انتصرت غزّة، ماذا بعد؟

انتصرت غزّة، ماذا بعد؟

مشهد من غزة (Getty)

المجد للشهداء.

كانت معركة تقليدية تمامًا على أهلنا في غزّة، نعزّي أنفسنا بخسارة جزءٍ من شعبنا كنّا نحب أن يكونوا معنا اليوم لنحتفل سويًّا بالكرامة والعزّة التي ردّوها إلينا بعد سنواتٍ عجافٍ، ظننا فيها أننا حين نقول اسمُ وطننا الأم، سَنلقى سيلًا جارفًا من اتهاماتٍ زائفة، وكراهية عمياء نعجزُ أن نتصدى لها.

كان الفلسطيني بحاجة لكل ما حدث، كان جديرًا بأن تصل روايته لكل العالم، كان العالم بحاجة لهذه الصدمة ليصحو من سباتٍ طالَ كثيرًا

شكرًا لباب العامود أولًا، ولأهالي الشيخ جرّاح، وآل الكرد، ولللد، وغزّة، وللمقاومة.

اقرأ/ي أيضًا: في ضرورة التحرر من نكبة الوهم والاستسلام للصهيونية

كان الفلسطيني بحاجة لكل ما حدث، كان جديرًا بأن تصل روايته لكل العالم، كان العالم بحاجة لهذه الصدمة ليصحو من سباتٍ طالَ كثيرًا، كثيرًا جدًا للدرجة التي اختلفت فيها معايير العدالة الانسانية، فصارت تحكمُ على الإنسان من لونه وعِرقه.

ما الذي سنفعله بانتصارنا؟

لقد حققت دماء الشهداء في غزّة، واللد، وأم الفحم، وجنين، ورام الله، وكل مدن فلسطين ما عجزنا عنه لسنين طويلة. ضربنا لوغاريتمات معقدة تتحكم في عقول البشر، تجاوزنا محددات تافهة وضعت لخدمة المُستَعمر على وسائل التواصل الاجتماعي بفضل تكاتفنا كلّنا حول هدفٍ محدد، وحين أيقنّا أنه باستطاعتنا أن نستمر لم نبخل بشيء ليصل صوتنا.

تظاهرنا، اعتصمنا، كتبنا، وقّعنا عرائض، أضربنا، قرأنا، غنّينا، صمدنا، حاورنا، أجبنا، ترجمنا، شاركنا، بكينا من فقدنا، شتمنا، ضَعُفنا، صلّينا، وآمنّا أننا سننتصر.

لم يتوقع ابن فلسطين المقيم على بعد آلاف الكيلومترات عن الوطن أنه حين يهتف باسمها سيسمعُ الصدى قادمًا من لندن ونيويورك وأوتاوا وكوبنهاجن وسيدني وشيكاغو وتورنتو وبرلين وروما وباريس وكل مدينة على هذه الأرض، كان النَفَسُ الفلسطيني يتكلم بكل اللغات، فأحدث رجّة كافية ليعيد هذا العالم النظر بما اقتنع به على مدى عقودٍ سبعة فيراجع حساباته.

لقد خزّن الفلسطيني قهرًا كافيًا لينتفض اليوم، هذا الإنسان العادي الذي لم ينس تجارب أجداده، وظنّ العالم أنه نسي، تعلّم وتثقف وتسلّح بكل وسائل الحوار والاقناع والمواجهة، صارَ ندًّا لما ظنته "إسرائيل" أنه تكيف مع محيطه الجديد، وكان رهان الدولة المستحدثة خاسرًا.

تراجعت كل الاختلافات الايديولوجية بيننا جميعًا، لا فرق بين ابن الناصرة واللد وحيفا ويافا وطولكرم والقدس وغزة وجنين وعمان ودمشق وبيروت والقاهرة وكل مدن الشتات، وحّدنا "الضيف" كأنه قد جاء لزيارتنا، ووحدتنا عائلة "الكولك" كأنها انتزعت منّا فردًا، وأنين الكتب على أرفف مكتبة سمير منصور سمعناه في آذاننا، نحن الذين نطربُ لصوتِ تقليب صفحات الكُتب.

للغد، لما بعده، للمستقبل

على أساس انتصار غزّة علينا أن نبني.

علينا أن نبني خارطة جديدة، نستغلُّ فيها كل ما حققه محمد ومنى الكُرد، وتامر نفّار، وعرفات الحاج، وبلال شلش، ونور عريقات، ويارا هواري، أن نبني على الخطاب الحديث للقضية الفلسطينية، أن نستغل طاقات شبابنا الذي أبدع في رواية قصّته عبر كل المنابر وبكل لغة أتيحت له، أن نجمع كل هذا الجهد في حيزٍ ليكون جاهزًا للرد على الهجمة الصهيونية المتوقعة بعد كل الذي حدث، فالعدو لن يدّخر جهدًا في مهاجمة ما أنجزناه، وسيعمل على تشويه صورتنا مجددًا، كما فعل منذ أكثر من سبعين عامًا.

إن ما حصل أثبت أنه بإمكاننا أن نغير ثوابت هذا العالم الهش، رواية صادقة موثقة هي كل ما نحتاج لنكسب العديد من الأصوات التي كانت تهتفُ ضدّنا، ومنها يمكننا أن نؤسس لمستقبل مختلفٍ عمّا عشناه.

رواية صادقة موثقة هي كل ما نحتاج لنكسب العديد من الأصوات التي كانت تهتفُ ضدّنا، ومنها يمكننا أن نؤسس لمستقبل مختلفٍ عمّا عشناه

نحتاج اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى ائتلافٍ شعبي فلسطيني عالمي يتبع سير عمل الجماعات المؤيدة "لإسرائيل" والصهيونية، بحيث يتم التحالف فيما بيننا لنخلق فضاءً عالميًا ونروي قصّتنا للجميع، وكما رأى العالم أجمع أن الواقفين مع عدالة قضيتنا كثر، فإن هذا الأساس لا بد أن يخدم هدفنا الرئيس نحو التحرر والاستقلال.

اقرأ/ي أيضًا: في غزة المكتبة تواجه حربًا

فلنتعلم من أخطائنا وتجارب العدو، فمعركة التحرير طويلة، تبدأ من إسقاط كل الأصنام السياسة التي قادت فلسطين إلى مسخ دولة بشتّى فصائلها وحركاتها، وتنطلق من مشروعٍ وطنيٍ جامع، ولتكن شعارات اليمين واليسار والوسط مختلطة اليوم، ولنحتضن كل من يختلفُ عنّا طالما أننا نشترك معًا في الهدفِ النهائي، وفيما بعد، حين نحقق ما نريد، سنفردُ خلافاتنا على طاولةٍ صغيرة في غرفة مغلقة، وإلى أن تحينَ تلك اللحظة، سنصيرُ أكثر تقبلًا لكل شيء على الأرض التي حررناها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثورة في فلسطين التاريخية

عن الحقّ في رفض إسرائيل