هل يعيد داعش بناء نفسه بعد إعلان روسيا

هل يعيد داعش بناء نفسه بعد إعلان روسيا "المضلل" الانسحاب من سوريا؟

يُحتمل أن يستغل داعش الانسحاب الروسي من سوريا لإعادة تنظيم نفسه (CNN)

في الوقت الذي أعلنت قيادة الأركان بالجيش الروسي قضاءها على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، وكشفت الولايات المتحدة عن عدم رغبتها في سحب جنودها من المناطق المتواجدة فيها شرق وجنوب سوريا، كي تضمن عدم عودة مقاتلي التنظيم مرة أخرى حسب زعمها؛ يسعى ما تبقى من مقاتلي التنظيم للسيطرة على مناطق جديدة قرب الحدود الإدراية لمحافظة إدلب مع ريف حماة الشرقي، والوصول إلى داخل المحافظة التي لا يملك فيها التنظيم أي تواجد منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات.

زعمت روسيا بإعلان مُضلل، قضاءها على داعش بشكل كامل في سوريا، متجاهلة تواجده بشكل منظم في منطقتين على الأقل

داعش.. فرضيات النهاية المضللة

ومنتصف الأسبوع الماضي أعلن رئيس إدارة العمليات بقيادة الأركان العامة الروسية، سيرغي رودسكوي، خلال مؤتمر صحفي، قضاء بلاده على تنظيم داعش في كافة الأراضي السورية، وهو ما يمثل تضليلًا للدور الروسي في سوريا الداعم لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بعدما ساعدت موسكو منذ مطلع عام 2016 باستعادة النظام السوري لغالبية المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية المنضوية ضمن مكونات الجيش السوري الحر.

اقرأ/ي أيضًا: روسيا تقتل القتيل وتمشي في جنازته

وتجاهل إعلان موسكو الزاعم القضاء على التنظيم المتشدد، أن الأخير لا يزال يملك تواجدًا منظمًا في منطقتين على الأقل، هما مخيم اليرموك والمناطق المحاذية له جنوب العاصمة دمشق، ويبعد عن أقرب منطقة تتواجد فيها قوات النظام والمليشيات الأجنبية الداعمة لها ما لا يزيد عن خمسة كيلومترات، بالإضافة لما يملكه من تواجد في منطقة حوض اليرموك قرب الحدود الأردنية جنوب سوريا.

كذلك فإن مقاتلي داعش لا يزالون يقاتلون في شرق سوريا قرب مدينة الميادين بريف دير الزور، فضلًا عن المعارك الدائرة ضد هيئة تحرير الشام (هتش) في شرق حماة، وفق ما تشير الخارطة العسكرية المخصصة للحرب السورية (Syria Live Map) فيما يتعلق بالنفوذ والقوى المسيطرة على الأرض، حيثُ تزيد النسبة التي يسيطر عليها التنظيم عن 2% من المساحة الكاملة لخريطة سوريا.

المناطق باللون الأسود هي التي لا يزال يسيطر عليها عناصر داعش
المناطق باللون الأسود هي التي لا يزال يسيطر عليها عناصر داعش

ويوم الأربعاء الماضي، قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، إن واشنطن لديها نحو ألفي جندي يتواجدون داخل الأراضي السورية. وبحسب إريك باهون، المتحدث باسم البنتاغون، فإن بلاده ستحافظ على التزاماتها على الأرض حتى تتأكد من منع عودة مقاتلي التنظيم إلى سوريا، في الوقت الذي لا يزال الغموض يلف مصير زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي المتواري عن الأنظار، رغم انحسار مناطق التنظيم لجيوب صغيرة محاصرة من كافة الاتجاهات.

هل يعود داعش إلى إدلب؟

وقبيل إعلان ما أسماها بـ"دولة الخلافة الإسلامية"، حاول التنظيم المتشدد التوسع في الأشهر الأخيرة من عام 2013 في ريف إدلب، غير أن فصائل المعارضة تمكنت من إجباره على الانسحاب من تلك المناطق. وفي كانون الثاني/يناير 2014، بسطت فصائل المعارضة سيطرتها على بلدة الدانا، أبرز معاقله في تلك الفترة. ومع نهاية الشهر عينه أعلنت المعارضة السورية أن ريف إدلب خالية من أي تواجد لمقاتلي التنظيم.

وشنت هتش الشهر الماضي هجومًا عنيفًا استهدف الجيوب المتبقية لتنظيم الدولة في ريف حماة الشرقي منطلقة من مواقع تمركزها في ريف إدلب، واستطاعت أن تسيطر على عشرات القرى، قبل أن ينفذ مقاتلي التنظيم هجومًا معاكسًا تمكن خلاله من استعادة السيطرة على معظم القرى التي فقدها، وتوضح الخارطة العسكرية حتى لحظة التقرير عينه أن داعش بالتوازي مع تقدم قوات النظام أصبحا على تخوم الحدود الإدارية لمحافظة إدلب، إن لم يكن داخلها.

واللافت في تقدم مقاتلي داعش خلال الفترة الأخيرة، أنه لم يكن يملك تواجدًا عسكريًا في محافظة إدلب خلال السنوات الثلاث الماضية بشكل فعلي، لكنه في مقابل ذلك اعتمد على مجموعات من الخلايا الكامنة المتفرقة، التي شاركت بتنفيذ عشرات التفجيرات عبر زرع عبوات ناسفة في مختلف بلدات إدلب. وكانت هتش وحركة أحرار الشام الإسلامية، قد شنتا بشكل منفصل في تموز/يوليو الماضي، حملات مداهمة ألقوا فيها لقبض على أكثر 10 خلايا لداعش، من بينها قياديون ينظمون عمل الخلايا على الأرض.

هل يخلط داعش الأوراق في محافظة إدلب؟

ومثل أول أمس الإثنين، تبدلًا في الموقف الروسي من الأزمة السورية الراهنة، بإعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إبان زيارته الخاطفة لقاعدة حميميم الجوية غرب سوريا التي التقى فيها رئيس النظام السوري بشار الأسد، أنه سيبدأ بسحب مقاتليه من أماكن تمركزهم الحالية إلى نقاط المراقبة الدائمة، إلا أن الشمال السوري بشكل عام لا يزال يلفه الغموض نتيجة التطورات الأخيرة المصحابة للعلميات العسكرية على الأرض.

يمثل إعلان روسيا سحب قواتها من سوريا تبدلًا في موقفها، لولا أنه يُحتمل أن يكون إعلانًا "غير واقعي" كما وصفه وزير الخارجية التركي

ويُشار إلى أنّه خلال هذه الزيارة، تعرض الأسد لموقف مُهين على يد ضباط روس، بعد أن منعوه بشده من ذراعه، من اللحاق ببوتين.

ومحافظة إدلب هي واحدة من المناطق الخمس التي اتفقت الدول الضامنة في أيار/مايو الماضي، على إدراجها ضمن مذكرة مناطق "تخفيف التصعيد"، رغم أن كافة التقارير أكدت عدم التزام النظام السوري بما أفضت إليه المذكرة في البند المتعلق بوقف إطلاق النار في كافة المناطق المحددة على الخارطة العسكرية، وقد يستغل النظام البند الذي يتضمن عدم شمل المناطق التي يتواجد فيها هتش تنظيم الدولة، رغم أن مناطق سيطرة الأخير جنوب دمشق لا تخضع لأي تصعيد عسكري.

اقرأ/ي أيضًا: هل انسحبت روسيا من سوريا؟

وفي سياق المعاركة العنيفة التي تشهدها مدن وبلدات ريف إدلب وحماة، كشف موقع الدرر الشامية المقرب من الفصائل الإسلامية في سوريا، عن اجتماع موسع عقد الإثنين، ضم الشرعيين عبد الله المحيسني ومصلح العلياني، إلى جانب قادة هتش وأحرار الشام وحركة نور الدين الزنكي وجيش الأحرار، والفصائل الثلاثة الأخيرة معروف أن لديها خلافات حادة مع هتش نتيجة المعارك التي بدأتها هتش مطلع تموز/يوليو ضد أحرار الشام.

وأشار الموقع إلى أن المجتمعين اتفقوا على مجموعة من النقاط أبرزها: "تشكيل غرفة عمليات مشتركة (إعادة تفعيل جيش الفتح مرحلة أولية)، وإنهاء ملف قضية الزنكي الأخيرة مع هتش، وإطلاق المعتقلين بين الفصائل، وأن تقوم هتش برد الحقوق لفصيلي أحرار الشام وجيش الأحرار على مراحل"، وهو ما يدل على خطورة الوضع العسكري في المنطقة، وسط معلومات عن وصول قوات النظام إلى داخل الحدود الإدارية في محافظة إدلب.

وتحدثت وسائل إعلام متعددة مطلع الشهر الجاري، عن أن عددًا كبيرًا من مقاتلي "لواء الأقصى" المشكل من تنظيم "جند الأقصى" المنحل، التحقوا بمقاتلي داعش في ريف حماة، بحسب ما أورد موقع المدن الإلكتروني

وكان تنظيم الأقصى ينشط بشكل فاعل في ريف حماة الشرقي قبل أن يبرم تسوية مع هتش في شباط/فبراير الماضي، خرج بموجبها نحو 200 مقاتل إلى مدينة الرقة، أبرز معاقل التنظيم التي فقدها الشهر الماضي، فيما بايع ما تبقى من مقاتلين هتش.

وقد يكون إعلان بوتين انسحاب القوات الروسية مجرد تضليل لمقاتلي المعارضة، حيث إن مذكرة "تخفيف التصعيد"، تشير إلى أنّ انتشار القوات الروسية في نطاق المراقبة التي تتضمنها الحدود الإدارية لمحافظة إدلب، حيثُ وصف وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو قرار موسكو بسحب مقاتليها من سوريا بأنه "ليس واقعيًا"، مستذكرًا بذلك سحبها في فترات سابقة لجنودها لكن "مع احتدام الاشتباكات أرسلت جنودًا بأعداد أكبر".

كما أن التقدم المشترك بين مقاتلي داعش وقوات الأسد من منطقتين متوازيتين بشكل منفصل، يدل على أن المنطقة مقبلة على مرحلة تصعيد عسكري لن تستطيع فصائل المعارضة التصدي لها، إلا إذا أعادت تنظيم صفوفها بتشكيل موحد ضمن غرفة عمليات مشتركة.

من المُحتمل أن يستغل داعش تقدّم نظام الأسد، ليعيد تنظيم صفوفه، وفي حال أُخرى ليؤسس أوكارًا تُسهّل عليه التواري عن الأنظار

وبالتالي فإن محافظة إدلب لا تزال بعيدة عن وجود أي حل ينجيها من عملية عسكرية قد تكون مشابهة لما تعرضته أحياء حلب الشرقية في مثل هذا التوقيت من العام الماضي، وسط تقهقر فصائل المعارضة نتيجة الخلافات التي تصاعدت حدتها فيما بينها منذ استعادة النظام السوري لأحياء حلب، ومن هذا المنطلق فإن داعش من المتوقع أن يستفيد من تقدم النظام لإعادة تنظيم صفوفه في المنطقة، وفي حال أخرى أن يؤسس لأوكار تسهل عليه التواري عن الأنظار، ريثما يعيد تنظيم صفوفه على غرار ما فعل بين عامي 2008 و2011 في العراق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصة داعش.. "تمدد" سريع وانحسار مُكلف و"بقاءٌ" محتمل

داعش من "الدولة" إلى العصابة.. انحسارٌ مركزي وتمدد شبكي