هكذا لم يظهر جيل صلاح الدين!

هكذا لم يظهر جيل صلاح الدين!

رسمة لصلاح الدين بعد انتصاره في معركة حطين (ويكيبيديا)

يبدأ ماجد عرسان الكيلاني كتابه الشهير "هكذ ظهر جيل صلاح الدين" بظهور الغزالي وتصديه لفساد الحياة من كافة وجوهها الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية، ويتتبع أثره وتلاميذه وانتشارهم في بلاد الإسلام، ثم ينتقل إلى عبد القادر الجيلاني ويتتبع نشاطه وتلاميذه، ثم يزعم أن جهود هذين العالمين أدت إلى نشأة جيل كامل من العلماء والمجاهدين والأمراء، رغم أنهما لم يتحدثا عن الصليبيين في كتبهم؛ فضلا الانسحاب والعزلة عن المجتمع لتزكية النفس، ثم العودة إلى المجتمع من جديد لإصلاحه.

رغم أن الغزالي مر بتحولات فكرية كبيرة إلا أن الكيلاني أراد جعله مدرسة منظمة تعرف هدفها جيدًا

تأسست من تلاميذهما دولة آل زنكي التي تصدت للصليبيين، ومن بعدهم الدولة الأيوبية بقيادة مؤسسها صلاح الدين الأيوبي الذي استطاع تحرير القدس، وكان مستشاروه ووزراؤه وأمراؤه من خريجي المدارس التي أنشأها تلاميذ الجيلاني والغزالي، فنحن أمام جيل كامل وعمل مؤسسي دؤوب كانت ثمرته تحرير القدس وعودتها، والكاتب في ذلك يتصدى لفكرة المخلص الذي تنتظره الجماهير، وهذا الفهم: "يوجه إلى العمل الفردي ويحول دون العمل الجماعي، ويفرز صورة خاطئة قاتلة لدور كل من القادة والأمة في تحمل المسؤوليات ومواجهة التحديات. فهو فهم ينمي في نفوس القادة روح الفردية والانفراد بالتخطيط والتنفيذ، فيقودهم إلى الارتجال ويزجهم في صراع مع كل من يحاول المشاركة في الرأي أو العمل، في الوقت الذي لا يستطيع هؤلاء القادة الانفراد في الرأي أو العمل فينتهون إلى الفشل والإحباط".

اختطاف الغزالي

رغم اعتراف الكاتب أن الغزالي مر بتحولات فكرية كبيرة وتجربة ذاتية ثرية شديدة التعقيد لخصها الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، إلا أنه أراد جعل الغزالي مدرسة منظمة تعرف هدفها جيدًا في حمل رسالة سماها مدرسة الانسحاب والعودة، أي أن أبناء تلك المدرسة ينسحبون من المجتمع الفاسد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ودينيًا، ليزكوا أنفسهم ثم يعودون للمجتمع من جديد لإصلاحه وتغييره. 

ورد الكاتب على من أخذوا على الغزالي عدم ذكره للصليبيين الذين غزوا الشام في ذلك الوقت أن الغزالي فرغ نفسه للتربية والحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمفهومه الشامل، ودبج الكيلاني المديح والثناء على منهج الغزالي التربوي حتى بلغ به عنان السماء. والحقيقة لا أدري كيف فعل ذلك وكلام الغزالي عن التربية الصوفية وعلاقة الشيخ والمريد وسلطان الشيوخ والأولياء على مريديهم يتصادم مع كل المبادئ التي دعا إليها الكاتب في كتابيه عن التربية الإسلامية، ومزجها بالتربية الغربية التي درسها الكاتب في أمريكا، وتصادم كذلك قوانينه التاريخية في هذا الكتاب التي رآها دروسًا وعبرًا من تجربة الغزالي! بل جعل الغزالي طليعة تجديد "سلفي" ولم يجد حرجًا في جمعه بابن تيمية على كل الخلافات بين الرجلين لمجرد قصة طريفة مفادها أن الغزالي تراجع عن كل أفكاره ومات والبخاري على صدره!

ثم ختم الكاتب كلامه عن الغزالي بأثره في نشأة دولة الموحدين العظيمة في الغرب الإسلامي على يد محمد بن تومرت تلميذ الغزالي. المثير للسخرية هنا أن محمد بن تومرت هذا ادعى أنه المهدي وخير الناس بين الإيمان به أو القتل، واستغل دعوته هذه ليجمع المصامدة وهي أحد عصبيات البربر ليقاتل بهم دولة المرابطين، وهم من عصبية أخرى، وشنع على المرابطين في دينهم وعقيدتهم. أي أن دولة الموحدين جمعت كل النقائص التي فصلها الكاتب في أول كتابه وادعى أن الغزالي أقام مشروعا طموحًا مؤسسيًا لمواجهتها، ثم جاء تلميذه ابن تومرت، وتلك دعاية طريفة لا أعرف كيف قبلها الدكتور صاحب المنهج العلمي، ليحوز كل تلك النقائص دفعة واحدة دون أن يترك منها شيئًا!

عصر التمكين

ثم جاء عصر التمكين حيث نشأت دولة آل زنكي ومن بعده دولة آل أيوب لتقاوم الصليبيين ويحتل العلماء المتخرجون من مدارس تنظيم الأولياء المسلمين كل المناصب العليا ويتحكمون في مفاصل الدولة، ويحظى أكراد هكار في دول آل أيوب بنفوذ واسع، لا لأن صلاح الدين كردي ودول ذلك الوقت كانت تقوم على العصبية القبلية لا سمح الله، لكن لأن أكراد هكار تخرجوا في المدرسة العدوية التي أسسها الشيخ عدي بن مسافر في جبال هكار، وهكذا انتقلت الولاءات القبلية إلى الولاء للأفكار والرسالة، فعمل الأمراء والفرسان الأكراد مع السلاطين الأيوبيين الأكراد لأنهم تخرجوا في المدرسة العدوية طبعًا.

حسب "هكذ ظهر جيل صلاح الدين" يمكن أن تحشد تراجم العلماء في أي زمن وتحصر المدارس التي درسوا فيها، وتتبع لقاءاتهم ببعضهم لتنتج منهم تنظيمًا

وهكذا أنتجت، بحسب الكاتب، جهود مدارس الإصلاح والتجديد الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم ثم الدولة المسلمة في عصر التمكين التي حررت القدس التي لم يحررها صلاح الدين وحده بل جيل كامل يقف خلف هذا الحدث.

ثم جاء المماليك

قفز الكاتب بكل خفة على الحروب الأهلية بين البيت الأيوبي وتسليم الكامل، ابن أخ السلطان صلاح الدين ومن نفس "جيله"، القدس إلى "صديقه" الإمبراطور فريدريك الصليبي، ثم نعى الكيلاني بكل أسى دور المماليك، الذين جلبهم الأيوبيون من جيل صلاح الدين، في إفساد الحياة السياسية وتردي الصوفية وانتكاس الحركة الإصلاحية التي كانت، سبحان الله، حركة جيل كامل والسلطة الزنكية والأيوبية كانت نتيجة لها، ويستعين باقتباسات لابن تيمية كالعادة لبيان تلك الممارسات وكأنها لم تكن موجودة من قبل.

ثم زاد أن تلك المدارس التي خرجت الفرسان والأمراء والعلماء كان لديها نقص في الفقه "الحركي" لأنها اهتمت بالإخلاص في العمل دون صوابيته، هكذا عادت مدارس الصوفية في آخر الكتاب لأصلها؛ مدارس تدعو للزهد والإخلاص وإصلاح القلوب دون أن تملك أجندة خفية عن الانسحاب والعودة لتغيير الأمة، كما كانت تلك المدارس في أول الكتاب، ودون أن تكون منضمة تحت لواء تنظيم الأولياء المسلمين في وسط الكتاب.

ثم يقرر أن عدم وجود الفقه الحركي والمؤسسي هذا جعل الإنجازات التي حققها "جيل" صلاح الدين تعتمد فقط على نجاح "الشخصيات" أكثر من المؤسسات، ولما غابت "الشخصيات" انتكس كل شيء، سبحان الله كنا في أول الكتاب نتحدث عن قيام جيل والآن نتحدث عن شخصيات لما غابت انتهى "الجيل"!

هكذا ظهر جيل قطز وهكذا انهزم المغول!

المضحك المبكي في الكتاب أنك يمكن أن تحشد تراجم العلماء في أي زمن وتحصر المدارس التي درسوا فيها وتتبع لقاءاتهم ببعضهم لتنتج منهم تنظيمًا، وتتبع علاقات أي منهم بالسلطان سواء تولى أحدهم القضاء أو دعا للسلطان أو وعظه، لتخرج بسردية مشابهة لما خرج بها الكيلاني في كتابه، بل يمكنك أن تطبق ذلك بحرفية كاملة على عصر سيف الدين قطز وهزيمة المغول، عليك أن تحل العز بن عبد السلام محل عبد القادر الجيلاني والشاذلي محل الغزالي، وسترى نتائج مبهرة!

خاتمة

إن ما سبق هو بيان لبعض الحقائق التي لوى الكاتب عنقها لتفي بمقصوده وتحقق "قوانينه" التي زعم أن تطبيقها يؤدي إلى النهضة المنشودة، والأخطر من تلك القوانين هو منهج الكتاب نفسه الذي يعيد قراءة التاريخ بأثر رجعي، ويحاول السطو على مجهود الأمة بكامل أطرافها وجماعاتها الوسيطة من علماء وحرفيين وتجار ونسّاك ومجاهدين، ونساء طلبن العلم وجاهدن دون أن يكون ذلك تحت بند تحقيق المرأة لذاتها بل كأي مسلم يعمل في دنياه لآخرته، ومن قبل علماء كبار منهم من اختار لنفسه الجهاد ومنهم من انقطع للعلم والتدريس حسبما اختار لنفسه، ذلك المجهود اللامركزي الفطري الذي هو حقيقة حياة هذه الجماعات ونشاطها سواء ذهبت القدس أو رجعت.

قراءة التاريخ بأثر رجعي هي سطو على مجهود الأمة بكامل أطرافها وجماعاتها الوسيطة

ولست أعني أنه لم تستنفر الحملات الصليبية علماء الأمة وزهادها ومجاهديها للتصدي للخطر، بل شاركهم كذلك الخونة والمنتفعون وطلاب السلطة ومؤسسو الدول وسفاكو الدماء والظالمون، لكن كذا كانت كثير من حياة الثغور قبل هذه الفترة وبعدها، في الشام والأندلس والأناضول، وكانت مساجلات الحياة العلمية والفكرية والاقتصادية والسياسية موجودة على مر تاريخ الإسلام مصداقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم أن على رأس مئة عام يبعث الله للأمة "من" يجدد لها دينها. هذه الحركة دائمة دائبة في التاريخ بين أهل الصلاح والفساد، لا مراحل ثابتة جامدة كألعاب الفيديو تنتهي بقتل الوحش والظفر بالأميرة.

تلك الحركة الباقية إلى قيام الساعة، الحركة الفطرية التي لا يجمعها حزب أو تنظيم أو دولة مركزية، بل مجرد مكون من مكوناتها لا حاكمًا عليها، ومعيار النجاح والفشل فيها هو رضا الله سبحانه وتعالى من إخلاص وموافقة للشرع، سواء كان مصيرهم كأصحاب الأخدود، أو كفاتحي مكة، فلا ينقص ذلك من أفعالهم وأجورهم.

ولا يجب أن يحملنا بغض الصنمية وعقيدة انتظار المخلص إلى القراءة بأثر رجعي لمجرد إثبات صحة نظرتنا للواقع والمستقبل! لماذا نسعى إذن -بأثر رجعي- لنظم هذه الجهود الفطرية اللامركزية في تنظيم هرمي مؤسسي صلب مر بمراحل محسوبة كل مرحلة منها نهائية تفضي للتي بعدها انتهاء بالهدف الأسمى هو عودة القدس؟ لماذا لا نقول أن هذا اختيارنا المعاصر واقتراحنا للحل، ما ذنب التاريخ أن نلي عنقه ليحمل أفكارنا؟

اقرأ/ي أيضًا: 

مجلة الحوليات والتاريخ الجديد

ذكريات من منزل الأموات.. ديستوفسكي سجينا