من هي أليس فايدل.. الخبيرة المثلية التي قادت اليمين المتطرف الألماني للنصر؟

من هي أليس فايدل.. الخبيرة المثلية التي قادت اليمين المتطرف الألماني للنصر؟

أليس فايدل، المرشحة الرئيسية لحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف (توماس تروتشيل/ Getty)

متزوجة من سيدة اُخرى من أصول سيريلانكية، لكنها تكره المهاجرين واللاجئين وتصفهم بـ"المجرمين"، وتستخدم في بيتها لاجئة سورية بشكل غير قانوني! إنها أليس فايدل، الوجه الجديد على الساحة السياسية الألمانية، التي استطاعت قيادة حزبها اليميني المتطرف "البديل من أجل ألمانيا"، لفوز جزئي في الانتخابات الألمانية الأخيرة.

ونشرت مجلة فورين بوليسي مقالًا عن أليس فايدل وحزبها، الذي حقق نجاحًا يُعد غير مسبوق لحزب يميني متطرف في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، ننقله لكم مترجمًا بتصرف.


عادت الشعبوية المعادية للأجانب إلى السياسة الوطنية الألمانية بصورة صادمة، وهذه المرة في صورة أليس فايدل، خبيرة الاقتصاد في مجال الاستثمار المصرفي، والبالغة من العمر 38 عامًا. 

استطاعت خبيرة الاقتصاد الألمانية، أليس فايدل، قيادة حزبها اليميني المتطرف لتحقيق نجاح غير مسبوق في الانتخابات الألمانية الأخيرة

وأليس فايدل هي الشخصية غير العادية التي جاءت كرمز للحزب اليميني المتطرف "البديل من أجل ألمانيا"، في سباقه إلى البوندستاغ (البرلمان الألماني)، محققًا حزبها نسبة 13.3% في الانتخابات الأخيرة، ليكون أول حزب يميني شوفيني صريح، يستحوذ على مقاعد في المؤسسة الديموقراطية الأهم في ألمانيا، منذ سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وإذا دخل الحزب الديمقراطي الاشتراكي في "تحالف كبير" آخر مع الديمقراطيين المسيحيين، حزب ميركل، فسيصبح حزب البديل من أجل ألمانيا أكبر قوة معارضة في البوندستاغ بأكثر من 60 مقعدًا.

اقرأ/ي أيضًا: ميركل مستشارة ألمانيا للمرة الرابعة.. فوز ناقص وتحديات صعبة

حتى الآن، كانت ألمانيا إحدى البلدان القليلة جدًا في أوروبا، التي لم تُمثل هذه العينة في مجلسها التشريعي الوطني. وعلى الرغم من الفروق الدقيقة، فإن اليمين المتطرف على مستوى أوروبا، مثل حزب البديل، يفاخر بأصوله المناهضة للهجرة والمعادية للمهاجرين والمعارضة للاتحاد الأوروبي. 

ومثل هذه الأحزاب تشكل -بأعداد أكبر من أي وقت مضى- تهديدًا حقيقيًا للتوافق الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب، بل تشكل حاليًا تهديدًا للنظام البرلماني في البوندستاغ الألماني. وبالنظر لحجم انتصارهم، يجب على ميركل نفسها أن تتحمل الكثير من اللوم بسبب رفضها التطرق لقضية الهجرة أثناء الحملة، فقد تركت بذلك المجال مفتوحًا أمام حزب البديل من أجل ألمانيا.

ويدين حزب البديل بنجاحه جزئيًا لأليس فايدل، ممثلته غير المتوقعة. فلم تكن أليس فايدل معروفة تمامًا في ألمانيا حتى دُفع بها هي وألكسندر غولاند، لقيادة الحملة الوطنية للحزب. شخصية غولاند تناسب خط الحزب بصورة أكبر، لكن أليس فايدل -المستشارة المالية الناجحة الواثقة من نفسها، التي تبدو ظاهريًا من ذلك النوع من "العولميين" الذين يحتقرهم الشعبويون- هي التي حصلت على شعبية أكبر. ولكن ليس من قبيل المصادفة أنها ظلت مفضلة داخل حزبها.

فايدل.. ممثلة غير متوقعة لحزبٍ يميني متطرف

نشأت أليس فايدل وتعلمت في ألمانيا الغربية، وبعد التخرج من الجامعة، عاشت في الصين لمدة عام، وعملت في بنك الصين، وتعلمت الصينية أيضًا. وبعد فترة وجيزة من العمل في غولدمان ساكس في فرانكفورت، حصلت على درجة الدكتوراه في الاقتصاد بمنحة من مؤسسة الديمقراطيين المسيحيين، "كونراد أديناور ستيفتنغ". ومن هناك، أمضت وقتًا في العمل داخل القطاع الخاص، بما في ذلك في "روكيت إنترنت"، وانضمت أليس فايدل لحزب البديل من أجل ألمانيا في عام 2013، وهي السنة التي تأسس فيها الحزب.

ليس حزب البديل من أجل ألمانيا هو حزب السماسرة النيوليبراليين، ولا المستشارين المتأنقين، فناخبوه هم بأغلبية ساحقة من الرجال، وأعمارهم أكبر من 30 عامًا، كما أنهم متعلمون ومتوسطو الدخل. وتتركز معاقله في الولايات الشرقية، وليس في العاصمة المالية الغربية فرانكفورت. مع ذلك لم تحاول أليس فايدل أبدًا إخفاء الجوانب المتناقضة من سيرتها الذاتية.

عندما انضمت أليس فايدل لأول مرة إلى الحزب، كان ذلك بسبب معارضتها الشديدة للاتحاد الأوروبي. في ذلك الوقت، لم يكن التركيز المبكر لما كان يسمى بـ"حزب الأساتذة" على معارضة الهجرة، بل على إنفاق ألمانيا المليارات لإنقاذ دول أوروبا الجنوبية الممزقة بالديون، وكانت أليس فايدل من تدير ملفات "اليورو والعملة" في الحزب الجديد.

وخاض حزب البديل من أجل ألمانيا انتخابات البرلمان الأوروبي في عام 2014. وبعد عام، بدأ مسيرته في الهيئات التشريعية الإقليمية في ألمانيا، أولًا في الولايات الشرقية ما بعد الشيوعية، ثم في الغرب. ولديه الآن نواب في 13 من أصل 16 ولاية فيدرالية ألمانية، حيث حصل على ما يقرب من 23% من الأصوات، في ولايات مثل سكسونيا أنهالت، ولكن في الطرف الأدنى في شليسفيغ هولشتاين وسارلاند حصل على 6% فقط. 

لدى فايدل آراء متطرفة بخصوص اللاجئين والمهاجرين الذين تصفهم بـ"المجرمين"، وتطالب بإنشاء سجون لهم في شمال أفريقيا

ولدى بعض نواب الحزب ميول متطرفة، أو حتى نازية، ولكنهم ليسوا أغلبية. ويُعد المواطن العادي هو العمود الفقري لحزب البديل من أجل ألمانيا، وهم غير الناخبين والمنشقون عن الأحزاب الرئيسية، حتى اليسارية منها.

اقرأ/ي أيضًا: الانتخابات الألمانية القادمة.. اللعبة حول اللاجئين

وبسبب ماضيها الذي لا يغيب عن الأذهان، تنتاب ألمانيا مخاوف عميقة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالتطرف اليميني، ولذلك استغرق وصول الحزب إلى البوندستاغ وقتًا طويلًا نسبيًا. في الواقع، كانت إحدى المتطلبات الأساسية لنجاح هذا الحزب في ألمانيا، هو دقته في تحدي فئة النازيين الجدد، والظهور، بدلًا من ذلك، بصورة الشعبوية المهذبة، وذلك بفضل أمثال أليس فايدل.

"الهجرة".. العمود الفقري لحزب البديل

وانطلقت أهداف الفكرة الأحادية الأساسية لحزب البديل من أجل ألمانيا، عندما تفجرت أزمة اللاجئين عام 2015، والتي تمكن خلالها قرابة مليون لاجئ من دخول الأراضي الألمانية، وهو ما استغلته أليس فايدل بانتهازية شديدة في تحركاتها داخل حزب البديل من أجل ألمانيا، فتلك الشخصية التي يتذكرها أصدقاء دراستها الجامعية بالتفتح والولع بالمطبخ التركي، بركب معاداة المهاجرين. 

وقد أصبح أهم موضوع على رأس أولويات حزب البديل من أجل ألمانيا، هو موضوع الهجرة، إذ لم تترك أليس فايدل ولا رفاقها فرصة في التجمعات الانتخابية أو البرامج الحوارية، إلا انتهزتها، ولم تغب عنها. تقول فايدل، إن ألمانيا "أصبحت ملاذًا آمنًا للمجرمين الأجانب"، وعلى وجه التحديد، المجرمين الإسلاميين. 

كما أنها تنادي بإقامة سجون في شمال أفريقيا يُلقى فيها من تسميهم "المجرمون القادمون من هذه البلدان"، وتطالب أيضًا بتخفيض مستوى الحريات المدنية للمهاجرين المُتهمين بارتكاب جرائم، وانسحاب ألمانيا من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، بالإضافة إلى حظر بناء المآذن في جميع أنحاء ألمانيا، ومنع ارتداء النساء المسلمات للأوشحة وأغطية الرأس في مقرات المصالح العامة الألمانية، إذ ترى فايدل، التي تنادي بإلغاء قانون اللجوء الحالي، أن "أزمة اللاجئين لم تنته بعد". 

وعلى كل حال، فهذه هي نفس مطالب حزب البديل من أجل ألمانيا، بزعم أن هذه المشكلة نتاج للإفراط في التعويضات التي قدمتها ألمانيا بسبب جرائم الحقبة النازية. بعبارة أخرى، تقول أليس فايدل إنها تتوقع "هجومًا جماعيًا على أوروبا وألمانيا".

ويبدو أن هذا النوع من الخطابات المعادية للأجانب، كاف لإكسابها شعبية جيدة. فحزب البديل من أجل ألمانيا لم يُنبذ على المستوى الشعبي كما نُبذت الأحزاب الشعبوية في البلدان الأوروبية الأخرى، بسبب خلفية أليس فايدل المصرفية. فمن خلال أي مزايدة على الطبقة العاملة الألمانية ذات العقلية المحافظة، تظهر فايدل بثبات وبثقة تامة.

مثلية وتستخدم لاجئة سورية بشكل غير قانوني!

وهناك أيضًا تناقض مُحير يشير إلى جانب آخر من سيرة أليس فايدل الشخصية، وهو زواجها القانوني العلني من امرأة أخرى، وهي مصورة أفلام سويسرية تفتخر بأصولها السنهالية (عرقية هندوأوروبية)، واللتين تبنتا صبيين يعيشان في قرية تطل على بحيرة كونستانس في سويسرا. ويبدو أنهما استأجرتا سيدة لاجئة سورية بشكل غير قانوني للقيام بأعمال النظافة.

المثير للاهتمام أنه مع مثلية أليس فايدل، لو كان حزبها في البرلمان وقت التصويت على قانون يسمح بزواج المثليين، لصوّت ضده!

الزوجتان شريكتان قانونيًا، إلا أنهما ليستا متزوجتين، وهو أمر غير قانوني في ألمانيا حتى هذا الصيف. ولو كان حزب البديل من أجل ألمانيا داخل البوندستاغ حينئذ، لكان قد صوّت ضد هذا القانون، انطلاقًا من برنامجه الذي يدعم الأسرة التقليدية. فعندما وافق المشرعون على هذا القانون، لم تمتعض أليس فايدل، لكنها لم تبتهج أيضًا. وقالت آنذاك: "كما لو كان زواج المثليين هو أكبر مشاكل ألمانيا الآن!"، مُضيفةً أن "الائتلاف العظيم يدعم تشريع الزواج للجميع، بينما أعداد الهجرة الجماعية التي اجتاحت البلاد خلال العامين الماضيين تعتبر المثلية الجنسية جريمة".

اقرأ/ي أيضًا: مشروع ليلى يعيد جدل المثلية في القاهرة.. لماذا يكرهون "مجتمع الميم"؟

وتقول أليس فايدل إن كونها مثلية، لا يتعارض مع برنامج حزب البديل من أجل ألمانيا، والذي لم يسترسل في الحديث عن الحياة الجنسية، لكنه أثنى على تكوين العائلات التقليدية. وتؤكد أليس فايدل أنها لم تكن يومًا ما أداة استقطاب داخل حزب البديل من أجل ألمانيا، على الرغم مما تروجه وسائل الإعلام الألمانية عن استنكار حزب البديل من أجل ألمانيا للمثلية الجنسية. ففي الهيئة التشريعية لإقليم ساكسونيا أنهالت، قاطع أندرياس غيلمان، أحد أعضاء حزب البديل من أجل ألمانيا، أحد المتحدثين الذين يستنكرون حظر بعض البلدان للمثلية الجنسية، من خلال صراخه قائلًا: "يجب أن نفعل ذلك في ألمانيا أيضًا"، وكان رد أليس فايدل على غيلمان والآخرين مقتضبًا، قائلةً: "لن يكون هناك أطفال".

إثارة منتظرة في البوندستاغ

وبما أنه ليس ثمة أي حزب ألماني على استعداد للتعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا، فإن دوره في البوندستاغ سوف يقتصر على المعارضة الصريحة. وهو ما من شأنه أن يجعل البرلمان أكثر صخبًا وحدةً من أي وقت مضى، وهو أيضًا ما قد يحول بعض الاهتمام إلى اليمين، وربما تكتسب التوجهات المتطرفة لحزب البديل من أجل ألمانيا من خلال ذلك بعض التقدير، وهو ما يتطلعون إليه.

سوف يعكس سلوك حزب البديل من أجل ألمانيا داخل البوندستاغ، أسلوب تعامله في الهيئات التشريعية الإقليمية لألمانيا. لكن الحزب قد أظهر وجهين مختلفين، أحدهما لين نسبيًا، والآخر حاد جدًا. ويبدو أن أكثر هذه الوجوه تطرفًا يقبع في معقل الحزب في ساكسونيا أنهالت. فقد تصدر أكثر المتشددين الشوفينيين تطرفًا للمشهد من خلال استراتيجيات عدوانية ضد المهاجرين، تعبر عن الدعم المطلق للقومية الألمانية التاريخية، وهو توجه يُظهر التعاطف الغامض لأدولف هتلر

وبما أن حزب البديل من أجل ألمانيا هو ثاني أكبر حزب في ساكسونيا أنهالت، فلا يمكن الاستهانة بقوته داخل مجلس اللاندتاغ، فقد ينجح في زعزعة سطوة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بشكل مؤقت، قبل حدوث انشقاقات وانقسامات في الرأي. إذ يرى فرع حزب البديل من أجل ألمانيا في ساكسونيا أنهالت، نفسه جزءً من حركة يمينية راديكالية جماعية، تتضمن شخصيات متشددة يضعون شارة الصليب المعقوف على أذرعهم.

هذا وأشارت استطلاعات الرأي في الولايات الغربية، إلى انخفاض تأييد حزب البديل من أجل ألمانيا، فعلى سبيل المثال، حصل الحزب في ولاية راينلند بالاتينات على 12% في انتخابات عام 2016، وهي نسبة معتدلة إلى حد ما في ظل قواعد اللعبة البرلمانية لحزب البديل من أجل ألمانيا، وذلك على الرغم من هجومه الحاد على الأحزاب القائمة، والتي غالبًا ما تتسبب في فرض عقوبات عليه.

من المتوقع أن يشهد البوندستاغ إثارة غير مسبوقة، لأن حزب البديل سيركز على المعارضة الصريحة، بسبب عدم استعداد أي حزب للتعاون معه

ويقول المراقبون، إن حزب البديل من أجل ألمانيا يخوض معارك ضد حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي من أجل الحفاظ على مظهر المعارض القوي، ودفع النقاشات إلى اليمين بعض الشيء.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السياسة الألمانية غير المباشرة

أوروبا واليمين.. عصر الظلام المقبل