مصر وغزة: تغير في النهج أم استعادة دور مفقود؟

مصر وغزة: تغير في النهج أم استعادة دور مفقود؟

مشهد من مدرسة مدمرة في غزة (Getty)

تغير الموقف والخطاب المصريين كان لافتًا في العدوان الأخير الذي شنّته إسرائيل على غزة، بالمقارنة مع آخر عدوان وقع عام 2014، والذي عرف بعملية الجرف الصامت، فوقتها كان الموقف المصري الرسمي والإعلامي شبه مؤيد للعدوان، وحتى المبادرات المصرية لوقف إطلاق النار كانت تصب في مصلحة الطرف الإسرائيلي.

تغيرت اللهجة المصرية هذه المرة، وارتفعت حدة الخطاب الدبلوماسي فوصف وزير الخارجية المصري سامح شكري ما يجري في الأراضي المحتلة بالعدوان، كما سجّل الإعلام الحكومي المصري حضورًا قويًا، إذ قام بتغطية مفتوحة لوقائع العدوان على غزة، كما استعملت مصطلحات غابت لمدة طويلة عن الإعلام المصري كوسم إسرائيل بدولة الاحتلال، وتسمية ما يجري عدوانًا، واعتبار حركة حماس حركة مقاومة بعد تصنيفها في وقت سابق منظمة إرهابية، بموجب قرار قضائي صدر عن محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة في 28 شباط/ فبراير 2015.

تغيرت اللهجة المصرية هذه المرة، وارتفعت حدة الخطاب الدبلوماسي فوصف وزير الخارجية المصري سامح شكري ما يجري في الأراضي المحتلة بالعدوان

المتابع للأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة سيتفاجأ حتمًا بهذا التغير في الموقف المصري، وسوف يتساءل عن السبب وراء هذا الانقلاب.

اقرأ/ي أيضًا: عن عيد غزة.. جولة رابحة على طريق النصر

شهد العام الماضي موجة هرولة كبيرة لعدد من الدول العربية باتجاه إسرائيل، بعد كل اتفاق يعقد مع دولة الاحتلال كان يتم توجيه الشكر لمصر لدور ما في إبرام تلك الاتفاقيات. بعد سنة تقريبًا من توقيع تلك الاتفاقيات اتضح أن قطار التطبيع خلق موازين قوى وتحالفات فاجأت مصر، حيث دخلت أهم دولة مطبعة، وهي الإمارات، بكل ثقلها على خط التحالف مع دولة العدو، الأمر الذي أعطى تصورًا داخل أروقة النظام أن مصر تفقد الورقة التي تمتعت بها لعشرات السنين، وهي الوساطة بأي علاقة سرية أو علنية بين الدول العربية وإسرائيل، بالإضافة لرعايتها لأية محادثات أو اتفاقيات كانت توقع بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، بمعنى أن مصر فقدت دورها كعرّاب لاتفاقيات التسوية مع إسرائيل بالمنطقة.

زاد من تلك القناعة المشروع الذي فاجأ القاهرة، إذ تم الحديث عن تسريبات صحفية عن اجتماعات سرية بين الإمارات وإسرائيل لإحياء مشروع خط "إيلات - عسقلان" بغية نقل نفط الخليج إلى أوروبا عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة، عوضًا عن قناة السويس وبتكلفة أقل، وهو ما حذرت الأجهزة الأمنية المصرية من خطورته حيث يصب في إيجاد بديل عن قناة السويس فيما يخص ملف الطاقة.

لم يتوقف التحالف الإماراتي الإسرائيلي عند هذا الحد، فقد أسّست إسرائيل والإمارات واليونان وقبرص منتدى جديدًا للتعاون في مجالات الطاقة مستبعدة مصر من ذلك، ما دفع مصر إلى مراجعة سياستها الخارجية وفتح قنوات اتصال مع تركيا ألد أعداء دول المنتدى الجديد، لكن القشة التي قسمت ظهر البعير هي الموقف الإماراتي والإسرائيلي من ملف سد النهضة، أهم أحد الملفات الاستراتيجية الشائكة التي تواجهها مصر في المرحلة الحالية، فقد تم الاتفاق بين إسرائيل وإثيوبيا على نشر صواريخ منظومة دفاع جوي متحركة معروفة باسم Spyder-MR حول سد النهضة لحمايته من أي هجوم مصري محتمل، في حين أرسلت الإمارات مساعدات عسكرية لإثيوبيا لمساعدتها في إنهاء التمرد الواقع في إقليم تيغراي، هذا التمرد الذي راهنت عليه مصر لعرقلة أو إلهاء إثيوبيا للتأخير في الاستمرار بمشروع البدء من عملية التعبية الثانية للسد.

بعد كل تلك المعطيات بات واضحًا أن إسرائيل والإمارات تحاولان إلحاق الضرر بالمصالح المصرية في ملفات متعددة وشديدة الحساسية، كان الهدف المحتمل منها أن تحل أبو ظبي مكان القاهرة لاستلام كل تلك الملفات المتفجرة.  

أعاد التصعيد الإسرائيلي الأخير مصر للواجهة، فقد وضعها على رأس الدول التي تدخلت لمحاولة تطويق فتيل الحرب

أعاد التصعيد الإسرائيلي الأخير مصر للواجهة، فقد وضعها على رأس الدول التي تدخلت لمحاولة تطويق فتيل الحرب، فقربها الجغرافي من قطاع غزة عزّز من دورها كوسيط بين الأطراف المتحاربة، في حين تخبّط الموقف الإماراتي الذي حاول أن يضطلع بدور ما في الساحة بعد أن رمى بكل أوراقه في الحضن الإسرائيلي.

اقرأ/ي أيضًا: فلسطين وجيلنا.. درسٌ في معنى الحرية

لم يتوقف الدور المصري في أن يكون وسيطًا، بل أطلقت القاهرة مواقف متقدمة جدًا على هذا الصعيد، فقد ضمت مبادرة وقف إطلاق النار التي عرضتها شرط وقف الاستيطان وهدم البيوت الفلسطينية، حتى توقف المقاومة إطلاق صواريخها باتجاه المستعمرات والمدن الإسرائيلية، وقد رفض العرض في البداية من قبل الجانب الإسرائيلي، ووجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي السلطات بفتح معبر رفح للسماح لجرحى العدوان من غزة بتلقي العلاج في المستشفيات المصرية، وتوصيل المساعدات، كما أعلن عن تخصيص مبلغ يقدر بـ500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة، على أن تقوم الشركات المصرية بإنجاز تلك المشاريع؟ إذ يعد هذا الموقف الأكثر صرامة تجاه إسرائيل في تاريخ العلاقات بين الدولتين.  

إن القارئ للموقف المصري، خاصة بعد انقلاب العسكر على أول تجربة ديمقراطية في البلاد، حول الصراع الدائر بالأراضي المحتلة سوف يتوجس من تغير الموقف هذا التغير، من النقيض إلى النقيض، بعد سياسة أقل ما يمكن أن توصف بالعدائية تجاه الشعب الفلسطيني، مارستها القيادة المصرية عبر تصريحاتها السياسية، علاوة على مشاركتها في التضييق والحصار على القطاع، وذلك بغلق المنفذ البري الوحيد لأهالي القطاع، كما فاقمها الخطاب الإعلامي الذي يمكن وصفه بخطاب الكراهية الذي واظب على إظهاره بمختلف المنابر طيلة السنوات الأخيرة.

لنعدْ خطوة قصيرة للوراء، بعد خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية نهاية العام الماضي كان هناك قرار من الإدارة الأمريكية الجديدة في القيام بعملية قطع مع كل السياسات التي كانت تنتهجها الإدارة السابقة، فقد صرح الرئيس الأمريكي المنتخب جون بايدن مطلقًا تحذيرًا شديد اللهجة للنظام المصري، مؤكدًا أن انتهاكاته المتكررة لحقوق الإنسان لن تقابلها إدارته بالتجاهل والصمت كما تفعل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

لم يجد النظام المصري فرصة مواتية أفضل من أن يستغل الأحداث الجارية بالأراضي المحتلة، ليربط العلاقة من جديد بالإدارة الأمريكية، فقد تلقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا من نظيره الأميركي جو بايدن، ويعد الأول منذ وصول الأخير إلى السلطة مطلع العام، فقد أكد بايدن على "إنجاح المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار وتحقيق التهدئة"، متمنيًا "استمرار التعاون لتحقيق المزيد من النجاحات المشتركة والتي من شأنها إرساء السلام العادل والشامل في المنطقة".

وقال بيان للبيت الأبيض إن الرئيس بايدن أعرب، في ثاني مكالمة هاتفية مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، عن شكره لمصر على "دبلوماسيتها الناجحة وتنسيقها مع الولايات المتحدة لإنهاء الأعمال العدائية الأخيرة في إسرائيل وغزة وضمان عدم تكرار العنف".

يتضح هنا أن الرئيس السيسي كسر الحاجز بتلقيه اتصالين من الرئيس الأمريكي بايدن، بعد جفاء وقطيعة استمرا منذ استلامه إدارة البيت الأبيض، كان يسعى من وراء ذلك إلى استرجاع مصر دورها كوسيط إقليمي، لكن القادم يبقى هو الأهم، فالقاهرة تعول من وراء تحركها في الملف الفلسطيني على الحصول على دعم أمريكي فيما يخصّ ملف سد النهضة.  

ما يهم فلسطينًا ألّا يكون الوضع الفلسطيني ورقة مساومة بيد النظام المصري مقابل ملفات أخرى، فقد أوضحت العديد من المصادر أن الجهود المصرية ركزت على تثبيت وقف إطلاق النار لإبقاء الأوضاع هادئة لأطول فترة ممكنة، ترافق ذلك جهود لإعادة دفع السلطة الوطنية للواجهة للمشاركة بإعادة إعمار غزة مقابل الدفع بحل الدولتين.

الخطاب السياسي الفلسطيني الجديد الذي يجب أن يتبلور بعد الحرب يُحتم على جميع الأطراف أن تقبل بأن يكون شريكًا رئيسيًا سقفه مصالح الشعب الفلسطيني في أي تسوية قادمة

ما قبل الحرب على غزة ليس كما بعدها، الإنجاز الميداني والصمود في غزة وخلق حالة "توازن الرعب" التي افتقدها القطاع في كل الحروب السابقة، بالإضافة إلى تلازم المسارات وربط الاتفاق على غزة بما سيحدث في القدس والشيخ جراح يُحتم صعود خطاب سياسي فلسطيني يرتقي ويواكب كل تلك التضحيات والإنجازات الميدانية، من أجل خلق حالة فلسطينية جديدة لا تكون عبارة عن ورقة ضغط أو مساومة بيد القوى الإقليمية في المنطقة.

اقرأ/ي أيضًا: اليمين المتطرف آخر داعمي إسرائيل في أوروبا

الخطاب السياسي الفلسطيني الجديد الذي يجب أن يتبلور بعد الحرب يُحتم على جميع الأطراف أن تقبل بأن يكون شريكًا رئيسيًا سقفه مصالح الشعب الفلسطيني في أي تسوية قادمة، فالمعادلات تبدلت وأصبح هناك واقع متغير وضع المقاومة ندًّا مباشرًا في وجه دولة الاحتلال وباعتراف قادته، وهذا يجب أن يستثمر بمعزل عن مصالح كل دول الجوار والمنطقة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

انتصرت غزّة، ماذا بعد؟

في ضرورة التحرر من نكبة الوهم والاستسلام للصهيونية