ركن الورّاقين (5): ديوان التاريخ الإسلاميّ

ركن الورّاقين (5): ديوان التاريخ الإسلاميّ

تمتاز روايات الطبري بأنها مسندة (تصميم بنان شكارنة)

كان التاريخ في نشأته عند العرب نوعًا من أنواع الحديث، ولما اتسع نطاقه وتكاثرت مواده وتعدّدت فروعه، استدعى الأمر شيئًا من التخصص، فاقتصر بعض المؤرخين على رواية الحديث وسمّوا بالمُحدّثين، وتجرد آخرون لجمع الأخبار والحوادث، وتسموا بالأخباريين.

عرف تطور التاريخ في الحضارة الإسلامية ثلاث مراحل رئيسية، الأولى سادت خلال القرن الهجري الأول، ولم تتجاوز فيها كتب التاريخ المسامرات والنوادر والأخبار، مثل: "ذكر الملوك المتوجة من حمير" لصاحبه وهب بن منبه الصنعاني، والثانية سادت في القرن الثاني الهجري وبداية الثالث، اهتمت بكتب السير والمغازي مثل "فتوح البلدان" للواقدي، و"سيرة ابن هشام" وهو كتاب لابن اسحاق اختصره ابن هشام، وحمل اسمه. أما الثالثة فهي مرحلة النضج، وفيها ظهرت الموسوعات التاريخية، التي تناولت التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي كمؤلفات الطبري واليعقوبي والمسعودي. هذه الحلقة من "ركن الوراقين" مخصصة لبعضٍ من أبرز أعمال المرحلة الأخيرة.


1. تاريخ اليعقوبي

"تاريخ اليعقوبي" من تأليف أحمد بن يعقوب بن وهب المعروف باليعقوبيّ، ولقّب بالمصري والأصبهاني أيضًا. كان اليعقوبي ثورةً في كتابة التاريخ عند العرب، فقبله اتبع المؤرخون منهجًا صارمًا للتأكد من صحة الخبر، من خلال سلسلة من الرواة ينتهون بشاهد العيان، لكنْ بعد مرور الزمن، والتغيرات التي شهدها العالم الإسلامي، وظهور أحزاب سياسية ووجهات نظر مختلفة، باتت تلك الطريقة معرضة لكثير من العيوب، ولتلافيها ابتدع منهجًا جديدًا، هو الكتابة المرسلة بلا إسناد، بحيث يُعنى بالخبر ويناقشه. وحيث كان القدماء يؤرخون حوادث السنة الواحدة، فيما يعرف بالحوليات، فيجمعون الحوادث التي جرت في سنة واحدة، سلك اليعقوبي نهجًا آخر هو منهج الموضوعات.

تاريخ اليعقوبي مكوّن من ثلاثة أجزاء، الأول يبدأ بآدم وبنيه، ثم الأنبياء والرسل، ثم الأمم القديمة وحكامها وعلومها، من الصين واليونان والروم والفرس، إلى العرب الذين يستفيض في الحديث عنهم في زمن ما قبل الإسلام. والقسم الثاني يتناول الدعوة الإسلامية، وينتهي عند خلافة معاوية بن يزيد. أما الثالث فيبدأ بخلافة مروان بن محمد، ليصل إلى الخلافة العباسية وينتهي عند المعتمد على الله.

تاريخ اليعقوبي

2. تاريخ الطبري

يعدّ كتاب "تاريخ الرسل والملوك" لأبي جعفر محمد بن الطبري من أعمدة المكتبة التاريخية العربية، وذلك لمنهجه الواضح واستقرائه الشامل، فقد أكمل الطبري ما قام به قبله من المؤرخين كاليعقوبي والبلاذري والواقدي، ومهّد السبيل لمن جاء بعده كالمسعودي وابن مسكويه وابن خلدون.

اتبع "تاريخ الطبري"، كما بات يُعرف اختصارًا، تقديم الروايات التاريخية المسندة، وحوى أقسامًا كثيرة شملت تاريخ البشر، وخصوصًا التاريخ الإسلامي الذي عُرض بالتفصيل.

أُخذ على الطبري أنه لم يقدم رأيه في الروايات والشخصيات، وتفاوتت الأحداث بين سنة وأخرى، وأنه اهتم بالمشرق أكثر من المغرب والأندلس، كما اهتم بالحكام أكثر من دراسة المجتمعات ونظمها واقتصادها.

لكن روايات الطبري تمتاز بأنها مسندة، ما حقق للكتابة الأمانة العلمية والتاريخية. مصادره هي كل ما سبقه في مجالات التفسير والسيرة والفتوح وأخبار العرب والفرس.

3. مروج الذهب ومعادن الجوهر

ينسب المسعودي إلى الصحابي عبد الله بن مسعود، ومنه أخذ اسمه. تتضارب الروايات حول منشئه، فمنهم من يرى أنه نشأ في بغداد، ومنهم من يرى أنه من أهل المغرب كما ذهب ابن النديم.

في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، يصف المسعودي الخليقة، ويسرد قصص الأنبياء، ثم يصف الأرض والبحار، ويتناول تاريخ الأمم القديمة، وعاداتهم ومذاهبهم، ثم يغوص في تاريخ الإسلام من البداية إلى العصر العباسي.

لم يكن المسعودي مؤرخًا فقط، بل جغرافيًا وفلكيًا ورحالة، وقد جمع مادته بالمعاينة والمشاهدة، وربط بين البيئة والقضايا التي تناولها، إذ جاب الأقطار بحثًا عن المعرفة، معتمدًا منهجًا وصفيًا ركز فيه على الرحلة والمشاهدة والمشافهة، ليصل إلى سلامة النقل، محاولًا الابتعاد عن منهج النقل من بطون الكتب.

من الطريف أن المسعودي استهلّ كتابه وختمه بكلمة تحذّر من التلاعب بمتن الكتاب، وهو أمر صار تقليدًا متبعًا في الكتب الحديثة التي نتداولها، لكون يندرج في إطار حقوق الملكية الفكرية. قال المسعودي: "ومن حرّف شيئًا من معناه، أو أزال ركنًا من مبناه، أو طمس واضحةً من معالمهِ، أو لبّس شاهدةً من تراجمه، أو غيّره أو بدّله، أو انتخبه أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، فوافاه من غضب الله، وسرعة نقمته وفوادح بلاياه، ما يعجز عن صبره، ويحار له فكره".

4. الكامل في التاريخ

كتاب "الكامل في التاريخ" من تأليف عزّ الدين بن محمد، المعروف بابن الأثير. يقع الكتاب في 13 مجلدًا، تسير من بدء الخليقة حتى زمن صلاح الدين الأيوبي والحروب الصليبية. يمتاز ابن الأثير بالدقة والاستقصاء، لا يشتت الحوادث، ويشذّب متنه من الأساطير والخيال، ورغم كل النقد الذي طال الكتاب إلا أنه بقي المرجع الوحيد في عصره عن الحروب الصليبية.

يعلّل ابن الأثير في مقدمته، بعد الحديث عن ولعه بقراءة كتب التاريخ، سبب وضعه لمُؤَلَّفه: "وقد أرّخ كلّ منهم إلى زمانه وجاء بعده من ذيّل عليه، وأضاف المتجددات بعد تاريخه إليه، والشرقيّ [المشرقيّ] منهم قد أخلّ بذكر أخبار الغرب، والغربيّ [المغربيّ] قد أهمل أحوال الشرق؛ فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخًا متصلًا إلى وقته يحتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعددّة مع ما فيها من الإخلال والإملال. فلمّا رأيتُ الأمر كذلك شرعتُ في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب وما بينهما، ليكون تذكرةً لي أراجعه خوف النسيان، وآتي فيه بالحوادث والكائنات من أوّل الزمان، متتابعةً يتلو بعضها بعضًا إلى وقتنا هذا".

5. تاريخ ابن خلدون

تميز عبد الرحمن بن خلدون بكونه مثقفًا شامًلا، فهو عالم إسلامي، ورجل قانون، وفيلسوف، وعالم اجتماع، ومؤرخ.. في آن واحد.

تاريخ ابن خلدون المسمّى "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، يبدأ بمقدمة عن التاريخ وذكر مشاهير المؤرخين المسلمين، ثم يتحدث عن علم التاريخ والعمران والعوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والصنائع والدواوين والعلوم المختلفة والبدو والحضر، ويُعرف هذا الجزء بـ"مقدمة ابن خلدون". 

أما القسم الثاني فيتناول أخبار العرب وأجيالهم منذ بدء الخليقة وحتى البعثة النبوية، ويتحدث عن السريان والنبط والكلدانيين والفرس والقبط.

في مقدمته يقول: "أنشأت في التاريخ كتابًا، رفعتُ به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجابًا، وفصلت فيه الأخبار والاعتبار بابًا بابًا، وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللًا وأسبابًا، وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكًا غريبًا، واخترعته من بين المناحي مذهبًا عجيبًا، وطريقة مبتدعة وأسلوبًا، وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية، وما يمتّعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرّفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك".

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين (3): حيواناتٌ في محميّات الكتب

ركن الورّاقين (4): خزانة أخبار الأندلس