب في ذلك أنّ ما نراه رديئًا ورخيصًا وسخيفًا، في الفكر والفنّ والأدب، بات قويًّا إلى الحدّ الذي لم يعد في وسع حِججنا ضدّه أن تكون مرافعات مقنعة بينما يحقّقُ نجاحات تجارية وتسويقية، ومثلها على صعيد اقتناص الجوائز، حتى كأنّ المبيعات العالية والجوائز صُنعت خصيصًا لأجل هذه الأعمال، التي لم تعد وحدها الفيصل، فهناك مهارات أصحابها في الحضور، خصوصًا على الصفحات السوشيالميدية، إلى جانب مواهبهم الاستثنائية في نسج العلاقات المثمرة، دون أن يكون مُهمًا كمّ النفاق والذلّ وادعاء المظلومية الذي تقوم عليه، لأنّ ما يسمونه نجاحًا قادر على تغطية آثار تلك الموبقات التي ينبغي أن تسمّى عارًا، وبهذا يغدو البحث في الصناديق السوداء مدانًا وموصومًا بالكيد والتآمر، الأمر الذي ينفي أية جدوى نقدية.

اقرأ/ي أيضًا: عشرة أمثلة على فظائع شعراء عصرنا

في هذا السياق، نلاحظ كيف لم يعد النجاح نفسه يعني النجاح، فعلى صفحات السوشيال ميديا تعتبِرُ تعليقات الأصدقاء أن انتهاءك من كتابة كتاب نجاحًا، مع أنك لم تكابد كتابته في ظلّ انقطاع الأوراق، أو تعذُّر أجهزة الكمبيوتر. كما تعتبر وقوف شخص على منبر نجاحًا، مع أنه لم يخض سباقًا إلى ذلك، فكل ما حدث أنه معروف بشكل شخصي بالنسبة لتلك الجهة المشرفة على ذلك المنبر، أو مُزكّى من أفراد دوائرها. ناهيك أنّ اعتلاء منبره ذاك لا يعني أبدًا التقليل من شأن آخرين لم يعتلوه، كما لا يعني الاعتراف به، بل ربما المنبر نفسه يبحث عن الاعتراف. بالإضافة إلى أن ترجمة القصائد إلى لغات أخرى لا تعني نجاحًا، فمن قال إن الترجمة كترجمة هي ما يصبو إليه الشعر، أو الأدب عمومًا؟ ثمة مشكلة تواجه الترجمة عند الكتّاب الذين يشعرون بالدونية أمام الثقافات المُهيمنة، تقوم على الخلط بين الترجمة من حيث كونها نشاطًا ثقافيًّا طبيعيًّا لا يعني التكريم، وبين الترجمة كجسر لنقل الأعمال المؤثرة إلى اللغات والثقافات الأخرى.

المنشورات والتعليقات تضرب مفهوم النجاح الرائج بعرض الحائط. لندقّق قليلًا؛ ألّا يُصرف مفهوم النجاح في قواميس عصرنا بالحصول على جائزة، أو بتحقيق أرقام مبيعات عالية، حتى وإن لم يكن الأمران معيارين دقيقين؟ إذًا، كيف يمكن القبول بتعليق من مستوى "مبروك نجاحك" لمجرد إعلان أحد ما عن الانتهاء من كتابة كتاب ما؟ مرعب جدًّا أنّك ناجح لمجرد أن تكتب؟

لم تعد مشكلة الفنّ الرديء قابلة للقراءة عن طريق فكرة "دع الزمن يُفرز"، ولا حتى عن طريق التجاهل، ففي واقع الأمر يحظى الرديئون والرديئات وأعمالهم بمكانة راسخة لدى جمهورهم، الذي يُصاب بحكم آليات التفاعل السوشيالميدية بالقبول، بل والاحتفاء، عن طريق العدوى، فتزداد دوائر الرداءة اتساعًا مع مُروّجين ومشجّعين يحبّون السائد، ويعتبروه حقيقة وقاعدة. ضمن هذا المنطق، لدينا جمهور مغشوش لكثرة ما تعرّض للتزوير، لا يختلف في المبدأ عن جمهور مطاعم ماكدونالدز الذي يُقبل على طعام مُقرف بشهية مفتوحة.

ليس جديدًا القول إن الفنّ الرديء يخرّب الذائقة، إنما الجديد الذي يتوجّب الانتباه إليه أنه يكرّس قيمًا سلبيّةً ويمنحها عمرًا مديدًا، بحيث يُنظر إليها مع الوقت بوصفها قيمًا جمالية خالصة. مثلًا، راجت في الشعر الراهن "أنا" الشاعر/ة كمحور أساسي، وهي في العموم تروي لنا شؤون الذات التافهة التي تصل إلى تناول الحاجات البيولوجية، في حين أن واحدةً من مهمات الشعر، كما الفنّ، هي اختراع الـ"أنا" دون أن تتصل بشخصية الشاعر/ة بالضرورة. فرناندو بيسوا، الشاعر البرتغاليّ ذو الوجوه والأسماء والحيوات العديدة، أراد من تلك الأنا أن تكون اللاأحد. المتنبي جعلها أنا الثقافة العربية. الأدباء والشعراء المتصوفة مزجوا الأنا بالذات الإلهية.

ليس جديدًا القول إن الفنّ الرديء يخرّب الذائقة، إنما الجديد الذي يتوجّب الانتباه إليه أنه يكرّس قيمًا سلبيّةً ويمنحها عمرًا مديدًا

عودةً إلى القيم الجمالية التي يجري تكريسها، لن نعدم وجود شخصٍ ينظر إلى كون هذه القيم تعرّضت للتهميش في عصر أو وقت سابقين، ولأنه لا يصح إلا الصحيح، ولأنه على الحقيقة أن تأخذ مجراها، لن تستغرب عندئذ من ارتفاع عقيرة دعاة الرداءة بالاستشهاد، من باب التزوير - والرداءة يحملها ويحميها المزوّرون- بتراث الحركات الفنية المضطهدة من المجال العام، كالهيب هوب والراب وغيرها، ولهذا سيكون من السهل عقد مقارنات بين صفحة إلكترونية مستعارة باسم "الطائر الحزين" والأسماء المستعارة التي كتب بها، أو بالأحرى عاش بها، بيسوا (المشار إليه آنفًا)، كما ستكون الجملة التي اختلس صاحبها خفتها من عالم رياض الصالح الحسين أصلًا لا نسخة. في حين أن الفنون المهمّشة تحمل قيمها وأساليبها ومسيرة نضالها.

اقرأ/ي أيضًا: السّرابُ هناك وهنا أدلاؤه

هكذا، وفي وقتٍ تتلاشى فيه المحاولات النقدية، والتفكير المتبصّر بجدوى الكتابة ومعناها، تصبح الرداءة حركة ثقافية كاملة. أليس لديها كل ما يلزم لتنتشر وتكبر وتنمو؟ اجمعْ رداءات الشعر إلى رداءات السينما إلى رداءات المسرح.. تحصلْ على مشهد ثقافي متكامل، ينشط بهمة وجسارة.

لا جديد في الأمر سوى الوفرة، ولولاها لجاز للمراقب تعليل النفس بالتميمة القديمة "إن الزمن خير ناقد"، لكنّ الآن وأمام هذا السيل الجارف مما يسمّى فنًّا من الضروري البحث عن معيار، نقيس به لنعرف ما الذي يعنيه تعريف أحد بشاعر/ة أو فنان/ة معاصر/ة، فليست كل كتابة شعرًا، كما ليس كل مونتاج لفيديو سينما!

لا يمكن لخديعة التسميات الاستمرار، خاصة أنّ التكنولوجيا التي سهّلت النشر كثيرًا تبّنت اسمًا مريحًا من الناحية الموضوعية: المُدوَّنة. فحيث يُمكن اعتبار ممارسيها بالمدونين والمدونات، إلا أنهم يُصرّون على التسميات القديمة: الشعر، التشكيل، السينما.. إلخ، في احتقار لقيمة التدوين، ذلك العمل، المتصل بحياة الشخص، المنقول ضمن وسيط لغوي أو صوتي أو بصري، خاليًّا من أهداف فنية، مع أنه من العجيب اعتبار الرسائل النصية (SMS) قصيدة، ومن الأعجب اعتبار صورة مُعالجة بفلاتر تقترحها الشركة المصنّعة للموبايل عملًا فنيًّا.

كيف لهؤلاء الذين يستفيدون من التقنيات الحديثة ألا يقبلوا بوظيفتها الأساسية؟ وكيف لهم، في الوقت نفسه، أن يرغمونا على القبول بأن الإنتاج الفني وحيٌ يُوحى من شركات عابرة للقارات؟

لنسأل أنفسنا: ما الفن الرديء؟ متى يكون الفنّ رديئًا؟ من هو الرديء؟ ولنفكّرْ بكل ما مرّ بنا من قصائد وأغان وأفلام سطحية، مكرّرة، تغازل السهل وتعيد إنتاج البديهي، ولنعقد بناء على ذلك مقارنة بين اختراعين علميين: الطائرة وجهاز الكفتة (اسم ساخر لاختراع ظهر في مصر لأجل معالجة مرض الإيدز). العلم حاسم ههنا. إذا كانت الطائرة تقوم على سلسلة من الأحلام البشرية التي ظلّت تتراكم في الخيال الإنساني منذ شاهد البشر الطيور، وحتى باتت مسألة قطع القارات في ساعات واقعًا قائمًا، فإن جهاز الكفتة هراء يستحق صاحبه العقاب على هذا الاستخفاف بعقول الناس وبتسفيه المجال العام.

ما الذي يجعلنا نُصدّق الطائرة ونقدّر وجودها؟ وما الذي يجعلنا نهزأ بجهاز الكفتة؟ لا شيء سوى النقد، لأنه حاسم في إثبات فعالية الاختراع الأول وتكذيب مزاعم الثاني. النقد قادر على ذلك كون فعاليته تتم في منطقة بين العلم والفن، بين القانون والتجربة، بين الفكر والواقع. ولأن النقد غائب بشكل مقصود من النظام الذي يحكم الحياة حاليًّا ساعيًا إلى جعلها سوقًا، والسوق بطبيعته يعادي التفكير، إن لم نقل يريد طرده خارج فضائه؛ لأجل ذلك الغياب بات المجاني يُطرح كفلسفة، والبسيط كتركيب، والكسل ككدح.

الحياة حدث وليست حادثًا، والفن رصد لأحداث الحياة البشرية، لا سجل حوادثها العادية

الفن عمومًا، والشعر خصوصًا، ضعيف في فضاء المنصات الاجتماعية التي هزمت الفكر والبحث، ولم يعد يعنيها سوى انتزاع الاعتراف ممن يحملون موبايلاتهم مستلقين على الأرائك، ولا فرق لديهم بين المعلقات وفيديوهات الإعلانات.

اقرأ/ي أيضًا: الشاعر الذي كتب بعد وفاته.. الشاعر الذي لا يزال يكتب

ربما يتفاعل الفن الشعري على صفحات المنصات، ربما يستفيد منها، لكنه يشعر باللاجدوى حينما يرى الناس مقبلين على الحياة التي تحدث لهم، لا التي تحدث فيهم، فالحياة حدث وليست حادثًا، والفن رصد لأحداث الحياة البشرية، لا سجل حوادثها العادية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إيّاكم وشعراءَ كليّات الآداب

في الشِّعر والدين