مسلسل

مسلسل "سكويد غيم".. قتل ما تبقى من قيمة الماضي

من المسلسل (IMDB)

منذ ظهور المسلسل التشويقي "سكويد غيم" (Squid Game) على منصة نتفليكس في منتصف أيلول/سبتمبر الماضي، انتشر مثل شعاع ضوء، بدأ أولًا بتصاعد سريع في عدد المشاهدات في كوريا الجنوبية، ثم انتقل إلى الأكثر مشاهدة في الولايات المتحدة، حتى وصل إلى مكانة المسلسل الأكثر شعبية ومشاهدة على منصّة نتفليكس.

هونغ دونغ هيوك، مخرج وكاتب المسلسل، ظل عشرة سنوات يبحث عن جهة انتاجية ولم تفلح محاولاته. في الأخير، ظهر لنا بمسلسل ذا صيت عالمي. مجموعة من الفقراء المثقلة بالديون تنتقل بفعل الفقر، من مفارقة الحياة في الخارج، إلى مفارقة أخرى، أكثر قربًا من الموت، وكذلك أكثر قربًا من فردوس جديد معزز بمليارات كثيرة، كل ما هو مطلوب منهم أن يتجاوزوا مجموعة من الألعاب. من يتم إقصاؤه عند الخسارة، يتم إقصاؤه بطلقة نارية!

يحاول "سكويد غيم" بجدّية أن يستقطب النجاح التجاري والجماهيري، لكنه دائمًا متخوف من الوقوع في فخ السذاجة الدرامية

أسئلة كثيرة ظهرت مع انتشار المسلسل، تتصل واحدًا وراء الآخر، وتخلق موضوعات إشكالية حول حيثيات العمل التجاري، وكيفية خلق موازاة بين النجاح الجماهيري والجودة الدرامية. أسئلة أخرى، حول الدلالات المباشرة، الناقدة بحدّة اقتصاد النظم الرأسمالية العالمية وفي كوريا الجنوبية كمرجع محلّي للعمل، وتأثيرات هذه النظم على الطبقات المتوسطة وما دونها.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "سكويد غيم".. إشارة حمراء على طريق الدراما

حفل المسلسل بعنف مفرط ودموية تبدأ منذ أول حلقة وتستمر حتى الحلقة الأخيرة. الجدل الواسع، بين مؤيد للعنف على الشاشة، وبين معارض له، يحيلنا إلى فرض أسئلة تتعلق بحضور العنف على الشاشة سواء في الدراما أو السينما، كيف نتعاطى معه؟ وكيف ينعكس علينا؟

الوصفة التجارية

يعاني سيونغ جي هون من حياة بائسة، وضع مادي فقير وحياة اجتماعية متهالكة، وهو بدوره يزيد بسذاجة وأنانية سوء وضعه الحياتي. مقامر فاشل، يسرق بطاقة والدته الائتمانية ويسحب منها نقودًا. متورط مع جماعة بسبب قروض مالية، يصل به الأمر إلى إمضاء تنازل عن أعضائه، كحل بديل لسداد ديونه، في حالة أنه لن يسددها نقدًا خلال فترة قصيرة. كل ذلك يجتمع مع خسارته حضانة ابنته التي تعيش مع أمّها، زوجته السابقة. يلتقي سيونغ برجل في محطة المترو، يعرض عليه لعبة بسيطة، ومن ثم تتداعى به الأحداث إلى التواجد وسط مجموعة من الفقراء المتورطين في عدة ألعاب طفولية، من يتجاوز جميع مراحلها يكسب مبلغ ضخم، ومن يخسر يموت، تدرك المجموعة هذه القواعد حينما ترى الخاسرين منثورين مثل الأرز حولهم في باحة اللعبة الأولى.

الحلقة التقديمية للمسلسل، تقدم شخصية مركزية تتمثل فيها البطولة، تحمل طباع متناسبة بين الخير والشر، لكنها عادة تميل إلى الحلول الغيرية خاصة في أوقات الأزمات الفارقة. هناك التواءات درامية لا نستطيع أن نقول عنها أنها مبتكرة، لكنها جيدة على كل حال، تمثّل حبكة مثيرة للعمل، تعطيه انطباع حكائي بالتماسك، وتخلق حالة تشويقية مستدامة تضمن انتباه المشاهد وتعاطفه.

يحاول المسلسل بجدّية أن يستقطب النجاح التجاري والجماهيري، لكنه دائمًا متخوف من الوقوع في فخ السذاجة الدرامية. بناء تقليدي، صراعات بين أطراف متعددة وألعاب تعزز الموسيقى حيويتها وحالتها التشويقية، وحلقات مفقودة تجتمع جزئيًا في المسار المتجه إلى الحلقات الأخيرة. هذه الطريقة التي تم صناعة المسلسل بها، محفوفة بأفكار كبرى، تتعلق بنقد البنية الطبقية في المجتمعات الرأسمالية. دلالات مركزية يعاني العالم منها ومن إيقاعها الحداثي العنيف. لكن هل استطاع العمل، أن يوازي بين الجودة والانتشار الجماهيري؟

واحدة من العوامل السلبية التي ظهرت في "سكويد غيم" هي ضعف كتابة الشخصيات لصالح خلق أحداث تشويقية متكررة في كل حلقة

واحدة من العوامل السلبية التي ظهرت في المسلسل هي ضعف كتابة الشخصيات لصالح خلق أحداث تشويقية متكررة في كل حلقة. يقول كيونغ هيون كينغ، مخرج وأستاذ الدراسات البصرية في جامعة كاليفورنيا، أن شخصيات المسلسل كانت سطحية على مستوى ملحوظ. معظم الشخصيات، تقع جميع اشتباكاتها حول ممارسة الألعاب وفرص النجاة، لكن الدوافع الفردية لهذه الشخصيات مختفية. الاشتباك المشترك، حول كونهم فقراء، مدفوعين برغبة قوية في البقاء، هو التقاطع الوحيد الذي يجمعهم، لكن هذه الاشتباكة ليست كافية، كي تضع أرضية فردية لكل شخصية، وتؤسس خلفية منطقية، وامتداد تفصيلي، لكونها هنا في ذلك المكان، تدافع عن فرصتها في إمكانية عيش حياة كريمة. سطحية الشخصيات المعروضة تواجدت بفعل الرغبة في خلق حدث لا يخلو من تشويق دائمًا، لذلك تظهر الحلقات التسع للمسلسل، معززة بعوامل تحافظ على لفت انتباه المشاهد، لكنه يظل انتباه لحظي، قصير المدى، يبدأ مع المشهد، أو اللعبة، وينتهي بعدهما سريعًا.

اقرأ/ي أيضًا: كوريا الشمالية: "سكويد غيم" يعكس وحشيّة المجتمع الرأسمالي في كوريا الجنوبية

الرغبة في خلق شخصيات متعددة، لكل واحدة منهم خصوصية عالمها، بدت موجودة بشكل أولي، لدينا مجموعة من النماذج المتباينة، الحافلة بنسبية الخير والشر، لكن هذه التركيبة عادة ما تختفي، وتصبح الشخصيات ذات اتجاه موّحد، يندفع إلى الحدث المركزي بصورة تجعلها مجهولة ورمادية. يمكن اعتبار أن الإنكار الجزئي لحضور الشخصيات، هو دلالة لكونهم فقراء، مجرد مجموعة من النكرات، تصارع من أجل التحقق الذاتي من خلال المال، لكن حتى ذلك الاعتبار يجعل الشخصيات مبتورة جزئيًا بشكل جماعي، خاصة في حالة تبرير دوافعها للهروب من حالة الإنكار هذه.

الأبعاد التشويقية للمسلسل، حققت له انتشار جماهيري كبير، وانتظار حماسي للموسم الجديد، لكن اللجوء إلى الانتشار والشعبية، بدأت بوادره السلبية على الموسم الثاني قبل أن يتم البدء في العمل عليه. في حوار لمخرج المسلسل، عبّر هوانغ عن شعوره بالضغط تجاه الموسم الثاني، وعن مخاوفه من عدم قدرته على خلق موسم جديد ينال رضا المشاهدين، بعدما علَت توقعاتهم مع الموسم الأول. تشير تخوّفات هوانغ إلى تأثيرات المزاج الجماهيري على توجه العمل الفني. الأمر لا يتعلق بتجاهل المشاهد كليًّا وإغراق العمل في حالة نخبوية، لكنه يتعلّق بتجنّب وضع الرضا الجماهيري كحكم مطلق على نجاح المسلسل، ومركزة عملية صناعة المحتوى كله من خلال ذلك الدافع.

التوقعات المنتظرة تنحسر بشكل ما في إعادة تدوير حالة التشويق الحاصلة في الجزء الأول، بدلًا من انتظار أحداث جديدة وضع المسلسل لها أرضية مبدئية، رغم أن العمل بالفعل في نهايته ترك مجموعة من الأحداث المفتوحة، لكنها ليست كافية، ولم تبلور للشخصيات حضور طويل المدى، لذلك لا يبقى للعمل سوى ميزته في خلق حلقات متتابعة تقوم على التشويق.

ماذا فعلت بنا الرأسمالية؟

في منتصف أيلول/سبتمبر عام 2008، قدم بنك "ليمان براذرز" (Lehman Brothers) مذكرة إفلاس إلى الحكومة الأمريكية، وتم تقييم هذه الانتكاسة الاقتصادية للولايات المتحدة، بأنها الأقوى بعد حادثة 11 أيلول/سبتمبر في 2001. لم تسلم الدول الكبرى مثل كوريا الجنوبية من تأثيرات الكساد الاقتصادي. تأثّرت عمالة كورية كبيرة وكان هوانغ مخرج المسلسل واحدًا منهم، وكانت هذه الحادثة هي النبتة الأولى لكتابة المسلسل. عندما تولّى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، شعر هوانغ بأن فكرته ذات الطابع الديستوبي، أصبحت مثل توثيق واقع مطّعم بمجاز الصورة والمعالجة الدرامية، يقول هوانغ بأن تولّي ترامب للرئاسة بدا مثل إدارته مجموعة العاب مميتة وليس رئاسة دولة كبرى. رئاسة ترامب كانت السبب الأكثر مركزية في انتهاء نص المسلسل على شكله الحالي.

في كوريا الجنوبية، توزع أسباب الانتحار بين مشكلات نفسية، ومشكلات اقتصادية تتعلق بسداد القروض البنكية وصعوبة التقديم على الجامعات

تعتبر كوريا الجنوبية من الدول ذات الاقتصاد العالمي العالي. تشغل المركز السابع كأكبر دولة لديها صادرات والمركز السادس كأكبر دولة عالمية مستوردة، لكن استقرار الاقتصاد الكوري العالمي، ينعكس سلبيًا على الطبقات المحلية للمجتمع. باعتبار أن كوريا الجنوبية دولة حداثية لديها سوق استثماري مفتوح وهامش واسع من الخصخصة، وبالتالي تقيم تقسيمتها الطبقية على نظام هرمي تعاني فيه الطبقة المتوسطة من صعوبة التقديم إلى الجامعات وثقل القروض البنكية، ناهيك عن الانغلاق الذاتي لدول شرق آسيا، والذي يجعلها من الدول الأعلى نسب انتحار في العالم.

اقرأ/ي أيضًا: مسلسل "سكويد غيم".. سيكولوجية البقاء بمصيدة الفقر في ألعاب الموت

في كوريا الجنوبية، توزع أسباب الانتحار بين مشكلات نفسية، ومشكلات اقتصادية تتعلق بسداد القروض البنكية وصعوبة التقديم على الجامعات.

يقدّم العمل شخصيات تعاني من عثرات اقتصادية توشك أن تودي بحياتها، ومن خلال وضع نماذج الطبقة الوسطى المختلفة قبالة التفّحش الرأسمالي، يحاول العمل أن يتناول سؤال تبعات الرأسمالية على المجتمع الكوري الجنوبي وعلى العالم. تنتقل الشخصيات من عالم رمادي، كئيب ومقبض، مثل حصار متكامل، وتجد نفسها مرة واحدة، مجموعة من المتسابقين في جزيرة نائية تحت الأرض، مكان مفعم بالحيوية والألوان الزاهية والموسيقى الهادئة أحيانًا، والحيوية أحيانًا أخرى، خاصة قبل بداية الألعاب. عند ذوي الثراء الفاحش، وإمكانية الفوز بالجائزة المالية الكبيرة، يمكن للفردوس المفقود أن يتحول إلى فردوس مستعاد.

الفكرة الأساسية للعمل، تتجلى حينما تجتمع الشخصيات من عوالمها المتفرقة وتبدأ في مسابقة الألعاب المتتابعة. المسابقة بجائزتها وكل حيثياتها، مصنوعة لأجل الاستمتاع. لأجل المزاج المقامر عند مجموعة من الأثرياء الأمريكيين، ولأجل فكرة يبلورها العمل في حلقتيه الأخيريتين "ما يجمع الفقير والغني، أن كلاهما لم يعد يستطيع الاستمتاع بالأشياء". لذلك يعيد المسلسل حيثيات العيش الممتع نسبيًا، ماذا لو تلعب نقود الأثرياء بحياة الفقراء؟

تنتشر في كوريا الجنوبية نوعية البرامج التنافسية، بدلًا عن البرامج الحوارية مع النجوم. تمتلئ القنوات بشباب يافعين، يتنافسون خلال بث مباشر في ألعاب تافهة. من ناحية أخرى، المجتمعات الشرق آسيوية لديها إرث شعبي مميز، ألعاب الطفولة جزء مركزي من الذاكرة الشعبية المحلّية للمجتمع الكوري. يقول هيونغ هيوم كينغ أنه ترك كوريا الجنوبية وهو في العاشرة من عمره، لذلك لم تبق له ذكريات كثيرة هناك، لكن الباقي المؤثر منها هذه الألعاب التي كانت منتشرة في جيل ما قبل الإنترنت، يوضح هيونغ أن هذه الألعاب، تكمن ميزتها وبراءتها الطفولية، في كونها ممتعة لأجل ممارستها، بعيدًا عن حيثيات التنافس والمكسب والخسارة، تتبلور جوهرية الجمال في اللعب بين الأطفال من خلال الميكانيزم نفسه لا من خلال النتائج.

يلعب "سكويد غيم" على أن التفحّش الرأسمالي لم يعد محتكرًا للحاضر فقط، بل بدأ في قتل التاريخ الشخصي

يلعب المسلسل بحرفية خلّاقة على هذه الفكرة أن التفحّش الرأسمالي لم يعد محتكرًا للحاضر فقط، لم يعد ممتلكًا بشكل كليّ للمكاسب المعاصرة، بل بدأ في قتل التاريخ الشخصي، أو بصورة أكثر تفصيلًا، بدأ في قتل ما تبقى للفرد المعاصر من قيمة في الماضي بعدما استحوذ كليّا على حاضره.

اقرأ/ي أيضًا: 7 حقائق غريبة عن مسلسل "سكويد غيم" الكوري

تتأثر الجهة التي ينقد بها المسلسل الاقتصاد النيوليبرالي بنقد ميشيل فوكو للنظرية الليبرالية في السلطة. ينظر فوكو إلى تطورات السلطة الحديثة من نواح تحتيّة، تتجاوز الصورة التقليدية للسلطة السياسية. عند فوكو، يمكن إدراك تبعات نظم قمعية من خلال علاقة بين ثلاثية "السيادة، الانضباط، الأمن"، ومن خلال هذه الأدوات تندفع السلطة إلى فصل الوضع الاقتصادي عن المجتمع، وتدفع الأطراف المقهورة إلى حلول في ظاهرها هي حلول بديلة، لكنّها حلول وليدة سيادة السلطة، تفصل الفرد عن محيطه الاجتماعي، وتجبره بصورة مستترة على مجاراة الخيارات المتاحة.

في "سكويد غيم"، تخوض الشخصيات رحلة مماثلة لرؤية فوكو، تقع تحت إطار سلطة غير مجهولة، تحكم الأفراد المقهورين بالديون في لعبة مميتة، وتتعامل معهم داخل إطار اللعبة بعدالة صارمة، جزيرة الألعاب متجاوزة للذات السلطوية، حيث كل أفراد الأمن ومدير اللعبة بزيّ كرتوني ووجوه متخفيّة، لذلك يكون حكمهم من خلال سيادة متجاوزة للذات، تفرض هذه السيادة سلطتها من خلال وضع تنظيمي رقابي وعقابي، وبالتالي فهي لا تحتاج إلى العنف كحل أولي، بل تدرجه كقاعدة ضمن إطار سيستم اللعب، بحيث يكون مفهوم العنف عدالة نظامية.

انعكاسات العنف

خلال إحدى العروض الخاصة لفيلم "The Dark Knight" في ولاية كولورادو الأمريكية، قام جيمس هولمز، أحد الحاضرين في قاعة السينما، وأطلق النار على المشاهدين بصورة عشوائية، قتل اثنا عشر شخصًا وأصاب أكثر من خمسين. كان هولمز أحد طلبة الدكتوراة في علم الأعصاب بجامعة كولورادو، وبعد اعتقاله لم يثبت عنه أي جناية سابقة.

شغلت الحادثة السابقة وقت وقوعها الأوساط الفنّية والعلمية، وبدأت من خلالها أسئلة حول مدى تلقّي الجمهور للعنف على الشاشة وكيفية انعكاسه على واقع المجتمع. العنف بدوره أداة مركزية على الشاشة، تكون ضرورية أحيانًا في النظر لموضوع ما، ومعالجته من خلال السينما أو الدراما. اعتمد تارنتينو منذ أفلامه الأولى على العنف كمادة فيلمية أساسية لا غنى عنها، يمكن إعادة كتابة التاريخ الحديث من خلالها، مثلما حدث في "Inglourious Basterds". المخرج لارس فون ترير، في فيلم "The House That Jack Built"، اتخذ من القتل ركيزة أساسية لبناء شخصية الفيلم، كي تعبّر عن فائض العنف في عالمنا الحالي، كبديل رمزي عن الخواء الحداثي والحصار الوجودي المطبق على الفرد المعاصر.

بعد انتشار "سكويد غيم" في الولايات المتحدة، لاحظ مشرفو المدارس بعض الأطفال والمراهقين يقلّدون العاب المسلسل

بعد انتشار "سكويد غيم" في الولايات المتحدة، لاحظ مشرفو المدارس بعض الأطفال والمراهقين يقلّدون العاب المسلسل، وبدأت المدارس والمؤسسات التعليمية في عدة ولايات إرسال إيميلات تحذير لأولياء الأمور من السماح للأطفال والمراهقين بمشاهدة المسلسل.

اقرأ/ي أيضًا: شاهد: رامي مالك يؤدي أغنية تلخص قصة مسلسل "سكويد غيم" بلمسة كوميدية

في المسلسل يتمركز العنف ومعه الإفراط الدموي حول الأحداث، يرعاها طوال عرض الحلقات، مشاهد قتل الخاسرين في اللعبة لا تمر سريعًا بل يتم الوقوف عندها أكثر من الوقوف عند أي مشهد آخر مهما كانت مفارقته. في الحلقة الأولى من المسلسل، عندما يفاجئ المتسابقين بأن الخاسر في اللعبة يتم قتله في الحال. يشاهد مدير المكان المتسابقين وهم يتساقطون واحد وراء الآخر على أنغام أغنية "Fly Me To The Moon". بإيقاع بطيء، وأغنية رومانسية، يتساقط المتسابقون في حالة سخرية مستترة، وتختفي أسماؤهم على الشاشة الأرضية كإحصائية رقمية سريعة أسفل قدم المدير.

العنف الذي يقدمه المسلسل يحيلنا إلى تأمل العلاقة في الفجوات الطبقية، الحلقات الأخيرة تشهد توازيات فارقة، حيث يموت بعض المشاركين في إحدى الألعاب الأخيرة، بينما يشاهدهم مجموعة من الأثرياء قطعوا المسافة من أمريكا إلى كوريا الجنوبية كي يشاهدوا هل سينجح رهانهم أم لا. يشير موت المتسابقين إلى دلالة التحكم المطلق، واحتكار رفاهية الاستمتاع التي تبيحها سلطة الفرد. حالة موازاة تتبدل فيها المشاهد ما بين تسلية طرف وأزمة طرف آخر.

أبعاد العنف الذي يقدم كركيزة للألعاب تحاول تدنيس براءة الصورة الطفولية لها، لكن الأمر لا يخرج عن كونه مجرد متعة لأطراف لديها صلاحية. ينعكس العنف هنا على مدى بؤس الطبقات المتوسطة في النظم الرأسمالية، حيث لا تتخلى فقط عن إنسانيتها وتتحول إلى أدوات ترفيهية، بل تتحول مع تكرار الألعاب إلى فئران تجارب في وسط وحشي، لا يضمن حق التساوي في الاختيارات. كلما تجاوز عدد من المشاركين في الألعاب مستويات أكثر، كلما قل عددهم، وأصبح كل منهم في علاقة مباشرة ذات تفصيلات أكثر مع الآخرين، حيث يتم وضع كل منهم في إطار حرج، يتعلق بصعوبة الاختيار بين الذات والآخر. أو بالأحرى بين حياته وحياة الآخر.

بإيقاع بطيء، وأغنية رومانسية، يتساقط المتسابقون في حالة سخرية مستترة، وتختفي أسماؤهم على الشاشة الأرضية كإحصائية رقمية سريعة أسفل قدم المدير

مع تتابع الألعاب يستجيب بعض المتسابقين للعنف كحل جذري للخلاص من بؤس حياتهم السابقة والفوز بالجائزة الضخمة، هنا تتحول أداة التوجيه كانعكاس على التلقّي الأعمى لأطراف اللعبة الضعيفة، يتحول العنف الأولي، الذي بثّته السلطة المتحكمة في الألعاب في إطار نظامي، إلى عنف تبادلي بين المتسابقين وبعضهم. عنف تبدو تركيبته الموجهة، بين مقامرين أثرياء يضحكون على أشخاص يلقون ببعضهم من مساحة عالية خلال لعبة مميتة، وبين أناس تنتهي حياتهم خلال ندّية تشربوها فيما بينهم ببؤس وسذاجة. تشبه حالة تلقي العنف عند المتسابقين بتجربة بافلوف على مجموعة من الكلاب، وضع على جانب فم كل كلب أنبوبة لقياس مدى إفراز اللعاب حينما يوضع الطعام أمام الكلاب، لكنه لاحظ مع تكرار التجربة أن الكلاب يسيل لعابها بشكل مكثّف حينما تسمع صوت أقدامه يقترب، حتى في الحالات التي لم يكن ينوي فيها تقديم الأكل لهم. عند مستوى متطور من التجربة، وضع بافلوف جرس بجواره، وبدأ في رنّ الجرس عدة مرات قبل تقديم الطعام للكلاب، وعندما اعتادت الكلاب على إقتران صوت الجرس بتقديم الطعام، بدأ يسيل لعابها حتى في المرات التي لم يقدم بافلوف الطعام فيها.

اقرأ/ي أيضًا: ما قصة مسلسل "سكويد غيم" الذي حقّق شهرة عالميّة عبر نتفليكس؟

نتجت عن هذه النظرية تعريفات جديدة للاستجابة الشرطية والأخرى غير الشرطية وعلاقتها بالمحفّز المقدّم. تتلاشى الفوارق بين تقديم شيء مرغوب بشرط ما وبين تقديمه غير مشروط، في حالة استدامة التحجيم طويل المدى، وتقليص إمكانية الانتقاء وحدود العدالة.

في الأخير، ينحاز صانع المسلسل إلى رؤى تفاؤلية في نهاية المسلسل، تدفعنا لتأمل إلى أي درجة تأكل الرأسمالية نفسها بينما هي تتفحش، لأن الغضب المتأتي من جحيمية عيش الطبقات المتدنية لا بد أن لديه أوان خروجه. وربما هذه هي النقطة التي توقف عندها الجزء الأول من المسلسل. كيف سيكون رد فعل الناجي الوحيد من هذه اللعبة، وهو يبحث عن أنسنته مرة أخرى بعد تجربة دامية؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

شركات الإنترنت في كوريا الجنوبية تقاضي نتفليكس.. والسبب "سكويد غيم"

الموجة الكورية تغزو الإنجليزية: 26 كلمة جديدة تدخل قاموس أكسفورد في عام 2021