هل يكون ترامب النسخة الأمريكية من سلوبودان ميلوسيفيتش؟

هل يكون ترامب النسخة الأمريكية من سلوبودان ميلوسيفيتش؟

الرئيسان الصربي والأمريكي متشابهان في المسارات فهل تكون لهما نهاية مشابهة؟ (Getty)

في هذا المقال، المترجم عن موقع ذا أوبسيرفر، مقارنة بين دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الحالي، وسلوبودان ميلوسيفيتش، الرئيس الصربي السابق الذي كانت نهايته فضيعة، كفترة حكمه الكارثية على بلده.


 

صار من الشائع هذه الأيام في الصالونات، ووسائل التواصل الاجتماعي، لُعبة مقارنة دونالد ترامب، بمختلف الديكتاتوريين (الطغاة) على مدى التاريخ. وهذا أمرٌ مغرٍ، نظرًا لأن الرئيس الأمريكي الخامس والأربعين ينغمس في العادات الاستبدادية مثل التغريدات الغاضبة على المؤسسات الفيدرالية التي يكرهها، أو إظهار الاستخفاف بسيادة القانون عندما يعترض طريقه. ولم يكن الأمريكيون معتادين على مثل هذه المغازلة العارضة من التعليقات المصورة، التي تحمل الطابع الديكتاتوري، مثل سحق شبكة سي إن إن بشكلٍ دموي بحذاء ترامب، وكثيرًا منهم لا يريدون تطبيع مثل هذا السلوك.

 

الديكتاتور الأكثر تشابهًا مع دونالد ترامب، هو سلوبودان ميلوسيفيتش، وهو الزعيم الصربي القوي، الذي دفع يوغوسلافيا من أعلى الهضبة نحو الهاوية

قفز المزيد من الهستيريين المناهضين لسياسة ترامب، على الفور إلى مقارنته بـ (أدولف هتلر)، وهي مقارنةٌ سخيفة، فضلًا عن أنها تنتهك قانون جودوين، وذلك يخبرنا بالمزيد عن شخصيتهم، أكثر من الرئيس ترامب.  ويُفضِّل البعض مقارنته بـ (بينيتو موسوليني)، الذي كان له جانب سخيف واضح كديكتاتورٍ فاشل لم يسع لتحقيق الكثير من العناصر الجوهرية مثل ترامب. ويبدو أن الزعيم الإيطالي الأحدث، سيلفيو برلسكوني، كان مقارنة أفضل، لأنه كان مثل ترامب يتفاخر باستفاضةٍ بغزواته الجنسية، ويتصرف بفجور، لكونه مليارديرًا عديم الجدوى. ومع ذلك، لم يشرع برلسكوني في القيام بأي شيء أبدًا باستثناء الوصول إلى السلطة، في حين أن ترامب يُبشِّر دون توقف عن رغبته المزعومة في جعل أمريكا عظيمةً مرةً أخرى.

تعد أفضل مقارنة، وهي لن تكون مألوفةً جدًا للكثير من الأمريكيين، وهي أن الديكتاتور الأكثر تشابهًا مع دونالد ترامب، هو سلوبودان ميلوسيفيتش، وهو الزعيم الصربي القوي، الذي دفع يوغوسلافيا نحو الهاوية، على مدى ربع قرنٍ، وأطلق العنان للحروب، والإبادة الجماعية، ثم توفي في لاهاي في عام 2006 أثناء محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وعلى الرغم من أن سلوبودان ميلوسيفيتش تصدر عناوين الصحف طوال فترة التسعينات من القرن الماضي، فقد تلاشى منذ وفاته من الوعي الغربي. ولذلك، فمن الجدير بالاهتمام إعادة النظر سريعًا في حياة سلوبودان ميلوسيفيتش؛ لأن أوجه التشابه بينه وبين ترامب مذهلة.

دعونا أولًا نوضح أوجه الاختلاف بين سلوبودان ميلوسيفيتش وترامب. في حين أن ترامب هو رجلٌ استعراض يقضي الكثير من وقته في برامج تلفزيون الواقع، ويعيش للأضواء والكاميرات، ولا يستطيع أن يصمت أو أن يبتعد عن وسائل التواصل الاجتماعي، كان سلوبودان ميلوسيفيتش موظفًا شيوعيًا يفتقر إلى الحيوية، ورجلًا منعزلًا كرّس حياته إلى زوجته وكان لديه سلوكًا عنيدًا إلى حدٍ ما. وباعتبار شخصيتهما الاجتماعية، فإنهما لا يمكن أن يكونا أكثر اختلافًا.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب.. النسخة الأكثر فشلًا من نيكسون

ومع ذلك، تكشف النظرة الخاطفة على شخصياتهما السياسية أوجه التشابه المقلقة. صنع سلوبودان ميلوسيفيتش اسمه في الشؤون المالية مثل ترامب، ومارس ألعابًا مشبوهة بأموال الآخرين، وشغل منصبًا كبيرًا في النظام اليوغوسلافي؛ بناءً على علاقاته الشخصية أكثر من فطنته المهنية. واستغل سلوبودان ميلوسيفيتش الأشخاص من حوله بشكلٍ عرضي، وحتى أصدقائه المقربين، مثلما فعل ترامب، وتجاهلهم عندما لم تعد هناك حاجة إليهم (في نهاية حكمه، تسبب ميلوسيفيتش في اغتيال صديقه المقرب ومعلمه).

ارتقاء سلوبودان ميلوسيفيتش المفاجئ وغير المتوقع في السلطة، في منتصف الثمانينيات، سيكرره ترامب بشكلٍ مخيف بعد ذلك بثلاثة عقود. بعد وفاه زعيم الحزب اليوغوسلافي، الذي استمر أمدًا طويلًا، المارشال جوزيف بروز تيتو، في عام 1980، أُخِذت البلاد في التراجع المستمر. كانت يوغسلافيا غارقةً في الديون للبنوك الأجنبية، وقد نما اقتصادها المريض معتمدًا على اقتراض دفعاتٍ نقدية غربية ليستمر في الصمود، وفي منتصف الثمانينات، انهار مخطط بونزي الذي أقامه تيتو. ونتيجةً لذلك، ارتفعت معدلات البطالة، ورأى ​​اليوغسلافيون العاديون، الذين اعتادوا على مستويات رفاهية استهلاكية قريبة من المستوى الغربي، كل شيءٍ ​​يتبخر أمام أعينهم. وتبع ذلك موجات من الغضب.

انفجرت الفوضى السياسية في ظل هذا الاضطراب الاقتصادي، وكان حتميًا أن تصعد في يوغوسلافيا متعددة الأعراق، النعرات القومية. وظهرت القومية الصربية التي كانت أمرًا محظورًا لعقودٍ في ظل الشيوعية، من تحت الجليد، في منتصف الثمانينات، تحمل بين طياتها عاطفةً خطيرة. ومن الصعب أن نرى بعقلانيةٍ السبب الذي جعل الصرب يشعرون بالظلم. فقد كانوا على الإطلاق أكبر مجموعة عرقية في يوغوسلافيا، وكانوا يهيمنون على البلاد من شتى الاتجاهات. وعلى الرغم من الجهود الشيوعية واسعة النطاق، لما نُطلق عليه مصطلح (التمييز الإيجابي)، أطلقوا عليه اسم (المفتاح العرقي)، وللتأكد من أن الأقليات يحصلون على تمثيل نسبي في الوظائف والتعينات، فإن الصرب شغلوا معظم الوظائف الكبيرة في السُلم الوظيفي الشيوعي ومؤسساته، وفرضوا سيطرتهم على الهياكل العسكرية والأمنية اليوغوسلافية.

ومع ذلك، غضب العديد من الصرب في منتصف الثمانينيات، بسبب ضياع أمنهم الاقتصادي، وهم يواجهون تراجُعًا في تركيبة بلادهم السكانية. وبلغت الأمور ذروتها في كوسوفو، وهي مقاطعةٌ تتمتع بالحكم الذاتي في صربيا، والتي انتسب حوالي ثلثيها إلى ألبانيا، وربعها إلى صربيا، بين الخمسينيات والثمانينيات من القرن العشرين، ثم تغير بعد ذلك إلى 80% منها إلى ألبانيا، وبالكاد 10% منها إلى صربيا. ونظرًا لارتباط الكثير من تاريخ صربيا بكوسوفو، فإن هذا التراجع في التركيبة السكانية قد سبّب رعبًا في العاصمة بلغراد، حيث وصفه الكثير من الصرب بأنه مؤامرة ألبانية لدفعهم إلى الخروج.

وبحلول عام 1987، سيطرت قضية كوسوفو على السياسة الصربية، وبدون سابق إنذار، أصبح سلوبودان ميلوسيفيتش، رئيس الحزب البارز، وصار عراب القومية الصربية. ولكنه لم يُبدْ أبدًا أدنى اهتمام شخصي أو سياسي بالقومية، ويبدو أنه كان مجردًا من الكراهية العرقية، ولكنه أدرك أن تلك القضية تمهد طريقه للوصول إلى السلطة. وفجأة نّصب سلوبودان ميلوسيفيتش نفسه بطلًا شعبيًا للصرب المحاصرين في كوسوفو، ووعدهم بأن يدافع عن حقوقهم. وبين عشيةٍ وضحاها، أصبح سلوبودان ميلوسيفيتش يُشكِّل ضجةً كبيرة -لأنه كان أول سياسي يحطم المحظورات الرسمية للحزب حول تبني القومية - وبطلًا بالنسبة للصرب الغاضبين في كل مكان.

وقد استخدم سلوبودان ميلوسيفيتش بذكاء النزعة القومية لتولي السلطة على صربيا، وفي نهاية المطاف السيطرة على يوغوسلافيا. وبحلول أواخر عام 1989، كان سلوبودان ميلوسيفيتش زعيم البلاد، وصاحب نُفوذ متصاعد في دولةٍ آخذة في التراجع المستمر. وقد هُوجِمت المؤسسات التي وقفت في طريقه -النظام السياسي الاتحادي في يوغوسلافيا، والجيش والأجهزة الأمنية -، ثم "طُهِّرت" من المعارضين، ثم أُعيِد تزويدها بالموظفين المهمشين والمقربين من ميلوسيفيتش.

ومع ذلك، فإن ما لم يخطط له القائد المبتدئ كان صُعُود القوميات المتنافسة ضد صربيا. أزعج التهديد المتمثل في الشوفينية الصربية الألبان، وسُرعان ما امتد ذلك إلى الكرواتيين والسلوفينيين أيضًا. وعادت العداءات القديمة في الظهور. وأعلنت سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما عن يوغوسلافيا، التي يسيطر عليها سلوبودان ميلوسيفيتش، في صيف عام 1991، مما أدى إلى انهيار الاتحاد، وولادة سلسلةٍ من الحروب العرقية الإثنية البشعة والقبيحة، التي عصفت بالمنطقة حتى نهاية العقد. ولا تزال معظم بقايا جمهورية يوغوسلافيا الاشتراكية الاتحادية، أكثر فقرًا، وأكثر فسادًا، وأكثر انفصالًا من الناحية العرقية، وتعاني من الجريمة بشكلٍ أكثر مما كانت عليه حين قام ميلوسيفيتش يحكم قبضته القومية الصربية واستخدمها لتقطيع أوصال الدولة.

دمر سلوبودان ميلوسيفيتش صربيا تمامًا، مثلما دمر معظم يوغوسلافيا، مما أحدث جروحًا سياسية، واجتماعية، واقتصادية، التي لا تُظهِر سوى علامات قليلة من الشفاء حتى الآن. في الحقيقة، لم يهتم أبدًا بالصرب، فقد أراد الحصول على السلطة فقط. وقام باستخفاف بارتداء عباءة القومية، وخدع الصرب من خلال إخبارهم بما يريدون سماعه: أنه سيحميهم. وسيدافع عن القومية الصربية. وسيعيد الرخاء للبلاد. ولم يكن أيّ من ذلك صحيحًا. وخطته الرامية إلى جعل صربيا عظيمةً مرةً أخرى لم تكن سوى تمثيلية.

دمر ميلوسيفيتش صربيا تمامًا، وقام باستخفاف بارتداء عباءة القومية، وخدع الصرب من خلال إخبارهم بما يريدون سماعه وخطته الرامية إلى جعل صربيا عظيمةً مرةً أخرى لم تكن سوى تمثيلية

وبمجرد حصوله على السلطة، لم يعرف سلوبودان ميلوسيفيتش حقًا ما يجب القيام به، وكان أداؤه أفضل في الخطابات النارية من الواقع العملي. ونتيجةً لذلك، تصنع سلوبودان ميلوسيفيتش الأزمة بعد الأزمة، وترك وراءه صربيا المحطمة والفقيرة، والتي صارت أصغر وأضعف مما كانت عليه قبل الحرب العالمية الأولى.

وعندما أدرك الصرب أنهم قد خُدِعوا، كان ذلك بعد فوات الأوان، قد دُمِّرت البلاد بالفعل، وتمكن سلوبودان ميلوسيفيتش من الاستمرار في السلطة، حتى نهاية عام 2000، بفضل سيطرته على وسائل الإعلام والشرطة، وإثراء عائلته ومعارفه من المتطفلين -طوال الطريق. ويبدو أن تسليمه في نهاية المطاف إلى لاهاي لمواجهة العدالة، غير كافٍ مقارنةً بالدمار الذي خلّفه سلوبودان ميلوسيفيتش في أعقابه.

يمكنك فهم ظهور دونالد ترامب الملحوظ، في عامي 2015-2016، ببساطةٍ عن طريق استبدال (القومية الصربية) بـ(القومية البيضاء)، أوجه التشابه غريبةٌ ومثيرةٌ للقلق. لم يُبِد ترامب أبدًا أدنى اهتمام بمحنة الطبقة العاملة البيضاء بينما شيّد إمبراطوريته المذهلة من المنتجعات الترفيهية والكازينوهات، وفجأةً أعاد تقديم نفسه على أنه بطلهم. وذلك عن طريق إخبار الناس الغاضبين والمستبعدين ما أرادوا سماعه فقط، وأنشأ ترامب حركةً سياسيةً بين عشية وضحاها، وبشكلٍ غامض، توجه بها مباشرةً إلى البيت الأبيض.

اقرأ/ي أيضًا: حلفاء الأمس أعداء اليوم.. 5 أسباب وراء انقلاب رجال الأعمال على ترامب

والآن، بعد أن أصبح هناك بالفعل، فشل الرئيس ترامب في الوفاء بوعوده المبالغ فيها لمؤيديه. وأصبحت هتافات (بناء الجدار) في خانة الصمت؛ للحفاظ على التركيبة السكانية الحالية في أمريكا، في حين تبين أن شعبية ترامب في الواقع تعني حكومة مُكوَّنة من أعضاء سابقين في شركة غولدمان ساكس، والتخفيضات الضريبية للأغنياء. وفي هذه المرحلة، يبدو أن تلاعُب ترامب بالقومية البيضاء، مخادع بشكلٍ مثير للسخرية كما فعل ميلوسيفيتش بالقومية الصربية.

وحتى الآن، وبطبيعة الحال، تجنبت الولايات المتحدة مصير يوغوسلافيا. فهي بلدٌ أكبر وأكثر ثراءً، وعلى الرغم من جميع المشاكل الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد، فهو أقل اضطرابًا بكثير مما كانت عليه يوغوسلافيا في الثمانينيات. هذه هي الأخبار السارة. وأما الأخبار السيئة، فهي أن دونالد ترامب قد فتح نفس المصدر من (ديدان) النزعات القومية العرقية، تمامًا كما فعل سلوبودان ميلوسيفيتش، وإذا استمر في إثارة تلك الصراعات بينما لا يفعل شيئًا لمؤيديه الغاضبين والمستبعدين، فإن أمريكا يمكن أن ينتهي بها الأمر إلى مصير يشبه يوغوسلافيا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

داعشية جديدة يقودها ترامب

سنة أولى ترامب.. كشف حساب للعام الأول من حكم الرئيس "النكتة الهزلية"