لماذا نحتاج إلى

لماذا نحتاج إلى "الفردنة" في المجتمع الحديث؟

لماذا يسعى الفرد إلى التمسك بفردانيته في مجتمعاتنا الحديثة؟ (فلوريان غورنتر/Getty)

يقول، كارل ماركس إن المنظومة الاقتصادية السائدة هي التي تحدد طريقة تفكير الفرد، وكان يقول إن المشروع الليبرالي مختل لأنه يجعل الناس يحملون أفكارًا مزيفة عن العمل ورأس المال وحتى عن أنفسهم. وكذلك موسوليني كان يقول نفس الشيء. لكن هل لا تزال هذه الرؤية صالحة؟.

تعني الفردانية أن جودة حياة الفرد وازدهارها، تأتي من دور أولئك الأفراد الأصيلين المستقلين الذين يشكلون هذا المجتمع. لكن مارسيل غوشيه، عالم الاجتماع المعاصر، يروي على لسان أحد أساتذته أن علم الاجتماع يثبت أنّ "الفرد لا وجود له". لكن هل لا مناص من التناقض بين الفرد والمجتمع؟، يبيّن صموئيل بوبكين كيف أنّ نفوذ المجموعة يمكن أن يتوافق مع حاسّة الحساب الفرديّ المتنامية، وهو يتوافق هنا مع مفهوم اليد الخفية لآدم سميث، الذي يقول إن الجهود الفردية الخالصة ستصب في نهاية الأمر بلا قصدية، في المصلحة العامة.

تبدو "الفردنة" توجهًا عالميًا، يسعى الشباب من خلاله إلى تصويب حركة الجماعة وتثبيت خطاهم الشخصية

لكن غالبًا ما تتناقض الفردية مع الشمولية والجماعية، إذ رأينا كيف ساعد الانترنت على تجاوز هذا المأزق في ثورة 25 يناير المصرية مثلًا، فمن صفحة "خالد سعيد" على فيسبوك، انطلقت أعظم ثورة في العهد المصري الحديث. 

يقول إسلام السقا، في مقابلة مع "ألترا صوت"  إنه "سينمائيًا يظهر مفهوم الفردانية وفردنة الفرد جليًا في السينما الأمريكية"، مشيرًا إلى أن "فكرة البطل الفرد  American hero“، سواء كان سوبر هيرو أو توم هانكس. في النهاية هناك رجل أمريكي واحد يمسك بزمام الأمور ويغيّر حياته سعيًا لشيء اسمه "الحلم الأمريكي"، وهذا المفهوم تروّجه أمريكا للعالم سينمائيًا، لكن لو شاهدنا مثلًا الإنميشن الياباني سنلاحظ أن البطل في السينما الأمريكية فرد، بينما في اليابان البطولة جماعية، كذلك المراقب لأفلام محمد خان سيرى أنه اعتمد البطولة الفردية طوال الفيلم وأفردها لشخص واحد يسعى لتحقيق شيء يرضي ضميره سواءًا للخلاص الفردي أوالجماعي".

اقرأ/ي أيضًا: الحريات الفردية ضرورة أم مجرد ترف حقوقي

وعودة بالزمن إلى الوراء، كان فيلم "المواطن كين" بداية التعبير عن هذا التوجه، للمخرج أورسون ويلز، وتم الاحتفاء به أمريكيًا وعالميًا بشكل مبالغ به وكان أحد سماته الرئيسة هي الفردانية، التي يمثلها كين نفسه، كونه الشخص الذي أراد الإمساك بزمام الأمور وتوجيهها لصالحه كي تسود سيطرته. وهو بذلك يمثل شخصية الفرد الأمريكي أو ما يجب أن يكون عليه الفرد الأمريكي.

يلفت حديث السقا، إلى فلسفة آين راند الموضوعية والتي اشتهرت في النصف الثاني من القرن الماضي، ويمكن اختصارها ببساطة في أن دور الفن في حياة الإنسان هو تحويل أفكار البشر الغيبية من خلال الاستيلاد الانتقائي للحقيقة إلى عمل فني يمكن للمرء فهمه والتفاعل معه شعوريًا. نشرت آين راند روايتها The Fountainhead عام 1943، وبعدها بست سنوات، تحولت هذه الرواية لفيلم يظهر فيه البطل الذي يتحدى المجتمع، ويناضل من أجل تصوراته التي ينتصر لها؟.

تريد آين راند أن تقول بكل بساطة أنه دون منح الأفراد حرية التفكير والتعبير لن يتقدم المجتمع وأن التطور الإنساني ليس سوى نتاج أفكار مجموعة من الأفراد المبدعين، والتي قوبلت طبعًا بالرفض أو حتى بالوصم.

تقول إسراء مقبل، لموقع "ألترا صوت" إن "الأصالة أصبحت عملة مفقودة، وحتى شخصيات الأفراد وأهدافهم وأحلامهم أصبحت متناسخة"، وتوضح السبب "هو أن الأصالة تحتاج إلى العُزلة، التي أصبحت حلمًا في المجتمعات الحالية التي تجبرنا على التواصل المستمر مع الناس وتدفع الفرد للذوبان في الجماعة رغمًا عنه".

أظهر الفن مرارًا التجارب الفردية على أنها تحد للمجتمع ولقوته السلطوية

ونشطت في أواخر الخمسينيات أولى الرؤى التي تظهر بأن السبب وراء عدم نجاح الأدوية على مستوى واسع لعلاج نفس المرض، هو وجود تباين وراثي واضح بين ليس فقط الأعراق المختلفة بل بين أفراد العرق الواحد، فظهرت الحاجة إلى علوم جديدة كعلم الوراثة الدوائي، الذي يهدف إلى دراسة هذه التباينات الوراثية، وتقسيم المرضى بنفس الداء إلى مجموعات صغيرة لكل منها دواء وفردنة العلاجات والعقاقير الطبية أكثر فأكثر.

يعرّف علم الاجتماع الفردنة، بأنها سلسلة التغيرات الاجتماعية التي تعزى للفرد ليشيّد حياته بنفسه. اقتصاديًا تعني، أن لكل فرد استقلاليته الفردية في اتخاذ قراراته الاقتصادية، في مقابل أو كرد على، القرارات التي تقررها الدولة، المجتمع، أو الشركة بالنسبة له أو لها.

وتكنولوجيًا تعني، استخدام التكنولوجيا للاعتناء بالفروق الفردية بين الأفراد. لكن ما نحن بحاجة إليه ليست الإعلانات التي يمطرنا بها فيسبوك، بعد بحثنا عن منتج نشتريه عبر الإنترنت. يقول السير كين روبنسون في حديث ملهم عبر منصة "تيد-TED" إننا بحاجة إلى "فردنة" التعليم أكثر من أي شيء، يجب الاعتناء بالأطفال وتشجيعهم على إظهار مواهبهم، فكل الأطفال يولدون موهوبين كما يقول بيكاسّو لكن النظام التعليمي يحطمّهم ويقولبهم ويضع أمامهم جزرة الشهادة الجامعية، التي لم تعد تجدي نفعًا في هذا العالم الرأسمالي منزوع الرحمة، والذي يضع الفنون في أسفل الهرم الأكاديمي. فمن ثنائية الإقطاعيين والفلاحين الفقراء، قبل الثورة الصناعية، إلى ثنائية الشركات الرأسمالية والموظفين العبيد في عصرنا الحالي، تظل الحقيقة الثابتة، أن على الفرد ألّا يتوقف على النضال أبدًا لنيل فرادته وتفرده الإنسانيين، لكن بالطبع قلة من تفعل ذلك، وهذه القلة، وياللعجب، هي التي ستجلب أعظم التغيرات للجماعة.

اقرأ/ي أيضًا:

مصر.. جمهورية الأخطاء الفردية

السلطة المصرية تطارد "أشباح يناير" في المقاهي