هندسة الطبيعة البشرية.. تاريخ وتلاعب

هندسة الطبيعة البشرية.. تاريخ وتلاعب

تمثال يوافق قياسات محاربين أمريكيين قدامى، في متحف التاريخ الطبيعي، 1932 نيويورك (Getty)

هذا مقطع مترجم من مقدمة كتاب (Human Nature: Fact and Fiction) وهو كتاب يضم مقالات لعشرة من أبرز النقاد والعلماء والأكاديميين يتناولون الطبيعة البشرية من مقاربات مختلفة بين العلم والفلسفة والأدب. صدر الكتاب عن بلومزبيري البريطانية عام 2006.


اليوجينيا

ظهرت فكرة تحسين النسل أو اليوجينيا (Eugenics) والتي قلّما يُسلّط الضوء عليها في الكتب الأكاديميّة رغم أنّها أحد الأسرار الخبيثة لعلم الأحياء. ومع أنّ جذور هذه الفكرة تعود بنا بعيدًا حتى عصر أفلاطون على الأقل في كتابه الجمهورية إلا أنّه ما من شكّ في أنّ شهرتها في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالدعامات العلميّة المزعومة ضمن إطار نظرية الاصطفاء الطبيعي لداروين. وليس مستغربًا بعدُ أن تكون فكرة البقاء للأصلح هي التجسّد الأوضح لسياسة اليوجينيا.

يرى داروين أنّ التطوّر هو النتيجة التي ترتّبت عليها عمليّات اليوجينيا في الطبيعة عبر آلاف من الأجيال

يرى داروين أنّ التطوّر هو النتيجة التي ترتّبت عليها عمليّات اليوجينيا في الطبيعة عبر آلاف من الأجيال. كما أنّ داروين نفسه (المتأثّر ربّما بموت ابنته قبل أربع سنوات) قد راح ينتقص من عمليات الاصطفاء الطبيعية فنعتها بأنّها "خرقاء في أفعالها القائمة على الهدر والسرف والخسّة والقسوة البالغة". ولكن لو كانت الطبيعة البشريّة حقًّا قابلة للتشكّل من قبل الطبيعة، أفلم يك في وسع الإنسان أن يكون أفضل؟ سعى العديد من معاصري داروين، ومنهم قريبه عالم الجينات فرانسيس غالتُن، إلى إدخال بعض التعديلات على فكرة الاصطفاء الطبيعي عبر برامج تدعو إلى زيادة نسل الأشخاص الذين يتمتّعون "بالبنية السحنة جسمًا وعقلًا". لقد كانت حركة اليوجينيا مذ بدأت عنصريّة بلا مشاحة، إذ كانت تهدف إلى ضمان أن تنحسر "الأمم الواهنة" أمام تقدّم "الأجناس الأكثر نبلًا من البشر". ولم يكن ثمّة شكّ حول هويّة تلك "الأجناس الأكثر نبلًا"، فهم بالتأكيد من الطبقة الوسطى أو العليا من المتعلمين الأنجلوسكسون الذين كانوا يتهافتون على القاعات التي يجتمع فيها أعضاء جمعية اليوجينيا في تلك الفترة.

اقرأ/ي أيضًا: من الجمل إلى الجَمال ومن الناقة إلى الأناقة

بيد أنّه لا يمكن إلقاء اللائمة فيما يتعلق بنشوء حركة اليوجينيا على انفتاح باب البحث العلميّ في هذا الميدان على مصراعيه، ولعلّه يحسن بنا أن نقول إنّ هذه الحركة ليست سوى ابن غير شرعيّ لنظرية الاصطفاء الطبيعي، غير أنّها لقيت قبولًا حسن رغم طبيعتها شبه العلميّة بين العديد من المفكرين والكتاب والسياسيين وعلماء الاقتصاد والمصلحين الاجتماعيين في تلك الفترة. ومن الأمثلة على ذلك قيام اتّحاد جامعة أكسفورد عام 1913بالتصويت بواقع 105 أصوات مقابل 66 على "موافقة المجلس على مبدأ تحسين النسل". بل إنّ وينستن تشرشل حين كان وزيرًا في الحكومة قد دعم تمرير قوانين تفرض التعقيم الإلزامي بين "طبقات الشعب من البُله والمجانين". أمّا إتش جي ويلز فكان كثيرًا ما يظهر تأييده لسياسات تحسين النسل هذه، كما فعل برنارد شو الذي يقول: "لأننا جبناء فإننا نعارض فكرة الانتخاب الطبيعي بدعوى الإحسان، ولأننا كسالى فإننا نهمل عملية الانتقاء الاصطناعي بدعوى اللباقة والفضيلة".وفي العام 1915 كتبت فيرجنيا وولف في مذكراتها:

على الطريق المحاذي للماء لجرّ القوارب التقينا ولم نجد بدًّا من العبور بين صفّ طويل من المعاتيه. كان أولهم رجلًا فاره الطول تدعوك غرابة شكله لتكرار النظر إليه مرّة لا أكثر، أمّا الثاني فيسير كأنّما يجرّ نفسه جرًّا وينظر من جانب رأسه، ثم أدركنا أنّه ما من رجل في ذلك الصفّ الطويل سوى مخلوق مخبول يثير الشفقة ولا نفع فيه، لا تكاد تميّز له جبهة من ذقن، وليس ثمّة إلا تقطيب يَشي بالحُمق أو نظرة هائمة تبعث على الارتياب. لقد كان مشهدًا مخيفًا بامتياز. لا شكّ أنّ قتلهم من أهمّ الواجبات.

إنّ تأييد سياسات تحسين النسل بين طبقات المثقفين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكيّة ليس مرتبطًا بشكل وثيق في حقيقة الأمر بالمكانة العلميّة لهذه السياسات، ولكنّها كانت ترتبط بشكل أكبر وأكثر ووضوحًا بالخوف السائد بين الطبقات المتوسطة والعليا من الانفجار السكانيّ بين الطبقات الفقيرة. لقد كانت "الطبقات المجنونة" عند تشرشل هي طبقات العمّال، وحين دعا غالتُن إلى أن يقتصر التزاوج على "أفضل من الناس محتدًا" فقد كان واضحًا للجميع من المُستَثنين من هذه القائمة. أمّا ماري ستوبز، رائدة الأبحاث في مجال تنظيم الأسرة ومنع الحمل، فقد دعت إلى إقرار قوانين تسمح بتعقيم "المرضى" و "المنتمين لأعراق دنيّة" و "القاصرين عقليًّا".

ولقد اعتمدت العديد من الدول الأوروبية والولايات الأمريكية بالفعل سياسات التعقيم الإجباريّ لتحسين النسل. وحتى في دولة ليبرالية مثل السويد فقد جرى تعقيم أكثر من 62،000 شخص (معظمهم من النساء) ممن يعانون من إعاقات جسدية أو عقلية أو لمجرّد أنّهم ينتمون إلى طبقة اجتماعية "غير مرغوبة"، وقد كان ذلك كلّه يتمّ بالقسر والإجبار. ولا ريب أنّ فظائع سياسات تحسين النسل هذه قد بلغت مداها الأقصى عام 1934 وتمثّل ذلك في قانون التطهير العرقيّ الذي تمّ بموجبه تعقيم أكثر من 80 ألف شخص قسرًا لأنّ "محاكم الصحّة الوراثيّة" في ألمانيا قد رأت أنّهم "نفوس غير جديرة بالحياة". وعلى الرغم من أنّها ممارسات تبدو ضئيلة أمام بقيّة الفظائع التي ارتكبت في ألمانيا النازيّة، إلا أنّ الدعم الذي أبداه هتلر بحماسة بالغة لمبادئ التعقيم القسريّ كوسيلة للهندسة العرقية لترسيخ وجود العرق الأسمى قد جعل اليوجينيا تُنبذ تمامًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

الدعم الذي أبداه هتلر لمبادئ التعقيم القسريّ كوسيلة للهندسة العرقية لترسيخ وجود العرق الأسمى قد جعل اليوجينيا تُنبذ تمامًا

مع تراجع حضور هذه الفكرة في الأعوام التي أعقبت الحرب صارت أي محاولة للنظر العلميّ في الأصول البيولوجيّة للطبيعة البشرية تلقى النفور والرفض. لقد فضّل الناشطون في علم البيولوجيا السلوكيّ أن يجروا أبحاثهم على القردة والسعادين والحشرات منزويين في الغابات وباتت دراسة السلوك الاجتماعي للإنسان مهمّة تقع على عاتق علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع. وهكذا تجلّت ثنائيّة جديدة، إذ أضحت الثقافة، وليس الروح التي تحدث عنها ديكارت، هي المحرّك الأساسي للعقل البشري.

الجينات مقابل الثقافة

يشير ستيفن بنكر إلى أنّ المفهوم الذي سيطر على الحديث والبحث في الطبيعة البشرية في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية هو مفهوم "الشريحة الفارغة" (Blank Slate) والذي يقول إنّ عقل الإنسان (بين جميع الحيوانات) خلوٌ من المحدّدات البيولوجيّة، وأنّ التوجّه الجنسيّ للفرد وذكاءه وشخصيته وطباعه هي نتاج الثقافة لا التحديد البيولوجي. وقد صيغت هذه الفكرة مدعومة بحقيقة أنّ العديد من جوانب السلوك الاجتماعي للإنسان، كالإيثار مثلًا، تُناقض في الظاهر التوقّعات التي تفترضها نظرية الاصطفاء الطبيعيّ. بل إنّ داروين قد أقرّ هو الآخر أنّ الصراع (من أجل البقاء) بين الأفراد هو ما يسيطر على العالم الطبيعي، ولكنّ التعاون في المقابل هو الركن المكين في الثقافات الإنسانيّة كافّة. جرى الكشف في العام 1953 عن بنية الحمض النووي (DNA) وبالرغم من الإدراك الحاصل بأنّ الجينات تحدّد شكل الدماغ، إلا أنّ العلماء ظلوا على قناعة بأنّ أثر ذلك في فهم طريقة عمل الدماغ يبقى محدودًا للغاية.

اقرأ/ي أيضًا: تيسير خلف في "عصافير داروين".. رحلة عربية إلى الهزيمة

لقد كانت نظرة الشريحة الفارغة عن الطبيعة البشرية منعتقة من المحدّدات البيولوجية التي سيطرت على التفكير في هذا الجانب لعدّة عقود. أمّا السنوات الأخيرة من القرن العشرين فقد شهدت تزايدًا في الآراء القادمة من حقول البيولوجيا العصبية والبيولوجيا الاجتماعية وعلم النفس السلوكي وعلم الجينات. وقد حاز إدوَرد أوسبورن ويلسُن قصب السبق حين نشر كتابه البيولوجيا الاجتماعيّة: التوليفة الجديدة عام 1975. لقد سبر ويلسن (بالإضافة إلى روبرت تريفرس وجون ميينارد وعدد آخر من علماء البيولوجيا) الأساس البيولوجي للسلوك الاجتماعيّ للحيوانات، والبشر أيضًا. وبعد سنة واحدة أصدر ريتشارد دوكنز كتابه الجينة الأنانيّة الذي قدّم فيه نظرة شاملة لعلم البيولوجيا قائمة في الدراسة الجينية. لقد صار ممكنًا الآن دراسة بعض السلوكات الاجتماعية للحيوانات، كالإيثار، في ضوء النظريات الجينية مثل اصطفاء القرابة (kin selection) والإيثار المتبادل. إن كان بوسع الجينات إقناع حيوان كالخفاش بأن يكون لطيفًا مع الغرباء فسيصبح من الصعوبة بمكان أن ننفي عدم قدرة الجينات على فعل الأمر ذاته عند الحديث عن الإيثار بين البشر.

إلى جانب التطورات الحاصلة في البيولوجيا النظرية برزت الدراسات الجينية التي تثبت وجود بعض التركيبات الوراثية التي تفسر بعض الاضطرابات السلوكية الشائعة نسبيًا، كالتوحّد والفُصام. إن دور الجينات في الكفاءة الذهنية صار معترفًا به في الأمراض الجينية كمتلازمة داون. ولكن متلازمة داون (والتي يسببها عادة وراثة ثلاثة نسخ من الكروموسوم 21 بدلًا من نسختين) تُعدّ حالة جينية متطرّفة لا تفسّر ما يحدث لدى بقية الناس الطبيعيين. نرى في المقابل أنّ في التوحّد والفُصام درجاتٍ من الاضطراب تتراوح بين حالات تعاني من خلل وظيفي حادّ إلى أناس آخرين يعيشون حياة طبيعية، وبدا أنّ الجينات تؤدّي دورًا في الحالات جميعها، مما يعني أنّ الجينات تؤثّر على الطريقة التي يفكّر بها الناس الذين يبدون عاديين في ظاهر الأمر. ثمّ جاء علماء البيولوجيا العصبية والبيولوجيا النفسيّة ليدلوا بدلوهم في هذا الصدد، وذهبوا إلى أنّ الإصابات في بعض أجزاء الدماغ تسبب أشكالًا من الخلل السلوكيّ كالعدوانيّة أو فرط النشاط أو الاكتئاب أو بعض الاختلالات الإدراكية كالعمى الإبصاري الذي عانى منه المريض الذي تحدث عنه أوليفر ساكس في كتابه الرجل الذي لم يميّز بين زوجته والقبّعة. وهنا تقاطع مستوى الخلل الوظيفي مع نطاق السلوك لدى الأشخاص الطبيعيين في الظاهر، مما قد يعني أنّ قدرًا كبيرًا من التباين الطبيعي في البشر مصدره أسباب مادّية لا ثقافيّة.

لكن وبالرغم من هذه التطوّرات لم يفتأ الأكاديميون والنقاد في العلوم الاجتماعية والإنسانية- المنشغلون على الدّوام بالبحث في الإنسان وأحواله- يعبّرون عن ارتيابهم العميق أو حتّى معارضتهم الصارخة لأي تناول ميكانيكي للطبيعة البشريّة. وقد بدأ التعبير عن هذا التوجّه منذ قرابة قرن من الزمن حين كتب جورج برنارد شو لهنري جيمس يقول:

بحقّ البشريّة وروحِها أين الروعة في تلك النزعة الحتميّة عديمة الفائدة القاتلة للروح والموهنة للعزائم التي انتشرت بتلك الفظاعة في ستينات القرن التاسع عشر على يد داروين، والتي أغرت الناس رغمًا عنهم بأنّ الإنسان عبد منزوع الإرادة وأنّه ضحيّة بيئته؟ ما النفع في كتابة المسرحيات إذن؟ بل ما الفائدة في أي شيء إن انعدمت الإرادة التي توجّه الفوضى نفسها في سباق لآلهة تكون الأرض جنّتهم، وإن لم تكن هذه الإرادة متجسّدة في الإنسان.

وبعد مضيّ نصف قرنٍ من الزمن أخذ تشارلز بيرسي سنو ينتقد استمرار الفجوة بين العلوم الطبيعية والإنسانيّة في محاضرته الشهيرة الثقافتان (The Two Cultures). ومع أنّ ما بعد الحداثة قد أشاحت بوجهها عن تلك "الإرادة" التي رأى برنارد شو أنّها عنصر للطبيعة البشريّة، إلا أنّها كذلك تتخذ في الوقت ذاته موقفًا رافضًا للتفسير البيولوجيّ للإنسان والحالة التي يعيش عليها.

ليست مصادفة أن يكون الجدال حول صحّة النظريات الجينية عن الطبيعة البشرية نازعًا نحو تقسيم العلماء إلى توجّهات تعكس نظراتهم السياسيّة بدقّة كما تعكس آراءهم العلميّة

من السمات الأساسيّة للمنهج العلميّ وجود واقع موضوعيّ يُعنى العلمُ بالكشف عنه. ومن هذه الزاوية يحتلّ العلم مكانة خاصّة بين مختلف المساعي الإنسانيّة، ذلك أنّ "حقائق" العلم لا تعتمد على معتقدات العلماء الذين يتوصلون إليها: فقوانين الجاذبية التي وضعها نيوتن تبدو صحيحة لسكّان أستراليا الأصليين أو سكّان الإسكيمو تمامًا كما تبدو لرجل إنجليزيّ متعلّم. ولكنّ هذا قد يبدو مقنعًا عند الحديث عن قوانين الفيزياء، ولكنّ الثبات يكاد يكون مُحالًا عند الحديث عن قوانين العالم الطبيعي. ولنا في تاريخ سياسات تحسين النسل عبرةٌ تدفعنا إلى عدم التعجّل في قبول أيّ ادعاء يصدر من علماء الجينات مثلًا على أنّه حقيقة مطلقة. ومع ذلك رأينا في شهر حزيران عام 2000 أنّ فرانسيس كولنز قد أعلن في حفلٍ أعدّه البيت الأبيض الأمريكيّ قرب انتهاء مشروع الجينوم البشري وقال حينها: "لقد أدركنا طرفًا من "كتيّب التعليمات" المتعلّق بنا نحن البشر والذي كان معروفًا من قبل للربّ فقط". كثيرًا ما أثير الشكّ في ادّعاء الموضوعية العلميّة المتجاوزة للثقافة، ولعلنا نجد هذا عند كارل ماركس الذي كتب لإنجلز يقول: "من العجيب كيف يعيد داروين اكتشاف المجتمع الإنجليزي بما فيه من تقسيم للعمالة والتنافس وازدياد الأسواق الجديدة، و"الاختراعات" و"الصراع" المالثوسي للبقاء". كما تشير كاثرين بيلسي إلى وجود توافق بين الوصف الوظيفي للطبيعة البشرية وأنماط الحياة الحديثة في الضواحي للعلماء (الذكور غالبًا) الذين يروّجون لنظريات البيولوجيا الاجتماعيّة. وليست مصادفة أن يكون الجدال حول صحّة النظريات الجينية عن الطبيعة البشرية نازعًا نحو تقسيم العلماء إلى توجّهات تعكس نظراتهم السياسيّة بدقّة كما تعكس آراءهم العلميّة. ويبدو أنّ الانتماء السياسيّ للعلماء من العوامل المهمّة المؤثرة على تقييمهم النقديّ للنظريات العلميّة.

اقرأ/ي أيضًا: أن تكون تشارلز داروين (1-2)

يرى مفكرو ما بعد الحداثة أنّ اللغة المستخدمة للتعبير عن العلم تترك حتمًا أثرًا من الحمولة الثقافيّة لصاحبها. قد يكون للجين حقيقة موضوعيّة، ولكنّ "الجين الأنانيّ" هو مكوّن مرتبط بالمعنى ذي التضمينات الثقافيّة لكلمة "أنانيّ". فكلمة "جين" كلمة تقع على معانٍ تختلف باختلاف وجهات نظر العلماء المختصين بشأن المستوى المقبول لديهم للتحكّم الجينيّ في هذه المكوّنات. فكيف يمكن لأي نظرية عن الجينات أن تكون حقيقةً عامّة إن كانت حقيقتها مشروطة بالمعاني المفترضة لمصطلحاتها؟ لقد صاغ الفيلسوف دانيال دانِت مصطلح "الاختزاليّة الجشعة" لوصف جنوح بعض العلماء إلى التكلّف في اختزال بعض التفسيرات إلى أصغر مستوى ممكن، كالجينات في الحالة التي نحن بصددها. بل ولعلّ الأدهى من ذلك هو ما ذهب إليه هيرنشتاين وموري في كتابهما المنحنى الناقوسي (1994) حيث جادلا بأنّ الفروقات الجينية في الذكاء هي المسؤولة الأكبر عن التفاوت الاقتصادي بين الناس في المجتمع الأمريكي؛ إي إن كنت فقيرًا فأغلب الظنّ أنّك غبيّ. قوبل هذا الكتاب بالرفض والانتقاد حتّى كال البعض الاتّهامات لمؤلّفَيه بأنهما "أكاديميّان نازيّان" وأنّهما من دعاة إحياء سياسات تحسين النسل. وسرى الأمر ذاته على عدد آخر غير قليل من علماء البيولوجيا الاجتماعيّة الذين نالهم نصيب من الاتهامات بالعنصريّة والتفرقة الجنسيّة والرهاب من المثليّة، وبات مألوفًا أن يتخلّل بعضَ المحاضرات العامّة في الولايات المتحدة لحظاتٌ من تقاذف الاتهامات أو قيام مجموعة من الحاضرين بمغادرة المكان تعبيرًا عن الاحتجاج على الأفكار المطروحة فيها. وقد تعطّلت مؤخرًا جهود مشروع تنوّع الجينوم البشري (HGDP) التي تهدف إلى جمع موادّ جينيّة تمثّل النطاق الكامل للتنوع البشريّ، ويرجع ذلك إلى حالة من الارتياب التي تصاعدت بالأخص بين الشعوب الأصليّة في بعض المناطق بأنّ هذا المشروع ليس سوى شكلٍ من أشكال الاستغلال الجينيّ ما بعد الكولونياليّ وأنّه ليس معنيًّا بالعلم العقلانيّ.

أي إنّ "الجين" قد يكون جزءًا من الحمض النوويّ الذي قد يكون مادّة وراثيّة أو أداة للاستغلال. فقد يكون التأثير المترتّب عليها عاديًّا أو خطيرًا حسب منظور الفرد. لكن وبالرّغم من وجود الكثير من الريب بشأن الطبيعة الدقيقة للجينات فما زال الكثيرون يفترضون تأثيرها في الطبيعة البشريّة. وبفضل ما تمّ من تحليل لسلسلة الجينوم البشري في السنوات الأخيرة من القرن العشرين توفّر لدى العلماء من يقارب 32,000 من الجينات، وقد رجّح العلماء وجود دورٍ لنصف هذه الجينات على الأقل في تطوّر الدماغ ووظائفه. وتكاد لا تجد بين العلماء اليوم من يدّعي بأنّ المادّة الوراثيّة في الإنسان لا تؤدّي دورًا البتّة في طريقة عمل دماغه.

مستقبل ما بعد إنسانيّ؟

يستمر الجدل على أشدّه في حين يظهر للمتابع أنّ الجانبين على طرفي نقيض. ولعل الاهتمام الأكاديميّ بهذا الشأن سيكون نابعًا وحسب من حقيقة أنّ الهندسة الجينية والاستنسال البشري والعلاج الجينيّ ستقدّم الأدوات التي لم تكن من قبل متوفّرة لدعاة تحسين النسل في القرن التاسع والعشرين، ألا وهي القدرة على هندسة الطبيعة البشريّة. ولم يعد مستبعدًا الآن أن تشهد العقود المقبلة تطوّر العلاج الجينيّ للتصدّي لبعض الأمراض الجينيّة الخطيرة مثل التليّف الكيسيّ أو الضمور العضليّ. ولكنّ هذه الأدوات قد تُستخدم كذلك في التعامل مع بعض الحالات كالتوحّد والفصام، حيث نجد الخلل الوظيفيّ مختلطًا بحالة طبيعية أو حتّى بذكاء خارق. فهل علينا يا ترى- أو هل بإمكاننا بالأحرى- أن نعدّل العقول جينيًّا كي تصبح بمنأىً عن الإصابة بالفصام أو التوحّد ونخسر في المقابل ذلك التنوّع البشريّ الذي منحَنا شعراء مبدعين وكتّابًا مبرّزين وعلماء عباقرة؟ وماذا عن السلوك العدوانيّ، الذي ربطه البعض (وإن لم يكن بالمستوى ذاته من التأكيد)  بالجينات؟ أو ماذا عن اضطراب فرط النشاط أو انخفاض مستوى الذكاء أو اختيار جنس المولود؟ وماذا عسانا نفعل بالسمات الإيجابية أيضًا، كرفع معدّل الذكاء أو الإبداع إن عرفنا أنّها ترتبط بتركيبات وراثية؟ لقد بدأت بعض مراكز التلقيح الصناعيّ بتقديم الفرصة للأزواج باختيار السمات التي يرغبون فيها في المتبرعين بالنطف المنويّة. ويمكن لنا أن نتخيل مراكز الصحة الإنجابيّة في المستقبل وهي تقترح على الأزواج جرعات إضافية من جينات الذكاء أو الإبداع (بتكلفةٍ مالية معيّنة بالطبع). من منّا لا يرغب في أن ينعم أولاده بالذكاء والإبداع والنجاح وأن تكون لديهم اهتمامات وأخلاق قريبة مما نملكه نحن، ولكن هل ترانا على استعداد للجوء إلى التلاعب بالجينات لتحقيق هذه الأهداف؟ ماذا ستكون الطبيعة البشرية إن كانت فعلًا غرضًا للتلاعب الجيني؟

وماذا عن العقل؟ ألم يكن عصر العلم هو عصر العقل؟ وهل للعلم كما تتساءل كاثرين بيلسي، الذي هو نتاج العقل، أن يعمدَ إلى نقض عرى ما أوجده أصلًا؟ وأين تقع تلك "الإرادة" التي تحدث عنها برنارد شو (إن كانت موجودة) في تلك الأعصاب والجينات؟ هل نحن عبيد للعقل أم لجيناتنا التي نرثها أم لثقافتنا التي ننتمي إليها؟

يقرّ معظم العلماء أنّهم ليسوا بالضرورة أفضل من يقدّم إجابات عن هذه التساؤلات. إنّ العقل العلمي الحديث معنّي بما هو تفصيلي ودقيق ويتجنّب التعميمات الشاملة المطلوبة للإحاطة بالنطاق الهائل والتعقيد الكبير للطبيعة البشريّة. ولا ريبَ في أنّ منتجات العلوم الإنسانيّة ومنجزات الأعمال الأدبية والفنية العظيمة هي أسمى ما وصل إليه الإنسان في محاولة فهم الطبيعة البشريّة والتعبير عنها. ولكن كنّا قد أشرنا من قبل إلى أنّ معظم العلوم الإنسانيّة، وحقل النقد الأدبي بالتحديد، لمّا تزل مناهضةً بشكل كبير لأي محاولة لإقحام مسألة الجينات في أي نقاش حول سلوك الإنسان أو ثقافته. وعسى رواية شفرة دافنشي والتي فاقت مبيعاتها كافة الكتب التي تتحدث عن الشيفرات الوراثية بأضعاف أن تذكّرنا بالمكانة التي يحتلّها العلم الآن في أذهان معظم القرّاء.

يرى مفكرو ما بعد الحداثة أنّ اللغة المستخدمة للتعبير عن العلم تترك حتمًا أثرًا من الحمولة الثقافيّة لصاحبها

عُقدت في العام 2004 ندوة بعنوان "الأدب، والعلم، والطبيعة البشرية"، تهدف إلى تشجيع قيام نوع من الحوار بين الكتاب والنقاد الأدبيين والعلماء، وقد تكلّل هذا اللقاء بنجاح باهر حتّى تملّكتنا حماسة كبيرة بتدوين ما قيل وعُرِض في تلك الندوة، ومن هنا أتت فكرة هذا الكتاب. لقد جاءت الفصول مرتّبة حسب الموضوعات التي تطرق إليها المتحدّثون في الندوة: "هل الطبيعة البشرية مدوّنة في جيناتنا أم في كتبنا؟"، "هل يتعاضد العلم والأدب لتعريف الطبيعة البشرية؟"، "ما علاقة البيولوجيا بالخيال؟"، و"هل نحتاج نظرية للطبيعة البشرية لنعرف كيف نتصرف؟".

اقرأ/ي أيضًا: ضد الأنوار.. الأصول الفكرية للشرور النازية

بالرغم من الاختلافات التي برزت بين المتحدثين إلا أنّهم على ما هنالك من بون في وجهات نظرهم قد أدركوا مقدار ما يمكن الاتفاق عليه من نقاط. أمّا نقاط الاختلاف، وأكثِر بها، فلا مناصَ من استمرارها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل كان أجدادك بدائيين أم بدئيين؟

فيلم "Man to Man".. في البدء كان الإنسان أم القرد؟