ترامب.. النسخة الأكثر فشلًا من نيكسون

ترامب.. النسخة الأكثر فشلًا من نيكسون

يواجه ترامب اتهامات بتسريب معلومات سرية لروسيا (Getty)

نشرت مجلة الإيكونوميست، مقالًا تحت عنوان "ترامب في مواجهة القانون"، قالت فيه إنه في 17 أيار/مايو الجاري، "مارست وزارة العدل حقها في تعيين محقق مستقل" فيما يخص قضية تعاون إدارة ترامب مع روسيا، لينتقل بذلك ملف القضية بأكمله إلى هذا المحقق وهو روبرت مولر، والذي كان مديرًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، واصفًا المقال تعيين محقق مستقل في القضية، بـ"الضربة الرهيبة" للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد ذكرت أن ترامب نصح مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، بإقالة مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، لإجرائه محادثات سرية مع السفير الروسي، والتي أنكر ترامب أن يكون على علاقة بها، وبذلك فإن ترامب سعى إلى "التخلص من القمامة"، بتعبير الإيكونوميست.

سعى ترامب إلى التخلص من كل الأدلة التي قد تورطه، بما في ذلك التخلص من رجاله مثل مايكل فلين

وأدار روبرت مولر مكتب الـ"إف بي آي" على مدار 12 عامًا، إذ كان قد عيّنه جورج بوش الابن، وأبقى عليه باراك أوباما. وفي إطار التحقيق سيكون لروبرت مولر مطلق الحرية في التعامل، وستتوفّر له كل التسهيلات اللازمة. ومن الناحية النظرية، فيفترض به أن يكون مسؤولًا أمام النائب العام جيف سيسيونس، ولكن الحقيقة أن سيسيونس اعتذر عن ممارسة أي دور متعلق بالتحقيق في هذه القضية، وذلك بعد أن كُشف صمته "الغريب" عن لقاءات أجراها هو الآخر مع نفس الدبلوماسي الروسي، سيرجي كيسلياك، لذا فإن تعيين روبرت مولر لم يكن من طرف جيف سيسيونس المحسوب على ترامب، وإنما من طرف نائبه رود روزنشتاين.

العود الأبدي.. من نيكسون إلى ترامب

كثيرًا ما قورنت رحلة ترامب إلى المنطقة العربية، وتحديدًا المملكة العربية السعودية، برحلة ريتشارد نيكسون من قبله والتي تزامنت حينها مع التحقيقات في فضيحة "ووترغيت". ولكن بنفس المقارنة تكشف لنا دروس التاريخ أن استخدام الرحلات الدولية للتغطية على التحقيقات الوطنية الداخلية أمرٌ غير مجدٍ، فعندما ذهب ريتشارد نيكسون إلى السعودية وإسرائيل في حزيران/يونيو 1974 لتغيير الرأي العام المحلي، ولتحقيق انتصار دولي، فشل بشكل كبير، واستقال أو أُقيل بعد شهر واحد.

اقرأ/ي أيضًا: الهجوم خير وسيلة للدفاع عند ترامب!

كانت رحلة نيكسون إلى الشرق الأوسط آنذاك رحلة الرجل القوي دوليًا، الذي أحرز تقدمًا جيدًا مع الاتحاد السوفيتي في ملف الأسلحة النووية، بعد أن صادقت بلاده والاتحاد السوفيتي على معاهدة للحد من الأسلحة الإستراتيجية ومعاهدة الصواريخ المضادة للباليستية. وبالتزامن مع الزيارة إلى المنطقة العربية، صرّح رئيس الاتحاد السوفيتي ليونيد بريجنيف باستعداد بلاده توقيع حظر على التجارب النووية السرية.

تزامن ذلك أيضًا مع انتهاء حرب تشرين الثاني/أكتوبر 1973، واجتياز الولايات المتحدة لحظر النفط العربي عليها، ليعزز نيكسون من موقف إدارة بلاده في المنطقة، مقابل تقليص دور السوفييت فيها. وفي مصر استقبل من قبل السلطات آنذاك استقبال الأبطال، وهناك انتهى إلى توقيع اتفاق يقلل من اعتماد مصر على موسكو، وفي السعودية كان ضيفًا مُرحبًا به على مأدبة فخمة أُقيمت على شرفه.

إذن، كان واضحًا أن نيكسون يستخدم السياسة الخارجية للتغطية على فضائحه في الداخل الأمريكي، والضغط على الحركة المناهضة لحرب فيتنام، التي كانت تكتسب زخمًا كبيرًا على الأرض. وبحسب مقال في صحيفة نيويورك تايمز، فإنّ ترامب يحاول اللعب بنفس طريقة نيكسون، بمحاولة أن تطغى السياسة الخارجية وإنجازاته بها على فضائحه الوطنية، ولكن "إذا كان ثمّة شيء يجب تعلمه من التاريخ، فهو أن الناخبين في الولايات المتحدة، يهتمون أولًا وقبل كل شيء بالسياسة الداخلية، وأن الجولات الخارجية، بما فيها الناجحة، لا تحل المشاكل الداخلية" على حد تعبير الصحيفة الأمريكية.

هل يتكرر سيناريو نيكسون تمامًا مع ترامب؟ (Getty)
هل يتكرر سيناريو نيكسون تمامًا مع ترامب؟ (Getty)

على جانب آخر، وفي نفس سياق التشابه بين قصة ترامب وقصة نيكسون، كلّ في فضيحته، فقد أشارت صحيفة الغارديان البريطانية إلى أنّه كما كان هناك دليل قاطع على تورط نيكسون، وهو شريط التسجيل الذي يكشف أوامر نيكسون لمكتب التحقيقات الفيدرالي باقتحام مكاتب الحزب الديمقراطي داخل مبنى ووترغيت؛ فإنّ على ترامب دليلًا قاطعًا أيضًا، ليست فقط المحادثات المسجلة التي ألمح ترامب إلى أنها موجودة بالفعل، ولكن المحادثات التي سجّلها جيمس كومي بعد لقائه ترامب في شباط/فبراير الماضي، وفقًا لما أشارت إليه العديد من الأنباء، والتي يُرجّح أنها تحتوي بيت القصيد الذي قد يُلقي بترامب خارج البيت الأبيض.

اقرأ/ي أيضًا: كيف يتحدى الموظفون الفيدراليون إدارة ترامب؟

من جهة أُخرى، أشارت الغارديان إلى دور وسائل الإعلام في كل من قضيتي ترامب ونيكسون، ففيما يخص نيكسون فقد أوقعه تحقيق أجرته صحيفة واشنطن بوست، وفيما يخص ترامب فإن صحفًا أمريكية تتنافس على دفق التسريبات التي وصفتها الغارديان بـ"المدمرة" من داخل الإدارة الأمريكية.

من جهة مجلس الشيوخ، فلا يبدو أن تأييده لترامب سيُؤثر كثيرًا على حرج موقفه، فما حدث مع نيكسون أنه مع اقتراب نهايته وخروجه من البيت الأبيض، كان لا يزال يحظى بـ76% من التأييد في مجلس الشيوخ، وترامب الآن يتمتع بتأييد 84%، ولكن بالتجربة قد لا يفرق الأمر كثيرًا.

هل سيكمل ترامب مدته؟

صحيفة "ذا صن" الأمريكية كانت أكثر حزمًا في تناولها للقضية برمتها، حين خصصت مقالًا عن الخطوات الدستورية والقانونية لسقوط ترامب، مشيرة إلى أن الدستور الأمريكي ينص على أنه تجب إقالة الرئيس من منصبه عند اتهامه بالضلوع في الخيانة أو الرشوة أو غيرها من الجرائم والجنح، مُوضحةً أن العملية تبدأ من عند مجلس النواب، الذي يحتاج إلى أغلبية بسيطة لتمرير تصويت بإدانة الرئيس، مع العلم بأن مجلس النواب الحالي تسيطر عليه أغلبية الحزب الجمهوري، ومع العلم أيضًا بأنّ الإدانة قد لا تعني العزل من المنصب، وإنما هي بمثابة بيانٍ قانوني بالتهم.

بدورها قالت الغارديان إن ما حدث مع نيكسون على مدار خمس سنوات بالتحقيقات، لم يستغرق مع ترامب سوى أربعة أشهر، مرجعةً ذلك إلى "ضيق أفق ترامب"، ومشيرة إلى أنّ العديد يصفونه بـ"الكارثة الوطنية"، معتقدين أن عزله من منصبه ليس إلا مسألة وقت، بخاصة بعد إشراف مولر على سير التحقيقات، وهو الرجل الذي يتسم بالصرامة، وبخاصة أيضًا وأن أخطاء ترامب تتراكم، والتي من بينها تعيينه لمايكل فلين رغم تحذيرات أوباما له ومن ورائه النائبة العامة سالي ييتس، ورغم أنّ فلين نفسه كان لا يزال قيد التحقيق الجنائي!

الترامبية العالمية

لا يمكن القول إن نجاح ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض كان بمثابة "ثورة"، رغم أن خطابه تبنى تمردًا شاملًا على ما يمكن تسميته بالثوابت الوطنية الأمريكية، فالرجل نجح بحصوله على ما يكفي من أصوات لتذليل طريقه إلى البيت الأبيض في الولايات الرئيسية، وكان نجاحه صفعة كبرى لعجرفة النخبة السياسية الأمريكية، كما مثّل خطابه تراجعًا عن أفكار أساسية في صلب العقيدة السياسية الأمريكية عن الحريات المدنية وحقوق الإنسان والمساواة والمواطنة وما إلى ذلك.

استطاع ترامب أن ينتزع شرعية لخطاب الكراهية والاستقطاب من مرارة الظرف التاريخي الصعب اقتصاديًا وسياسيًا

ما حدث أنّ ترامب استطاع انتزاع شرعية لخطاب الكراهية والعنصرية والاستقطاب، من رحم اللحظة التاريخية الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي ومن بعده السياسة، والتي جعلت كثيرًا من الأمريكيين يُوجّهون اللوم للسياسيين التقليديين وللمهاجرين ولكل من يمكن إلقاء اللوم عليه. كل هذا جعل من ترامب فكرة تحوّلت إلى تيّار عالمي يتبنى الشوفينية والشعبوية ويوظفها ويتباهى بها ويفرض شرعيتها على السياسة الداخلية وكذا الخارجية حول العالم.

اقرأ/ي أيضًا: داعشية جديدة يقودها ترامب

و يبدو أن الصعود والهبوط في سياساته الداخلية والخارجية أصبح خاضعًا تمامًا لسياسات رجال الأعمال التي تغيّر المبادئ وفقًا لمقاييس الربح والخسارة، فالعالم اليوم يتطلع إلى ما ستنتج عنه زيارته إلى السعودية، فبعد أن كان خطابه معاديًا للمسلمين، تابعًا ذلك بقرارت حظر دخول أمريكا، نراه اليوم في السعودية بما لها من ثقل روحي في العالم الإسلامي، كأولى محطاته الخارجية، ليلقي خطابًا عن التعاون في مواجهة الإرهاب الذي كان يلصقه بالمسلمين!

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ما الذي يعنيه فوز ترامب للشرق الأوسط؟

ترامب الواضح.. ترامب الجميل