يوسف بشير في

يوسف بشير في "حين حدث ما لم يحدث": الخلاص بالسخرية والخيال

غلاف الكتاب (ألترا صوت)

هناك نبرة سردية خاصّة يمتلكها الكاتب اللبنانيّ يوسف بشير كما يتبيّن لقرّاء كتابه "حين حدث ما لم يحدث" (دار الساقي، 2019). لا نتحدّث بطبيعة الحال عن رواية، أو مجموعةٍ قصصية، أو نصوصٍ نثرية/ سردية، أو أي جنسٍ أدبيٍّ آخر. بل عن كتابٍ يضمّ، إن صحّ التوصيف، مجموعة مقالاتٍ تؤرّخُ لجُملةٍ من الأحداث شديدة الأهمية في التاريخ السياسيّ العربيّ، القريب والراهن. وفي هذه المقالات أو النصوص العصية على التصنيف، يُبدع المؤلّف اللبنانيّ في ابتكار حيواتٍ وتفاصيل لشخصياتٍ نعرفها جميعًا، بحيث يجعل من العادي أمرًا ملفتًا، وممّا هو معروف أمرًا مجهولًا.

يُبدع المؤلّف اللبنانيّ يوسف بشير في ابتكار حيواتٍ وتفاصيل لشخصياتٍ نعرفها جميعًا

هي إذًا أحداث لم تحدث. ولكن، ماذا لو أنّها حدثت بالفعل؟ هذا ما نقرأهُ في الكتاب الذي يدفعنا الفضول من الأساس إلى قراءته، إن كان ذلك لجهة العنوان، أو الغلاف الذي جاء جامعًا لمجموعة صورٍ لسياسيين ورؤساء وزعماء أحزاب عرب.

اقرأ/ي أيضًا: هندسة الطبيعة البشرية.. تاريخ وتلاعب

يفترض يوسف بشير أو يتخيّل أنّ رئيس الوزراء اللبنانيّ السابق رفيق الحريري نجا من محاولة الاغتيال التي دُبِّرت له. نجاة الزعيم السنّي اللبنانيّ لن تترك الوضع السياسي في لبنان على حاله، دون هزّاتٍ وتغيّراتٍ كبيرة، يتخيّلها الكاتب بمغادرة الحريري إلى فرنسا والإعلان عن حكومة منفى من هناك بدعمٍ من البطريرك نصر الله بطرس صفير كقطبٍ مسيحيّ، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، على أن تكون مهمّتها العمل على الانسحاب السوريّ من لبنان، ونزع سلاح حزب الله بعد ذلك.

في المقابل، وقبل اغتيال الحريري بسنواتٍ كثيرة، يتخيّل الكاتب اللبنانيّ أنّ جمال عبد الناصر والزعماء العرب انتصروا في حرب عام 1967 على الإسرائيليين. على إثر ذلك، يحطّ في مطار القاهرة الزعيم السوفييتي ليونيد بريجنيف، حيث يستقبله عبد الناصر فَرِحًا بانتصاره، ومؤكّدًا عزمه والزعماء العرب على تحرير كامل فلسطين. بريجنيف كان له رأي مختلف. الزعيم الاشتراكي لا يضع تحرير فلسطين ضمن الأجندة السوفييتية إطلاقًا، باستثناء الدفع بالإسرائيليين إلى حدود 1947 فقط. المُلفت في حوار الزعيمين المتخيّل هو مُطالبة بريجنيف لعبد الناصر باستثمار نصره هذا، من خلال إبعاد والتخلّص من عدّة أسماء بارزة، كعبد الحكيم عامر، والسادات، ومحمد حسنين هيكل. ومن جهةٍ أخرى، أن يفرض زعامته المُطلقة على العرب، فهو يحمل نصرًا يُتيح أن يفعل ما يشاء.

ولكن، ماذا لو أنّ جمال عبد الناصر لم يصل من الأساس إلى الحكم؟ هذا ما يتخيّله يوسف بشير في نصٍّ آخر من الكتاب. فاللواء محمد نجيب اكتشف ما يعدّه له الضبّاط الأحرار لإبعاده من المشهد والتفرّد بالسلطة. ولكنّه يستبق مخططهم هذا باعتقالهم وتحويلهم للعمل في الملحقات العسكرية للسفارات المصرية في دول العالم، بالتزامن مع سماحه للأحزاب السياسية بممارسة نشاطها، وإقامة نظامٍ ديموقراطيٍّ في البلاد، على عكس ما كان عبد الناصر ورفاقه يخطّطون.

ما يتّضح لنا كقرّاء أنّ يوسف بشير يكتب بسخرية حادّة ولاذعة، ومن خلال سخريته هذه، يُمرّرُ أفكاره وربّما مواقفه السياسية من الأحداث التي يتناولها. فالقضية الفلسطينية تجارة مُربحة كما نقرأ في نصٍّ بعنوان "حين زار حافظ الأسد إسرائيل وبقي هناك". الحكاية المُتخيّلة هنا أنّ السادات جاء ليأخذ حافظ الأسد لزيارة إسرائيل وإعلان السلام بين الإسرائيليين والعرب، وإنهاء الحروب بين الطرفين. اقتراح السادات هذا عارضه عبد الحليم خدّام الذي اتّهم الرئيس المصري بالخيانة القومية. بينما بدا الأسد الأب متخوّفًا من سقوط نظامه إن تفاوض مع الإسرائيليين، ذلك أنّ نظامه يقوم على وعد تحرير فلسطين أوّلًا. مخاوف الأسد كانت في مكانها، فما لبث أن غادرت الطائرة به وبالسادات نحو إسرائيل، حتّى أعلن خدّام الانقلاب على الأسد، والحجّة مرّة أخرى، ودائًما، فلسطين وتحرير فسلطين.

في حوار متخيل، ينتقد عبد الحميد السراج، مؤسس الدولة الأمنية، مجزرة حماة والتدخلات الإيرانية في سوريا

الرئيس المصري السابق محمد مرسي لم يسقط! الانقلاب الذي قاده عبد الفتاح السيسي فشل. ومحمد مرسي المنتخب من الشعب تمكّن من تجديد ولايته عام 2016 من خلال انتخاباتٍ نزيهة. نقرأ في هذا النص خطابًا لمرسي على مسامع كوادر من حركة الإخوان المسلمين، يتحدّث فيه عن الأسباب التي كانت وراء انتصاره في الانتخابات. فالرئيس قام بعمل نقدٍ ذاتي له وللحركة بعد تظاهرات 2013 والانقلاب الفاشل، قام على إثره بمنع التعذيب في السجون، والتحوّل من إسلامٍ سياسي إلى إسلامٍ ديمقراطي على غرار التجربة المسيحية الأوروبية، وتوسيع هامش الحريات، وتمكين الاقتصاد. من فشل الانقلاب يعود يوسف بشير إلى نجاحه، ولكن المفاجئة هنا أنّ السيسي خسر الانتخابات أمام حمدين صباحي. الأخير في حوارٍ شديد السخرية مع صديقه أمين إسكندر، يفشل في إيجاد عناوين وشعاراتٍ لمرحلة ما بعد الانتصار بالانتخابات، فالقومية العربية انتهت، وحرب اليمن كانت كارثية، والوحدة مع سورية لم تنجح أيضًا. لا شعاراتٍ يقدّمها الرئيس الجديد للشعب إذًا، حتّى أنّه ندم على ترشّحه ضدّ السيسي من الأساس.

اقرأ/ي أيضًا: الحياة اليومية للمرأة الإغريقية كما رسمها الأدب

على هذا الأساس، التخيّل البحت، والسخرية، وتمرير المواقف السياسية؛ يُكمل يوسف بشير كتابه هذا "حين حدث ما لم يحدث". يتخيّل حوارًا بين القادة الفلسطينيين عقب حرب الأردن، وتشعّب مواقفهم من قضايا كثيرة، فهناك من يلتف حول حافظ الأسد، وهناك من يراهن على الروس، وهناك من يعوّل كذلك على الجماهير. في المقابل، نقرأ عن استقبال بشّار الأسد وزوجته أسماء أيضًا لعبد الحميد السرّاج مؤسّس الدولة الأمنية في سوريا. يسرد الرجل تاريخه الطويل في تعذيب معارضيه، فرج الله الحلو مثلًا وغيره. ولكنّه ينتقد مجزرة حماة، والتدخلات الإيرانية في سوريا، فالأخيرة بلدٍ عربيّ حتّى النخاع.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن أحمد خالد توفيق الذي جعل الشباب يقرأ

آزاد عنز.. حين يقطع لسان القصيدة