السجون المصرية.. زيارات العبث بالحقوق

السجون المصرية.. زيارات العبث بالحقوق

صورة دبابات متمركزة خارج مجمع سجون طرة (Getty)

وأخيرًا؛ سمحت وزارة الداخلية المصرية لوفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان بزيارة سجن طرة شديد الحراسة (العقرب)، أمس الثلاثاء، بعد أن أمضى المجلس شهورًا في الضغط والمطالبة بزيارة السجن، وإعداد تقرير عن أوضاعه، ليرد به على عشرات الشكاوى التي تنهال عليه من ذوي المحبوسين فيه، وخاصة المعتقلين السياسيين منهم.

شكلت زيارة الحقوقيين لسجن العقرب فضيحة لأداء الحكومة في ملف الحقوق والاعتقال السياسي

غير أن الزيارة، التي أرادت الداخلية بها أن تبيض جزءًا من صفحتها التي تمتلئ بانتهاكات حقوق الإنسان -وفقًا لعدد من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية-، لم تحقق غايتها، بل على العكس؛ كشفت الزيارة عن بعد آخر تبذله الداخلية المصرية للتغطية على انتهاكات حقوق السجناء، وخاصة في سجن العقرب؛ هذا البعد الذي تمثل في منع أعضاء من المجلس القومي لحقوق الإنسان من دخول السجن دون غيرهم، ومنع من دخل من أعضاء المجلس من زيارة الزنازين أو الاطلاع على التقارير الطبية الخاصة بالسجناء.

 دَخلة راجية عمران

رفضت وزارة الداخلية دخول عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، راجية عمران، إلى سجن طرة شديد الحراسة، بدعوى أن اسمها غير مدرج على قائمة أعضاء الوفد الذين سيزورون السجن.

وكشفت راجية عمران، في منشور كتبته على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أن محاولات منعها من الانضمام إلى الوفد بدأت عندما حاولت الاتصال بالباحث المسؤول عن الزيارة، نبيل شلبي، لتؤكد على مشاركتها في وفد زيارة السجن، لكن الباحث المذكور لم يكن يرد على اتصالاتها، فاضطرت إلى إرسال رسالة نصية له تؤكد فيها أنها ستشارك في الزيارة، ليجيب عليها بأنه "تم تبليغ الأسماء وهناك إجراءات وأن اسمها لم يبلغ ولن تستطيع المشاركة".

وتضيف عمران أنها أبلغت ما حدث إلى رئيس لجنة الحقوق المدنية والسياسية في المجلس، جورج إسحاق، والذي أكد لها أنها ستشارك في الزيارة، وبناء على ذلك توجهت عمران إلى مقر المجلس في موعد تحرك الوفد، لكنها فوجئت "برد فعل غريب من الأمين العام للمجلس، مخلص قطب، الذي قال أنها لن تشارك في الزيارة وأن اسمها غير مبلغ؟!"، ثم جرت محاولات للتعطيل تمثلت في "عدم إرسال سيارة لإحضار جورج إسحاق وتأخيره حتى لا تشارك في الوفد".

وتقول عمران إنه عندما وصل وفد المجلس إلى السجن، بعد محاولات التعطيل، رفض لواء شرطة دخولها، بدعوى أن اسمها غير مدرج في قائمة المسموح لهم بالدخول، ليرد عليه عضوا المجلس جورج إسحاق وكمال عباس بأن "هذا وفد مجلس وأنها عضوة به، ولم يكن هناك تبليغ لأسماء في السابق"، ليطالب اللواء بمهلة "يتصل فيها بمساعد وزير الداخلية لقطاع السجون لسؤاله عن إمكانية دخولها"، ثم أخبرها اللواء "بأنه تم التبليغ وفي انتظار تأشيرة من النيابة للسماح لها بالدخول"، لكن التأشيرة لم تأت.

وتساءلت عمران "للدرجة دي راجية عمران خايفين منها؟ مش كفاية آخر زيارة للعقرب لم يتم تبليغي وكانت فضيحة للنظام. ألا تتعلمون من الأخطاء السابقة؟!". مضيفة "إذا كان رفض السماح لها بالدخول جاء رغم أن إدارة السجن بدأت، منذ فترة، في التجهيز لزيارة المجلس عبر محاولات لتحسين الأوضاع، فهل هذا التحسن سيستمر بعد الزيارة؟ وهل التهديدات للمساجين أن الوضع سيكون أسوأ إذا تكلموا في زيارة المجلس سيتم تنفيذه؟".

مرور "اللئام"

"النتيجة النهائية للزيارة التي قام بها وفد المجلس إلى سجن العقرب؛ أن الوفد لم يتمكن من التحقق من الشكاوى الواردة له، حول الانتهاكات التي تعرض لها المساجين، بسبب تعنت إدارة السجن ورفضها السماح للوفد بزيارة الزنازين والتحقيق في الشكاوى، ومقابلة بعض الحالات المرضية، إضافة لرفض بعض المساجين، وخصوصًا قيادات جماعة الإخوان، الحديث مع أعضاء المجلس". بحسب تصريحات عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، كمال عباس، لموقع البداية.

وقال عباس أن الوفد قدم شكاوى إلى إدارة السجن تتمثل في "منع الأدوية، وسوء الأوضاع المعيشية وعدم توافر الأغطية والبطاطين، ومنع الكتب الدراسية، والسماح بإدخال كمية قليلة من الأطعمة، وتقليص فترة الزيارة لأقل من خمس دقائق فقط، رغم انتظار الأهالي أكثر من ست ساعات للدخول"، وردت إدارة السجن على هذه الشكاوى "بأنها وفرت حاليًا سريرًا وثلاث بطاطين لكل سجين، كما سمحوا بالملابس الداخلية التي لا يوجد عليها أي كتابة وأتاحوا بعضها للبيع لمن أراد. وبررت إدارة السجن عدم السماح بإدخال كمية كبيرة من الأطعمة، بأنهم يدخلون أطعمة يوم واحد خشية تعرضها للتلف"، وهو ما أثار ملاحظات الوفد خاصة في ظل برودة الطقس حاليًا وعدم السماح مثلًا بإدخال الأطعمة المجففة.

وأوضح عباس أن إدارة السجن قالت "إنها تقوم بإيصال الكتب للمساجين بعد عرضها عليها للتأكد منها، وأنها تكشف دوريًا على المساجين، وتوصل الأدوية للمرضى بعد عرضها على الصيدلية لمعرفة طبيعتها، مضيفة أنها اضطرت لتقليص مدة الزيارة، بسبب الكثافة العددية"، وكشف أن إدارة السجن "تجاهلت تعقيبات أعضاء الوفد بتنظيم الزيارة على أيام مختلفة وعدم المساس بالمدة القانونية للزيارة".

وأكد عباس أن "ردود إدارة السجن جاءت مخالفة للائحة السجون والتي تحظر منع الأدوية أو الطعام لأي سبب وتنص على أن مدة الزيارة يجب ألا تقل عن ستين دقيقة".

وأضاف عباس أن الوفد "قدم قائمة بأسماء مساجين من أصحاب الشكاوى لمقابلتهم والاطلاع على أوضاعهم، إلا أن إدارة السجن رفضت معللة ذلك بأن المساجين رفضوا مقابلة الوفد، كما رفضت السماح للطبيب صلاح سلام عضو الوفد، بالكشف على المرضى، أو الاطلاع على السجلات الطبية، ورفضت أيضًا السماح للوفد بزيارة الزنازين، بدعوى أن ذلك قد يسبب هرج داخل السجن خاصة في ظل رفض المقابلة".

سيرة لا تنقطع

الجدل الذي أثارته الزيارة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الحقوقية، يعيد إلى الأذهان الجدل الذي أثارته زيارة وفد من المجلس إلى نفس السجن (العقرب)، في آب/أغسطس الماضي؛ تلك الزيارة التي ظهر فيها أعضاء من المجلس وهم يتنقلون بين مطبخ السجن -الذي تذوقوا طعامه-، والكافيتريا، والصيدلية، دون أن يقوموا بزيارة الزنازين أو التحدث مع السجناء.

كما فجر التقرير الذي أصدره المجلس، في ذلك الحين، موجة عنيفة من الانتقادات حيث أكد التقرير على توافر الرعاية الصحية للسجناء، وأن (كانتين) السجن لم يغلق -كما تقول الشكاوى-، وأن إدارة السجن وفرت ألواح ثلج للسجناء خلال فترة الصيف، للتخفيف من حرارة الجو.

ثم أضافت تصريحات محمد عبد القدوس، عضو المجلس وأحد المشاركين في الزيارة، التي أكد فيها رفضه للتقرير الذي أصدره المجلس، وأن لديه العديد من الملاحظات عليه، جدلًا على الجدل، خاصة بعد تأكيده أنه "كان واضحًا جدًا أن سجن العقرب تم إعداده تمامًا استعدادًا لزيارة وفد حقوق الإنسان، وهو تقليد قديم معروف في السجون بأن تأخذ زينتها وتتجمل عند علمها بزيارة مسؤول أو تفتيش أو وفد حقوقي".

المجلس تحت المجهر

منذ اعتماد المجلس القومي لحقوق الإنسان -بتشكيله الحالي- في آب/أغسطس 2013 -عقب الإطاحة بالرئيس المعزول، محمد مرسي- وأوضاع حقوق الإنسان في مصر تشهد ترديًا واضحًا، كما تشهد أقسام الشرطة والسجون المصرية انتهاكات لحقوق السجناء والمحبوسين احتياطيًا، ما يطرح علامات استفهام حول المجلس ودوره؛ فالمجلس الذي يمنع أعضاؤه من زيارة السجون، كيف يستطيع الدفاع عن حقوق الإنسان؟ والمجلس الذي يمنع من زيارة زنازين السجناء والتحدث معهم، كيف سيدافع عن حقهم؟ والمجلس الذي يشتكي بعض من أعضائه من تعنت الداخلية معهم ورصدهم، كيف سيحمي المواطن من التعذيب في أقسام الشرطة؟ والمجلس المنقسم على ذاته والذي يدافع بعض أعضائه عن السلطة الحاكمة كيف سيؤدي دوره؟ كما طرحت محاولة بعض أعضاء المجلس والعاملين إثناء راجية عمران عن زيارة السجن ووضع العراقيل أمامها، بدلًا من مساندتها ودعمها، تساؤلات حول دور هؤلاء الأشخاص، ولماذا يقومون بذلك؟

اقرأ/ي أيضًا: 

مصر..السلطة تواصل مصادرة المجال العام

الإعدام سجنا في مصر..ما خفي أعظم