11-مارس-2024
 أبرز المؤلفات التاريخية لابن الأثير الجزري

المؤلفات التاريخية لابن الأثير الجزري

 

يعتبر ابن الأثير أحد أهم المؤرخين المسلمين الذين عاصروا دولة صلاح الدين الأيوبي ودوّنوا تلك المرحلة بشكل تفصيلي، ويشهد له في ذلك أعلام عصره وعلماء التاريخ في العصر الحديث لما في أسلوبه من ابتكار وتبسيط في الطرح وشرح وافٍ للمسألة، غير اهتمامه بالتفصيل في شرح أخبار الشرق والغرب كذلك على خلاف ما كان حاصلًا في ذلك الوقت، لذا اعتبر ابن الأثير من مبتكري كتابة وتدوين التاريخ في عصره.

وصف كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري بأنه تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب

 

أبرز مؤلفات ابن الأثير الجزري

وقد تناولت كتب ابن الأثير التاريخ بأكثر من طريقة وتاليًا ذكرها وشرح عن كل واحد منها:

  1. تأريخ الأنساب ومثاله "اللباب في تهذيب الأنساب"
  2. تأريخ الدول ومثاله "التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية"
  3. التراجم ومثاله "أسد الغابة في معرفة الصحابة"
  4. التأريخ الشامل ومثاله "الكامل في التاريخ"

  • اللباب في تهذيب الأنساب

يعتبر كتاب اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير الجزري أحد أهم المصادر التي تعنى بتنسيب القبائل والعائلات العربية حتى الجدود والآباء والأبناء، كما يقدم تعريفًا لعلم الأنساب وأهميته في تاريخ الحضارة الإسلامية.

وهو تهذيب لكتاب الأنساب لأبي سعد عبد الكريم السمعاني وهو من أعلام القرن السادس الهجري، وقد هذبه ابن الأثير لسبب يذكره في مقدمة الكتاب بعد امتداح السمعاني ومجهوده المبذول حيث يقول إنه "قد أطال واستقصى حتى خرج عن حد الأنساب وصار بالتواريخ أشبه، ومع ذلك ففيه أوهام" لذا شرع على حد قوله "في اختصار الكتاب والتنبيه إلى ما فيه من غلط وسهو".

يقع الكتاب في 12 بابًا مختلفة يتناول فيها كل ما يخص أنساب القبائل العربية، كما يشرح مفهوم علم الأنساب والمصطلحات المستخدمة فيما يخصه مثل العائلة والقبيلة وغير ذلك، ويقسم فيه ابن الأثير علم الأنساب إلى أقسام مختلفة منها علم الأنساب النسبي وعلم الأنساب الصناعي.

وبالإضافة لأهميته للباحثين والدارسين في مجال التاريخ والأنساب العربية، فإن كتاب اللباب في تهذيب الأنساب يتميز ببساطة أسلوبه وطرحه، وقد قسم الكتاب بترتيب الحروف الأبجدية العربية.

  • التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية

يعتبر هذا الكتاب واحدًا من أهم الكتب التي دونت مرحلة من أهم مراحل التاريخ الإسلامي وقد عني بتأريخ وتأصيل الدولة التي أقامها عماد الدين زنكي وقد أطلق عليها لقب الدولة الأتابكية نسبة للقب أتابك وهو اللقب الذي أطلق على عماد الدين زنكي بعد توليه إمارة الموصل سنة 521 هـ.

يذكر ابن الأثير في بداية كتابه علاقة عائلته بالأسرة الحاكمة وجهادهم معهم ضد الصليبيين، ثم يبدأ بسرد أخبار الدولة من تاريخ أبي عماد الدين زنكي وعلاقته بالملك السلجوقي ملكشاه، ثم ولايته لحلب وما لقيه من مناوشات من الأسرة السلجوقية بعد وفاة ملكشاه ويذكر كذلك أساليب حكمه وعدله في ولايته.

ثم يتطرق للحديث عن عماد الدين زنكي وولاياته وأسلوب حكمه وعلاقته بالدولة السلجوقية على غرار أبيه الراحل حتى وصوله لولاية الموصل، يذكر كذلك ما عانى منه عماد الدين زنكي في سبيل بناء دولة خاصة تحمل اسمه ومعارضة ولاة بلاد الشام عامة له في حروبه مع الصليبيين.

ويستمر الكتاب في السرد والشرح لكل ما يتعلق بالدولة الأتابكية وصولًا لوفاة نور الدين محمود زنكي وتأزم الحالة في بيت الحكم بعد وفاته نظرًا لصغر عمر ابنه الصالح إسماعيل وهو الولد الوحيد لنور الدين وكان هذا سببًا لذهاب الخلافة إلى صلاح الدين الأيوبي فيما عدا الموصل وسنجار وجزيرة ابن عمر.

وفي تحقيقه لكتاب الباهر في الدولة الأتابكية يقول عبد القادر أحمد طليمات أنه لمح بعض الملاحظات التي لا بد من ذكرها وهي أنه ذكر ترجمة لبعض الأشخاص البعيدين عن موضوع الكتاب "الدولة الأتابكية" في حين أنه أهمل تدوين ما دار من حروب وصراعات بين خلفاء الزنكيين وصلاح الدين الأيوبي على الحكم، ويُرجع الأمر لأن تدوين هذه الأخبار إنما يضعف الزنكيين أمام صلاح الدين كما أنه يظهر خضوعهم له ووقوعهم تحت خلافته وهو ما لم يحبذ ذكره في كتاب ألفه لصاحب الدولة الأتابكية أصلًا، ولا يقصد من الأمر التشكيك في الأمانة التاريخية لابن الأثير حيث ذكرت كل هذه الأحداث بما فيها الخلافة الأيوبية وصراع صلاح الدين مع الصليبيين حتى تحرير القدس.

  • أسد الغابة في معرفة الصحابة

يتناول هذا الكتاب ترجمة لصحابة رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام وأخبارهم وتاريخهم، وقد ذكر ابن الأثير في بداية الكتاب السبب الذي دفعه لتأليفه وهو على حد قوله أنه لم تعجبه من تراجم سير صحابة الرسول إلا ما كتبه ثلاثة وهم: أبو عبد الله الأصفهاني وأبو نعيم الأصفهاني والإمام أبو عمر القرطبي، غير أن كل واحد منهم سلك سبيلًا مختلفًا عن الآخر وذكر في كتابه أسماء مختلفة لم يذكرها الاثنان الآخران، وقد قام ابن الأثير بذكر الأسماء كلها المذكورة في كتبهم وأضاف إليهم غيرهم، ثم شرح السبيل الذي انتهجه في كتابة وتوثيق سيرهم. ويعد كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة أحد أهم المراجع التاريخية في ترجمة حياة الصحابة الكرام.

  •  الكامل في التاريخ

وهو الكتاب الذي اشتهر بسببه ابن الأثير أيما شهرة في العالمين العربي والغربي، فقد اعتمد فيه تدوين التاريخ العربي والغربي على حد سواء، وعلل ذلك في مقدمة كتابه حيث قال إن المشارقة الذين دونوا التاريخ العربي لم يعنوا بالتاريخ الغربي، ومثلهم فعل من عُني بتدوين التاريخ الغربي، فكان يُشكل على الدارس في التاريخين جمع المراجع والمصادر التي تشرحهما معًا، لذا فقد عمد إلى جمعهما معًا في كتاب واحد للتخفيف عن الدارسين.

ووصف كتاب الكامل في التاريخ بأنه تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب، وما بينهما، بدأه ابن الأثير منذ أول الزمان إلى آخر سنة 628 هـ، وضح منهجه بقوله: (ذكرت في كل سنة لكل حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصها، فأما الحوادث الصغار التي لا يحتمل منها كل شيء ترجمة فإنني أفردت لجميعها ترجمة واحدة في آخر كل سنة فأقول: ذكر عدة حوادث، وإذا ذكرت بعض من نبغ وملك قطرًا من البلاد، ولم تطل أيامه، فإني أذكر جميع حاله من أوله إلى آخره عند ابتداء أمره، لأنه إذا تفرق خبره لم يعرف للجهل به، وذكرت في آخر كل سنة من توفي فيها من مشهوري العلماء، والأعيان، والفضلاء).

وقد بدأ في حديثه بالكتاب عن بداية الخلق منذ آدم وحواء مرورًا بنزول الديانات السماوية وما تبعها من آثار على الناس والمجتمع وتشكيله، ثم تناول الهجرات العربية وأيام العرب قبل الإسلام ثم جاء على ذكر نزول البعثة على الرسول محمد وما جاء بعدها من حروب مع المشركين ثم سيادة المسلمين حتى وفاة الرسول ثم إلى العام 65هـ، ثم أرخ الدول التي لحقت به من الأموية والعباسية ثم الزنكيين والأيوبيين وهكذا حتى العام 628هـ، يقع كتاب الكامل في التاريخ في 10 مجلدات مقسمة حسب السنوات.

كانت هذه أبرز مؤلفات ابن الأثير المؤرخ العربي الإسلامي المعروف، إلا أن في حضارتنا العربية العديد من الأسماء الكبيرة التي عنيت بتدوين تاريخ العرب مع إيضاحه وشرحه وتفصيله، وكل بطريقته الخاصة؛ فهذا أدب الرحلات مثلًا يؤرخ المدن التي زارها الرحالة في حقبة معينة ويعرج على ما يخص ثقافة شعوبها وحضارتها وتطورها كرحلة ابن بطوطة مثلًا، أو تراجم السير التي يذكر فيها المؤرخ ما مر عليه من أحداث ويؤطرها بحقبها التاريخية لتكون تدوينًا شاملًا عنه وعنها ككتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ. وهناك من علماء العصر الحديث من عني بجمع التاريخ العربي من خلال الأدب ومنها سلسلة تاريخ الأدب العربي للدكتور شوقي ضيف، وغيرها الكثير من كتب التاريخ العربية.