الحنين للثورة يقتلها

الحنين للثورة يقتلها

مظاهرات ميدان التحرير يوم 9 فبراير 2011

ينشأ الحنين للثورة عندما تكون السياسة مجرد ممارسات حَدَثية لا تقف على أي «أيديولوجيا»، يصبح غطاءً لفقر الفكر وانعدام الرؤية، وليس أخطر على الثورة من تحويلها إلى ذكرى، ساحة للحنين، أيقونية تحظى بتقديس مريح غير متنازع عليه. وينشطر الحنين للثورة في مشهدين: الحنين للثورة المغدورة كماضٍ ذهبي لا مجال لتكراره. والحنين للثورة القادمة كنبوءة في يد "التاريخ" يحققها كيف يشاء، وكأن الصراع بين القوى المختلفة تحسمه لحظة مشهدية في ميدان ما، أو نبوءة ما، وليست تحسمه القدرة على تحقيق السيطرة السياسية والثقافية بشكل مستمر.

لعل واقعًا أقل بؤسًا ينتظرنا حين نصارح الناس بالحقائق كما هي، وعملية النقد شئنا أم أبينا مصارحة أو مواجهة مفتوحة مع النشطاء والبسطاء، على حد سواء، مع أنماط حياتهم ومشاعرهم وأساطيرهم، قد يكون رد الفعل عنيفًا لكنه سيكون أقل عنفًا من البؤس الذي نحياه.

هذه النوستالجيا السائدة لثورة يناير يجب تفكيكها الآن وهنا بأقصى درجات العنف، فعلى أنقاضها يصبح الحراك الثوري ممكنًا

يقع التيار "الثوري" في خطأ تاريخي قاتل حين يطرح الآن على المجتمع "مهمة الثورة"، رغم أن الأوضاع السياسية الملائمة لها لم تنضج بعد، ممثلة في تيار جذري النزعة يعبر عنه ويقوده حزب أو تحالف راديكالي يصنع التغيير.

لذا فإن الجرأة التي يبدو عليها النظام في فرض إجراءات تقشفية مؤلمة غير عابئ برائحة الثورة التي ما زالت تملأ الميداين، ليست سوى صدى لإدراك النظام مدى ضعف خصمه "الثوري" ومدى افتقاره لأدواته اللازمة للحركة. بل يمكن القول بشكل عام: إن النظام يعتمد الآن وهنا على ضعف القوى المناوئة له، الأمر الذي يتيح له الاستمرار رغم فقدانه لتأييد الشرائح التي دعمته في السابق نتيجة فشله الاقتصادي الحاد.

اقرأ/ي أيضًا: تيران وصنافير مصرية.. فلنشرب نخب النّصر أولًا

المحاولة الأولى للثورة فشلت، لا لنتيجة "مؤامرة" أو تحالف العسكر مع الإخوان، بل -وفي الأساس- لضعف بنيوي في قوى الثورة، المفارقة تكمن في أنه لا بداية جديدة للحراك إلا إذا كانت منتمية لما فشل في السابق ونقد له في الوقت ذاته، هذا لا يعني إعادة الفعل بكل ملابساته بل جعل تجربة يناير إطارًا للحركة، لا لتكرارها بل لإعادة خلقها، فعبر إعادة اكتشاف الماضي ونقده يصبح المستقبل ممكنًا.

كان الخروج إلى الشارع في 25 يناير، مواجهة حالمة مع نظام بوليسي مغرق في الواقعية، لم تكن الثورة استراتيجية مدروسة للتغيير وفق قواعد ومعطيات ملموسة بل كانت أقرب "كرنفال" سياسي، حافل بالشعر والشعارات والفنون بكل أشكالها. ثورة موسمية وصلت في بعض موجاتها أن كان التظاهر مرتبطًا بيوم الجمعة فقط، وبشكل احتفالي مهما طغت عليه مظاهر الغضب، باستثناء تظاهرات معدودة فرضتها الأحداث.

المحاولة الأولى للثورة فشلت، لا لنتيجة "مؤامرة" أو تحالف العسكر مع الإخوان، بل -وفي الأساس- لضعف بنيوي في قوى الثورة

وبمرور الوقت صارت الثورة أقرب لرابطة أخوية، حنين دائم لحالة من التطهر والنبل، حلم يتكفل التاريخ بتحقيقه على أيدينا. وعلى العكس تكون الثورة فهي ليست سوى معركة والتي إن استدعت الحماسة فإن الأساس فيها هو تدريب الكوادر وامتلاك العتاد ووضع الخطط والسهر على تنفيذها.

هذه النوستالوجيا السائدة للثورة يجب تفكيكها الآن وهنا بأقصى درجات العنف، فعلى أنقاضها يصبح الحراك الثوري ممكنًا.

وإذا صحت المقولة التي تؤكد أن "الإنسان هو مجمل أخطائه" فإن غزارة الأخطاء التي ارتكبناها في الميدان والمقرات السياسية كانت كفيلة بصناعة وعي متراكم بأهمية العمل الفكري والسياسي، المنزوع المشاعر، فيمكننا أن نفكر بكامل التجريد في المشكلة ثم نسعى لحلها جذريًا فهذا ما يصنع التغيير، لكن لا يستطيع المرء أن يتخيّل حزبًا ثوريًا من مناضلين تقودهم مشاعرهم للعمل برد الفعل دائمًا، ولا يمكن لفكر ثوري أن يصنعه من يهربون من العمل الفكري، البارد والبعيد عن سخونة الواقع، إلى أحلامهم الثورية التي تجعلهم يشعرون بالرضا النفسي الزائف.

اقرأ/ي أيضًا: لماذا نحتاج إلى "الفردنة" في المجتمع الحديث؟

الحالة المصرية أمام طرفين أحدهما يسعى لاستمرار سيطرته السياسية والأيديولوجية على البلاد، وآخر لا يعرف بدقة ماذا يريد وكيف يحققه.

ما العمل؟
يهدف النظام لحصار المجتمع عبر تفكيك الأحزاب وتكميم الصحافة وتطويع الإعلام وإحكام القبضة على المجتمع المدني، ومن ثم فإن فك الحصار عبر البناء المتراكم للوعي النقدي وتعميق وتعميم الثقافة السياسية، ليس مجرد جهد ثقافي فقط بل هو في العمق تأسيس للبنية التحتية للثورة.

بمرور الوقت صارت ثورة يناير أقرب لرابطة أخوية، حنين دائم لحالة من التطهر والنبل، حلم يتكفل التاريخ بتحقيقه على أيدينا

وإذا كانت هناك مهمة للمنتمين إلى الثورة الآن وهنا فهي نقد الثورة وقراءة الواقع في تعقيده والبناء طويل النفس، فدرس اليسار يعلمنا أن الثورة حصاد لعمل طويل وشاق، وحل الإشكاليات لا يكون بإنهائها بجملة "الشعب يريد" بل في تحليلها واتخاذ الموقف الصحيح منها، وليس استعجال الثمرة دون تكلفة الذات بـ"القراءة الكادحة" بشقيها: النظرية من أجل استيعاب المفاهيم العلمية التي من خلالها يتم امتلاك الواقع معرفيًا، والقراءة العملية وهي المقاربة الإبداعية للواقع بواسطة تلك المفاهيم.

انطلاقًا من هذا الطرح فإن "البديل"يستدعي بناء نظريًا هذا الجيل ملزم بإنجازه، إذا كانت هناك إرادة حقيقية للتغيير فيجب وفورًا، أن نسحب دفء الحالة الثورية إلى أرض المعرفة الباردة، يجب إنتاج معرفة نظرية بـ"فقه الثورة، وإمكانية قيامها دون حزب ودون طبقة عاملة، طبيعة الدولة التسلطية، جدوى الإصلاحية، الرأسمالية التابعة، الاستقلال الاقتصادي، دور الثقافة في التغيير، العلمنة، التراث، الفكر النقدي".

أما أن يتم القفز على تلك القضايا التي تحتاج بحثًا وفهمًا واستيعابًا ونقدًا وإبداعًا، فسنعود بعد انتفاضة أخرى، بمزيد من الخسائر، للنقطة نفسها لنبحث من جديد: كيف نسقط النظام؟

اقرأ/ي أيضًا:
كيف يعمل "دماغ" الثورة المضادة في مصر؟
خذلتم الثورة فعاقبتكم