اجعلوها للإنسانية.. لا لمهدي عاكف!

اجعلوها للإنسانية.. لا لمهدي عاكف!

مهدي عاكف خلال إحدى جلسات محاكمته (محمد الشهيد/ أ.ف.ب)

لست من هواة رفع شعارات "حرمة الأموات" وذكر "محاسنهم" والترحم على كل من رحل، وكتبت في مقال سابق عن رحيل رفعت السعيد، وأنه رحيلٌ مخزٍ يليق بتاريخه، ليراسلني أحدهم برأي في نظري هو ساذج، عن أنّ رحيل المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف، يتساوى مع رحيل رفعت السعيد، وأنّ كلاهما لا يختلفان في شيء، وأن كلاهما تربّح من النظام، وكلاهما لا يستحقان الذكر، أو كما قال.

ربما لو امتلك الإخوان نماذج أخرى كمهدي عاكف لتغيرت أوضاعهم جذريًا بدلًا من التخبط الإداري

أحببت مهدي عاكف عندما كنت مراهقًا مقربًا من دوائر الإسلاميين، وأحببته عندما اتجهت إلى اليسار، وأحببته عندما وقفت في مسافة محايدة من جميع الأيديولوجيات والأفكار السياسية والدينية. كان عاكف بالنسبة لي كالجد الأكبر الذي إن صفعني بالقلم فلن أغضب، وإن تصرف بغباء أو رجعية أو حاول فرض سيطرته علينا فلن أكرهه. كان يحتل تلك المنطقة من القلب التي تعجز عن كرهها للأشخاص مهما تباعدت العقول وتفرقت الآراء والسبل.

اقرأ/ي أيضًا: ذكرى 30 يونيو.. "نهضة" الإخوان التي قصمت ظهر مصر 

أحببت ثقته وإيمانه وإخلاصه لما وهب له الحياة، ودفع ثمنًا غاليًا لذلك، أحببته متكلمًا مناظرًا ودودًا، وأحببته مشاكسًا عنيفًا، وأحببته سياسيًا ذكيًا بعكس غالبية أفراد جماعته، ربما لو امتلكت جماعة الإخوان المسلمين نماذج أخرى كمهدي عاكف لتغيرت أوضاعهم جذريًا بدلًا من التخبط الإداري والملاحقة الأمنية.

أختلف كليًا مع أفكار الجماعة، ومع جزء كبير من تاريخ عاكف وآرائه ومواقفه السياسية، أو ما وصلني منها، وهذا لا يمنعني من أن أقول شهادة حق في الرجل بعد وفاته، وهي أن المقارنة التي افترضها أحد الأصدقاء بين عاكف ورفعت السعيد، هي مقارنة بها خلل في القياس، فالسعيد لم يستنزف عشرات السنين من عمره داخل السجون كمهدي عاكف الذي دفع ضريبة غالية لأفكاره ومواقفه، حتى وإن اختلفنا معها، وعلى افتراض أن الرجل كان يستحق الحبس، أ ليست السجون تطهيرًا من الذنوب؟ أ ليست العقوبة كافية ألا نوصم الشخص بعدها؟ هل دفع السعيد تلك الفاتورة الباهظة أم على المقابل تربّح من النظام لأقصى درجة، وتم استخدامه لخدمة أهواء السلطة؟

عندما نتحدث عن الحق الإنساني في العلاج والحق في الإفراج الصحي، فلا نخص بكلامنا فئة دون الأخرى

نتصارع على الأيديولوجيات الفكرية، لا على القيم الإنسانية. إن دخلتُ مناظرة مع عدوِ لي، لن أرضى بحبسه ظلمًا وعدوانًا، ولن أرضى بتكميم فمه كي يكون صوتي مسموعًا. إن التعاطف الإنساني لا يذهب بالقطعة لمن نهوى ونحب ويوافقنا الآراء، فمن الطبيعي أن يكون التضامن مع من يشبهنا في الأفكار والأيديولوجيات، ولكن الإنساني أن ندافع أيضًا عمن يخالفونا الرأي، فالظلم واحد وبيّن، فإن وقع على مظلوم، فهو ظلم، وإن وقع على ظالم، فهو ظلم أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: العفو الرئاسي في مصر.. فرح ناقص 

النظام الذي يسمح بعفو رئاسي عن رجل أعمال متهم بجريمة قتل، وهو هشام طلعت مصطفى، والقضاء الذي يرفض الإفراج الصحي عن الشيخ المسن مهدي عاكف، بينما يعطd البراءة لمبارك وأسرته ورجاله، والداخلية التي تسمح بهروب وزيرها السابق المتهم في قضايا عدة؛ ليس بنظام وليس بقضاء وليست بداخلية. 

عندما نتحدث عن الحق الإنساني في العلاج والحق في الإفراج الصحي، فلا نخص بكلامنا فئة دون الأخرى، وعندما نتحدث عن التعذيب أو الإهمال الطبي في السجون، فلن نبعد الأنظار إذا طال التعذيب والإهمال المعارضين لأفكارنا، وعندما نقول إن مئات المساجين يموتون سنويًا نتيجة الإهمال الطبي، فلا نضعهم في قفف عدة نمنح بعضها التضامن والدفاع، ونتجاهل الباقين، نحن لا نزن الأمور بكفتين.

ومن يهاجمون الرجل لأفكاره التي يرونها رجعية أو لأنهم جزء من جماعة يختلفون معها فكريًا، ماذا يتوقعون من رجل عاصر كل السجون وحفظ جدرانها وأقام فيها بالسنين، ليس لجناية أو جريمة ولكن لرأي سياسي؟ هل من المنطقي أن  يتخلn عن أفكاره التي دفع ثمنها من عمره بكل هذه السهولة؟ ماذا إذا عُكست الأمور وحكم الإسلاميون وزجوا بالمعارضين كافة في السجون والمعتقلات وقتلوا وعذّبوا وتجاهلوا المرضى والمسنين، هل يكون لهم الحق في ذلك كما ترى أن لك الحق في التشفي ممن لم يُجرموا وكان جرمهم أنهم لم يوافقوك الرأي؟!

لم يكتفوا بظلم عاكف حيًا، وإنما استمر ظلمه حتى بعد الوفاة لتُمنع شعائر الجنازة وتوديع جثمانه إلى مثواه الأخير

لم يكتفوا بظلم عاكف حيًا، وإنما استمر ظلمه حتى بعد الوفاة لتُمنع شعائر الجنازة وتوديع جثته إلى مثواها الأخير. ربما يخشى النظام من عدد المشيعيين الذين قد يخرجوا خلف جثة عاكف، عدد قد يهدد بقيام مظاهرة أو انتفاضة متواضعة تهز أركانهم. ظلت السلطة تخشى عاكف حيًا وتودعه السجون، وتخشاه وهو مجرد جثة هامدة لا حيلة لها، جثة رجل عجوز يخشى منها نظام كامل، وتلك هي القضية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نهاية مخزية تليق برفعت السعيد

حبس آلاف المصريين في 2017 بقانون ملغي منذ 89 عامًا