السّرابُ هناك وهنا أدلاؤه

السّرابُ هناك وهنا أدلاؤه

غابريل باتشيكو/ المكسيك

نسمع كلامًا كبيرًا عن دور الفنّ في تجميل العالم، يذهب القائلون به مذاهب متطرفةً يُعطون فيها للروايات، وبالقياس على ذلك الأفلام والمسرحيات والموسيقى، أدوارًا بطوليّةً تصل إلى تحدّي الإرهاب والقضاء على العنصرية.

لو حلُّ مشكلة هذا العالم في يد الرواية، لماذا لم تتولَّ ذلك روايات بلزاك وستندال وكافكا؟

في الجدية الصارمة لتلك المقولات ما يُغري بالسخرية، إذ يتخيّل المرءُ الكتبَ تتصدّى للأحزمة الناسفة، والأغاني تصفع آذان النازيين فيبكون على أطلالٍ بيوت الغرباء التي أحرقوها.

اقرأ/ي أيضًا: أمجد ناصر.. أسرارُ الملحمة المعاصرة

لا يبالي أصحاب تلك الأفكار باحتمالية حبِّ السفاحين والمجرمين للشِّعر، أو بأنّ هناك طغاةً كبارًا مغرمون بالفنون التشكيلية. كل ما يهمّ هؤلاء المتحذلقين إعطاء هالة من العجائبية لما يفعلونه في خطابٍ يخدعون به أنفسهم قبل خداع الآخرين.

بعبارةٍ واحدةٍ؛ لو حلُّ مشكلة هذا العالم في يد الرواية، لماذا لم تتولَّ ذلك روايات بلزاك وستندال وكافكا؟ وبعبارةٍ أخرى على المقام ذاته؛ لو مشكلة العالم تُحلّ بالموسيقى ألا يجدر بهم السؤال عما أصاب أذنيه منذ زمن موزارت؟

هذا زمن السراب وهؤلاء أدلاؤه!

كأنّ المشكلة ليست في خبز الناس المسروق، ولا في السجون التي تصبح تهديدًا في وجه كل من ينتصب على قدمين بدءًا من مرحلة ما بعد الكلام، ولا في المدارس التي تُعلّم احتقار العلم، ولا في الدين المفصّل على مقاس سلطة تُجري عمليات تجميلٍ للعبودية، ولا في واقعٍ أنانيّ يلقي بالبشر في آبار العزلة ويجعل من الحب شبه مستحيل.. المشكلة في الكتب، الكتب الأدبية بالذات، والحلول النهائية ليست فيها بالضرورة، بل في تداولها.

الصورة الغريبة التي يرسمها هذا المنطق للكتب هو الآتي: بكتابتها تكتشفُ الإلهَ الذي فيك، بقراءتها يقلّ الجوع والخوف، وبالاقتباس منها على الصفحات الإلكترونية يتوارى الدواعش ويفقدون القدرة على التأثير، أما في حضور حفلات توقيعها فتزداد مساحات الغابات وتنخفض مستويات التلوث.

هذا ما نخرج به من أحاديث الكتّاب والشعراء الذين ملأوا حياتنا بالحديث عن كتبهم، دون قول الكتب نفسها شيئًا عن ذلك، أو دون قولها شيئًا بالأصل، فالحقيقة الجديدة الآن: ليس مهمًا ما تقوله الكتب بمقدار الأهمية التي يحوزها الكاتب، وليس مهمًا أيضًا حضورها أمام ضرورة حضور أصحابها، والأمر قابل ليُسحب على الفنون كلها بطبيعة الحال.

قدّمت الأعمال الأدبية العظيمة تصوّرات عظيمة لمصائر الأمم والشعوب، جماعاتٍ وأفرادًا، ووضعتْ أصابع السؤال على مكامن الخلل والقوة في البشر والمجتمعات، ولامستْ بذكاء جراح الحياة عامةً وشخصيةً. فتح أنطون تشيخوف بابًا عبقريًّا بين المسرح وقضية الحفاظ على البيئة في مسرحية "الخال فانيا"، قبل زمنٍ من شيوع الأمر مذهبًا إنسانيًّا. عرّى جوزيه ساراماغو الاقتصاد الرأسمالي بحكمةٍ واستنارةٍ وسخريةٍ في رواية "الكهف". كشف أمبرتو إيكو كذب الإعلام والصحافة وكيفية تحوّل أدوات الحرية السياسية الحديثة إلى وسائل سمسرة أو تقنيات ابتزاز في رواية "العدد صفر".

رغم ذلك لم نسمعْ أحدًا من هؤلاء، أو ممّن في مستواهم، يسوّق لكليشيه مملّ مثل "الجمال يتحدّى القبح"، ولا رأيناهم يتنطّحون لإطلاق وصفة الشفاء الجامع المانع من مستوى: "قراءة الروايات تُوقف وحش التطرّف".

لم نسمعْ منهم مقولاتٍ بائسة لأنهم لا يحتاجون إلى منح معانٍ عظيمة لما يفعلونه، فهم يُدركون بأن سرّ الأشياء العظيمة كامنٌ في معناها البسيط لجهة إعطاء وجودهم قيمة في إطار حيواتهم الشخصية، تاركين تلك الأعمال تُوجد بذاتها دون استحواذٍ يمتص زبدتها.

في النهاية، يحقّ لأيٍّ منا حملَ الأوهام التي يرغب، ويحقّ له ترويجها ذلك أن الأوهام تعبير عميق عن الإنسان، لكننا هنا أمام أفكار سرابيّة لا تخرج سوى من عطب في الرؤية وضمور في التفكير، لتخاطب متابعين يزداد إيمانهم بالبسيط والسهل كلما ازداد تعلّقهم بشاشات موبايلاتهم، هكذا يُعطى الأدب قدراتٍ خارقة على صناعة واقع أفضل، في تغريداتٍ تزقزق على أدنى الأغصان، بنغم واحد، فحواه حلولٌ أدبية لمشكلات سياسية واقتصادية.

آفة الأفكار السطحية مضاعفةٌ عند صدورها عن كتّاب وفنّانين لقدرتهم على منحها سمات الجرأة والشجاعة

لعلَّ هذه الرومانسية (كي لا أستعمل كلمةً أشدّ فظاظة) لا تأتي بهذه الصلابة لولا اليأس المتوَطِّنُ في النفوس، على خلفية الهزائم والانهيارات. ولأنَّ المشهد تركَ الناس متعطشين إلى تفسيراتٍ تساعد على فهم جوهر الخراب، وعلى رسم ملامح عمره ومصيره، تلعب هذه الأفكار دور السراب وهو يموّه الطريق ويزوّر المسافة، فيُضلَّلُ السائرون ويُمَدُّ في أَجل التيه.

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس: هنا مزاري

آفة الأفكار السطحية مضاعفةٌ عند صدورها عن كتّاب وفنّانين، ليس لأنهم الأفضل بين الناس، لا إطلاقًا، بل لقدرتهم على منحها سمات الجرأة والشجاعة والجسارة، ما يجعلها تذيب الحدود بين التعقّل والحماقة.

على منوال هذه الأفكار السرابية الفكرية، يمكننا اختصار أوجاع هذه الحياة باعتبارها رأسًا مصابةً بالصداع، وكل ما تحتاج إليه بضعة مسكناتٍ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

غاية الشعر

"البوكر" الإمارتية و"الإندبندنت" السعودية.. أغطية عالمية لثقافة المنشار