عن أحمد خالد توفيق الذي جعل الشباب يقرأ

عن أحمد خالد توفيق الذي جعل الشباب يقرأ

أحمد خالد توفيق (The National)

الكتابة

حيرة من الطراز الرفيع. صدقًا هذا ما أحسست به قبل أن أبدأ في كتابة هذا المقال، أن تكتب عمن علمك الكتابة هو أمر ليس بالهيّن، الأمر أشبه بأن تحاول إذابة الجليد في برد ديسمبر، كيف يكتب أحدنا عن أحمد خالد توفيق، من أين أبدأ ومتى أنتهي؟ هل يضاهي نور النجوم ضياء القمر؟

قام  أحمد خالد توفيق بتشريح الوحدة، تشريح الطبيب الشرعي لجثة قتيل مجهول الهوية، وبالوحدة احتل مكانته الكبيرة

هذه السطور هي مرثية في رحيل العرّاب، لن أحاول فك شفرة سحره الأبدي، ولن أكتب عنه بسلاسته، فقط أنا واحد ممن رباهم العرّاب يذكر أستاذه بما أثّر فيه، وإن لم أكن أهلًا لهذا.

الوحدة

ستفتش كثيرًا بين سطور كاتبنا الغائب الحاضر فلن تجد شيئًا تحدث عنه مثلما تحدث عن الوحدة، هي معزوفته الأبدية التي وقع وأوقعنا في غرامها.

اقرأ/ي أيضًا: أحمد خالد توفيق.. وداع أخير على عتبة الأبطال العاديين

قام أحمد بتشريح الوحدة، تشريح الطبيب الشرعي لجثة قتيل مجهول الهوية، وبالوحدة احتل مكانته الكبيرة. نعم أنا وأنت وحيدون بشكل أو بآخر، كل منا يغلق باب غرفته ليلًا ليبدأ كل بؤس وبكاء العالم في مهاجمته ببراعة وتفانٍ!

وقد هربنا من الوحدة، تحديدًا على الأرصفة وفي الأكشاك والمكتبات وجدنا كتب العرّاب، لتكون خير مؤنس في حياة قاسية، وحدها كتاباته قادرة على أن تطوف بك الأرض والروح سعيًا بينما أنت جالس لمذاكرة دروسك وقد دسست أحد كتيباته وسط كتابك حتى لا يلاحظك الوالدان فيفاجئانك بما لا يُحمد عقباه.

لم أعرف كتابات الطبيب الأديب للأسف صغيرًا، عرفتها شابًا فأعادت تكويني، وكأني لم أقرأ حرفًا قبلها. هو العرّاب بعبقريته الفذة، قادر على إغوائك متى ما ذهبت إليه.

في طنطا

تلك المدينة الصغيرة التي تتوسط الدلتا، كل سكان الدلتا مروا بها، حتى سكان القاهرة والإسكندرية قد مرت قطاراتهم بمحطتها التي تبعد خطوات قليلة عن مسجدها الشهير "السيد البدوي"، نشأ الطفل الصغير أحمد خالد الذي تعود أصوله لمحافظة البحيرة بين جنبات هذه المدينة، فعاش فيها كل أفراح وأحزان الحياة، حتى أسره هدوئها النسبي ففضلها عن زحام القاهرة.

من تلميذ بالمدارس إلى طالب بكلية الطب جامعة طنطا، ثم أستاذًا فيها، هكذا صارت حياة الطبيب الذي لم تكن له عيادة يومًا، فقد نحّا تخصصه كأستاذ لطب المناطق الحارة جانبًا، وأمسك بقلمه فأنار الطريق لأجيال كاملة، وجدتْ فيه المعلم والصديق، بل الأب، اكتفى بنقل العلم لطلابه لكنه رافق بحروفه جيلًا كاملًا تعلم منها ما لم يجده في قاعات المحاضرات.

كأحد طلاب جامعة طنطا، ترددت إلى أذني حكايات ومواقف كثيرة للعراب بين طلابه، ذهبت كثيرًا إلى كلية الطب لكن لم يصادفني الحظ بأن أرى الدكتور أحمد رؤيا العين، فكرت كثيرًا أن أصعد إليه في مكتبه ولكن منعني الخجل، وليته لم يمنعني!

ذات يوم وقد تملكني الحزن، همت على وجهي في شوارع طنطا التي تعود أصول والدتي إليها باحثًا عن الطمأنينة أو عن الدكتور أحمد بين المارة، لم أصادفه متجولًا في الشوارع، لكن أتعبني المشي، فجلست على أقرب مقهى، أراقب العابرين هاربين من المطر الشديد الذي أحسست أنه رسالة من السماء إليّ: ألا تحزن.

الافتقاد

أكثر ما أشعر به تجاه كاتبنا هو الافتقاد، ليس هناك أسوأ من أن تفتقد إنسانًا، فما بالك أن تفتقد إنسانًا قد واراه الثرى، وهو الذي ملأ الدنيا صخبًا وأدبًا، ولم يُصب بمرض الغرور، لم يبارك دمًا ولم يصفق لطاغية، لم يجامل أحدًا ولم يتخف. الدكتور أحمد خالد توفيق هو أشهر وأسهل من قد تلتقي في حياتك، قد تجده ماشيًا أو جالسًا على مقهى في "المرشحة"، وربما متناولًا لمأكولات "عواد" الشعبية، هو هنا، هو لا يسكن الأبراج العاجية.

لم يحب ضجيج القاهرة ولم يترك وظيفته، لم يخذل من أحبوه، ولم يسعَ للشهرة، بل هي من سعت إليه، لم تفتنه أضواؤها الساحرة ولم يغيره شيء، فقط أصابه المرض وأخذه من بيننا قبل الأوان.

أحمد خالد توفيق لم يبارك دمًا، لم يصفق لطاغية، لم يجامل أحدًا، ولم يتخف

تلقيت خبر رحيله بمزيج من عدم الاستيعاب والحزن، كنت في طريقي للمنزل، رأيت أحدهم ينشر الخبر، لم أستوعبه وتماسكت حتى وصلت، ثم انهرت، في صباح اليوم التالي كنت مرتبطًا بعمل في مدينة مجاورة لطنطا، لم أقدر على مواصلة العمل ولم أحضر الجنازة المهيبة، ربما كنت أضعف من كل ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: أدب رديء.. واقع أردأ

دائمًا ما يخطر العراب على بالي، أحيانًا أشعر أنه يشاهدنا وأن روحه تؤنسنا، وأظن أنه لن يحب بكاءنا عليه ومبالغتنا في وصفه، هو فقط يريدنا أن نحتفظ بحب كل جميل، لنسير في دروبنا الصعبة بروح الأبطال وبراءة الأطفال الذين ربتهم ما وراء الطبيعة وفانتازيا وأتعبهم رحيل كاتبهم.

توديعة

‏وداعًا أيها الغريب

كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة.

عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا

كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل..

قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس

لحنا سمعناه لثوان هنالك من الدغل

ثم هززنا الرؤوس وقلنا إننا توهمناه

لكن كل شيء ينتهي!

 

اقرأ/ي أيضًا:

رواية "أورشليم".. تاريخ الرعب الإنساني

الشاعر الذي كتب بعد وفاته.. الشاعر الذي لا يزال يكتب