فلسطين وجيلنا.. درسٌ في معنى الحرية

فلسطين وجيلنا.. درسٌ في معنى الحرية

مظاهرة داعمة لفلسطين في كندا (Getty)

رافق تشكُّل وعينا، نحن جيل القرن الحادي والعشرين، صعود سلسلة خطاباتٍ حاصرت القضية الفلسطينية، وكادت، بالنسبة لبعض أبناء هذا الجيل، أن تتحول إلى مدخلٍ ثابتٍ لا بد من المرور به إن فكر أحدهم بالبحث عن إجابةٍ لسؤالٍ مثل: ما هي القضية الفلسطينية؟

ما فعله الفلسطينيون خلال الأسابيع الأخيرة أنهم بيَّنوا لنا، لجيلنا تحديدًا، حقيقة قضيتهم وحقها علينا

الإجابة على هذا السؤال بدت بسيطة حتى ظهور الخطابات التي تُجمع، بشكلٍ أو بآخر، ولأسبابٍ مختلفة، على إدانة القضية الفلسطينية وشيطنتها. والوقوف عند هذه الخطابات وأخذها على محمل الجد بالنسبة لجيلٍ لم يعرف عن فلسطين وقضيتها أكثر مما وصله عبر الإعلام، تحديدًا أولئك الذين انصرفوا عن بذل أي جهدٍ للتعرف عليها من خلال ما يرويه أبناؤها لا عبر ما يُروى عنهم وعنها، ينتهي بتكوين سلسلة انطباعاتٍ سلبية، إن لم تدفع بالفرد نحو شيطنة القضية، فلا بد أن تثير نفوره منها.

اقرأ/ي أيضًا: إسرائيل بوصفها وباء الديمقراطية الذي لا شفاء منه

الهبَّة الفلسطينية الأخيرة وما تبعها من أحداثٍ حسمت مسألة الحضور الفلسطيني في الوجدان العربي والإسلامي، ودلت على مدى عمقه أيضًا، بدت فرصة مواتية لهؤلاء كي يعبِّروا عن مواقفهم المتأثرة بل والمبنية على ما جاء في ادعاءات الأنظمة العربية المعادية للفلسطينيين وقضيتهم، إن لم يكن من خلال المجاهرة بمعاداتها، فعبر الاستخفاف بها وبجميع أشكال التضامن معها، متوسلين في ذلك طرح أسئلةٍ اعتباطية تهوِّن من شأنها وشأن المناصرين لها.

في المقابل، هناك من أدار ظهره لانتهاكات الاحتلال الصهيوني وجرائمه بحق الفلسطينيين، وعبَّر صراحةً عن ضجره من التفاعل الشعبي غير المسبوق مع الشعب الفلسطيني من القدس وحتى قطاع غزة المحاصر، مرورًا بجميع الأراضي المحتلة. فيما حمَّل آخرون الفلسطينيين مسؤولية الأحداث الأخيرة، لا سيما بعد دخول فصائل المقاومة في قطاع غزة على خط المواجهة، حيث طرح البعض تساؤلاتٍ هائلة، وغير مشروعة، عن جدوى قصف الأراضي المحتلة، بل جدوى الانتفاضة بأكملها، وهي تساؤلاتٌ تدل على جهلٍ واسعٍ بالقضية الفلسطينية وتاريخها.

يمكن أن نعيد أسباب هذا الجهل عند فئاتٍ واسعة من جيلنا، الذي لم يعرف عن فلسطين شيئًا إيجابيًا خلال السنوات الأخيرة، باستثناء ما عرفه بعضنا من خلال الكتب، إلى تأثير الخطابات التي ظهرت تزامنًا مع بدايات تشكِّل وعينا، تلك التي روجتها أنظمة عربية تعادي فلسطين وقضيتها، استغلت غياب أي حراكٍ فلسطينيٍ شعبيٍ واسع بعد الانتفاضة الثانية، وتراجع حضور القضية إعلاميًا بعد الربيع العربي وما تبعه من صراعاتٍ وحروبٍ أهلية في بعض الدول العربية، إضافةً إلى تحولات الموقف الأمريكي وظهور إدارة تتبنى موقف اليمين الصهيوني المتطرف وتدعم سياساته؛ لتمرير دعاياتٍ وادعاءاتٍ زائفة، الغاية منها تبرير تطبيعها مع الكيان الصهيوني وتحالفها معه.

ربطت الهبَّة حرية العرب بحرية فلسطين، وأكدت أن لا فرق بين من يناضل ضد نظامٍ استبداديٍ وآخر استعماري

وظَّفت هذه الأنظمة ترسانة إعلامية ضخمة لترويج افتراءاتها القائمة على سرديات الحركة الصهيونية المُختَرعَة، إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي التي اجتهدت فيها شخصياتٌ ثقافية وسياسية ودينية، برفقة جيوش الذباب الإلكتروني، لنشر تلك الأباطيل التي تقول إن الفلسطينيون باعوا أرضهم، وتُحمِّل قضيتهم مسؤولية ما أنتجته الأنظمة العربية الفاشية طيلة عقود، بالإضافة إلى تعثر التنمية والانقلابات العسكرية وقمع الحريات، تمامًا كما لو أنها لعنة حلَّت على العرب.

اقرأ/ي أيضًا: عن عيد غزة.. جولة رابحة على طريق النصر

في السياق ذاته، لا يمكن تجاهل خطابات الأنظمة العربية التي استخدمت القضية الفلسطينية أداتيًا، وسعت خلال الربيع العربي إلى الارتباط بها بل والتماهي معها، بهدف توفير مبررٍ ما لقمع الاحتجاجات الشعبية ضدها، تلك التي صوِّرت على أنها مؤامرة صهيونية تسعى للنيل منها بسب مواقفها الداعمة لفلسطين وقضيتها، إذ ساهمت هذه الادعاءات في نفور البعض من فلسطين بقدر نفورهم من الأنظمة التي تحاول تبرير عنفها وشرعنته من خلالها.

وإذا كانت الغاية من الخطاب الذي يربط القضية الفلسطينية بالأنظمة الفاشية، هو تخوين حراك الشعوب وشرعنة العنف ضدها، فإن الهدف من خطاب الأنظمة المعادية لفلسطين، ليس تبرير تطبيعها مع الكيان الصهيوني وتحالفها معه فقط، وإنما شيطنة القضية الفلسطينية وتصفيتها، إلى جانب منح انتهاكات الكيان وجرائمه شرعية قانونية وتاريخية، والتعامل معه بوصفه دولة طبيعية يحق لها الدفاع عن نفسها في مواجهة إرهاب الفلسطينيين.

ورغم اختلاف الأسباب، يلتقي الخطابان في تشويه وتحريف حقيقة القضية الفلسطينية بشكلٍ يجعلها، وعبر محاصرتها بكل هذه الادعاءات الكاذبة، معقدة وغامضة بما يكفي لكي لا تجد من يفهمها ويصدقها ويدافع عنها. ومن لم يبحث من أبناء هذا الجيل عن حقيقتها سوى في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، ومَنْ تعرَّف عليها من خلالهما فقط، بعيدًا عن الوسائل الأخرى التي وفرها أبناؤها، سيصطدم بهذا الغموض والتعقيد وما يحيط به من افتراءاتٍ تنكر وجود القضية أساسًا، ولا تعتبر إسرائيل خصمًا بالأصل.

أعادت هبَّة الفلسطينيين الأمور إلى نصابها، حيث دحضت ما روجته الأنظمة المتصهينة من سردياتٍ زائفة

ليس الهدف هنا تبرير مواقف هؤلاء، مَنْ شيطنَ وأنكرَ وأدار ظهره، وإنما الإشارة إلى محاصرة القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة بادعاءاتٍ وافتراءاتٍ وأكاذيب تجعلها معقدة وغير مفهومة بالنسبة إلى جيلنا من جهة، وتبديد الهبّة الفلسطينية الأخيرة لهذا الغموض من جهةٍ أخرى. فإذا كانت الخطابات التي شيطنت فلسطين وأنكرت قضيتها، تمنع الوصول إلى حقيقة هذه القضية، فإن الهبّة مهدت الطريق وأنارته أيضًا، مما يعني أن من تذرَّع بتأثير تلك الخطابات لتبرير موقفه قبل أيار/ مايو 2021، لن يستطيع فعل ذلك بعده.

اقرأ/ي أيضًا: في ضرورة التحرر من نكبة الوهم والاستسلام للصهيونية

أعاد الفلسطينيون، وبشكلٍ حاسم هذه المرة، نفي وجود أي علاقةٍ تجمع قضيتهم بالأنظمة القمعية العربية، فمن يثور من أجل نيل حريته وحرية بلاده ضد نظامٍ استعماري، لن يناصر نظامًا استبداديًا يقمع شعبه ويصادر حريته. وكما أن الحرية لا تتجزأ، فإن الاستبداد لا يختلف عن الاستعمار. ومن تستر خلف افتراءات الأنظمة لتبرير وقوفه ضد فلسطين، لن يستطيع فعل ذلك بعد التضامن العالمي الواسع الذي انتزعته القضية الفلسطينية بوصفها قضية حرية وعدالة، ونضال شعبٍ ضد كيان عنصري استعماري يمثِّل نموذجًا آخر للأبارتهايد والاستعمار الاستيطاني. إنها قضية تحررٍ وطني تتلاقى مع ثورات الربيع العربي، بل هي أوله.  

وإلى جانب جميع مكاسبها، أعادت هبَّة الفلسطينيين الأمور إلى نصابها، حيث دحضت ما روجته الأنظمة المتصهينة من سردياتٍ زائفة، وحشرت من انساق خلفها وتبناها في الزاوية، كاشفةً له أن ما يقوم عليه موقفه من فلسطين، محض وهمٍ وافتراءاتٍ واختراعاتٍ لا أساس لها، وأن الحقيقة الوحيدة تكمن في ما يقوله الفلسطينيون.

وربطت الهبَّة حرية العرب بحرية فلسطين، وأكدت أن لا فرق في هذا السياق بين من يناضل ضد نظامٍ استبداديٍ وآخر استعماري. كما أنها بددت أجواء اليأس التي سادت خلال السنوات الأخيرة، وأبطلت مفاعيل محاولات إنكارها وتصفيتها ووأدها والحشد ضدها أيضًا. إلى جانب تأكيدها أن للشعب الفلسطيني وحده حق تقرير مصيره، وتقرير الطريقة والمكان والزمان الذي ينتهي فيه صراعه مع الكيان الصهيوني، إضافةً إلى حسمها مسألة الحضور الفلسطيني في الوجدان العربي والإسلامي والعالمي أيضًا.

أعاد الفلسطينيون في هبَّتهم الأخيرة وبشكلٍ حاسم نفي وجود أي علاقةٍ تجمع قضيتهم بالأنظمة العربية الاستبدادية

لقد أعاد الفلسطينيون شرح وتفسير وتعريف قضيتهم بأسلوبهم الخاص، وبشكلٍ برهنوا من خلاله أنه لا مكان للحيرة بعد الآن تجاه هذه القضية، فإما أن تكون في صفها، وبالتالي في صف الحرية والعدالة والديمقراطية والحق في العيش الكريم. وإما ضدها، ضمن محور الاستبداد والاستعمار والاحتلال والحصار والعنصرية والتطهير العرقي وسلب الحق في تقرير المصير أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: ثورة في فلسطين التاريخية

الهبَّة بداية جديدة للقضية الفلسطينية. وما فعله الفلسطينيون خلال الأسابيع الأخيرة أنهم بيَّنوا لنا، لجيلنا تحديدًا، حقيقة قضيتهم وحقها علينا، وقدَّموا لنا درسًا في معنى الحرية والعدالة، أول ما تَعِدُ به قضيتهم.. وقضيتنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن الحقّ في رفض إسرائيل

ملف| 73 عامًا: فلسطين ثورة.. فلسطين ربيع