"مخيم" اللجوء الممنوع.. كيف تدعم أوروبا الاتجار بالبشر؟

وقفة احتجاجية في براغ ضد احتجاز اللاجئين في ليبيا (أ.ف.ب)

بعد التدقيق والشروط الإضافية التي فرضت على هجرة اللاجئين إلى الدول الأوروبية، مثل اشتراط إظهارهم للوثائق والتأشيرة قبل قبولهم في رحلة جوية، صارت الطرق التي يعتمد عليها طالبو اللجوء قليلة جدًا، مثل اجتياز البحر بالقوارب رديئة الجودة، وكانت نتائج الرقابة التي فرضها الاتحاد الأوروبي، أن نشأ سوق التجارة بالبشر والتهريب، وتطورت شبكات العاملين فيه. وفي هذه المقالة المترجمة عن صحيفة الغارديان البريطانية، يوضح توماس سبايكربوير، وهو أستاذ في قانون الهجرة في جامعة فريجي بأمستردام، كيف ساهمت سياسات الاتحاد الأوروبي  في تنمية وتعزيز السوق السوداء للهجرة، والتسبب بمقتل آلاف المهاجرين سنويًا.


نشرت قائمة اللاجئين الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الدخول إلى أوروبا  لأول مرة عام 1993، مع بيانات 62 شخصًا فقدوا حياتهم، معظمهم في وسط أوروبا. اليوم وصل العدد إلى 34,361، وهو آخذ في الازدياد.

نتيجةً للقمع، أصبح تهريب البشر سوقًا مستقلة وقد ارتفع مستوى التنظيم الهيكلي فيه

بعد سقوط الستار الحديدي في عام 1989، خافت أوروبا من تدفق ملايين المهاجرين. كرد فعل على هذا الخوف، أسندت السيطرة على الحدود لجهات أخرى. أولًا، قامت البلدان الأوروبية بالتنسيق فيما بينها بشأن سياسات التأشيرات، مما نتج عنه متطلبات التأشيرة المشتركة لمواطني جنوب الكرة الأرضية. وثانيًا، فرضت على شركات الطيران شروط التأشيرة قبل المغادرة، من خلال فرض غرامات صارمة. ثالثًا، أدخلت أوروبا تقنيتها الجديدة المقتبسة من صناعات الدفاع في الخدمة، حيث تراوحت هذه التقنيات بين قواعد البيانات ووثائق الهوية البيومترية. والآن فإن ثلاثة فقط من كل 10 آلاف مسافر يصلون إلى المطارات الأوروبية من خارج الاتحاد الأوروبي يمنعون من الدخول. وها قد اكتمل التنفيذ تقريبًا.

ونتيجة لذلك، انتقلت الهجرة بلا تأشيرة من وسائل النقل العادية "الطائرات والعبارات" إلى قوارب المهربين والشاحنات. في البداية، استخدمت شبكات التهريب الموجودة. وكان مهربو السجائر الألبان في الأدرياتيكي، والتجار النيجيريين في الساحل، على استعداد لنقل المهاجرين أيضًا. ولما كان تهريب المهاجرين قد أدمج في نطاق أوسع من الأنشطة، كانت الأسعار والجودة معقولة. في أواخر التسعينيات، بدأت الحكومات الأوروبية سياسات للقضاء على تهريب المهاجرين، بدءًا من عمليات الإبعاد غير القانونية إلى احتجاز المهربين وتدمير القوارب.

اقرأ/ي أيضًا: المافيا الإيطالية ومخصصات اللاجئين.. "الكوكائين" الجديد

ونتيجةً للقمع، أصبح تهريب البشر سوقًا مستقلة. وقد ارتفع مستوى التنظيم، رغم أنه لا يزال منخفضًا نسبيًا، وذلك لأن الأشخاص الذين يجنون الأرباح لا يريدون أن يكونوا على متن القوارب، لأنهم قد يواجهون خطر الاعتقال. ولأنه من المحتمل أن تدمر هذه القوارب عند وصولها، ولهذا انخفضت جودتها.

وكانت النتيجة ارتفاع الأسعار، وبالتالي هوامش ربح أعلى. ووفقًا لمنطق السوق، فإن هذا يجذب المزيد من مقدمي الخدمات (المهربين). كانت نتيجة السياسات الأوروبية عكس ما كان مقصودًا: زيادة عرض خدمات التهريب، وارتفاع الأسعار (وبالتالي زيادة تعرض المهاجرين للاستغلال في العمل)، وارتفاع المخاطر.

من ناحية الطلب، تتحدث الدول الأوروبية عن القنوات القانونية للهجرة لكنها لا تنفذ ما تعد به. المثال الأبرز على ذلك هو أزمة اللاجئين السوريين. فقد نزح نصف سكان سوريا البالغ عددهم 18 مليون نسمة،  ولجأ 5.6 مليون منهم إلى البلدان المجاورة، لا سيما تركيا ولبنان والأردن. لم تفعل أوروبا الكثير، حيث أعادت توطين عدد قليل منهم، على الرغم من أن ألمانيا استقبلت أكثر من نصف مليون لاجئ.

في العام الماضي، في قضية بلجيكية مثيرة للجدل، سئلت محكمة العدل الأوروبية ما إذا كان على الدول الأوروبية أن تصدر تأشيرات إنسانية لتمكين اللاجئين من الوصول إلى أوروبا دون اللجوء إلى المهربين. اعترضت الدول الأعضاء واللجنة الأوروبية بشدة. وفي مواجهة خيار يحتمل أن يكون متفجرًا، قررت محكمة العدل أن الحكم في القضية ليس من اختصاصاتها. ونتيجة لذلك تقع المسؤولية على عاتق الدول الأعضاء.

منذ الغرق المشؤوم لسفينة لامبيدوزا في 3  تشرين الأول/ أكتوبر عام 2013، نجحت الدول الأوروبية في إدخال العمل الإنساني في دورة السياسة هذه. وبوحي من العدد الكبير من الوفيات على الحدود، استبدلوا عمليات الإبعاد غير القانونية بالمنع من المصدر: الآن تعيد السلطات الليبية المدربة والمجهزة والمنسقة مع الدول الأوروبية، قوارب المهاجرين إلى الشواطئ الليبية.

تنفذ أوروبا سياسة تحقق المزيد من الطلب على خدمات التهريب، فضلًا عن جعل التهريب بأعداد كبيرة مع انخفاض الجودة أمرًا مربحًا

تحل مشكلة التعرض للتعذيب في معسكرات الاعتقال الليبية من خلال قيام المنظمة الدولية للهجرة، وهي منظمة حكومية دولية تمول بالكامل من قبل هذه الدول، بتنفيذ ما يسمى بالعودة الإنسانية إلى بلدان أخرى. وسيقدر محبو جورج أورويل أن هذه "العودة" تعتبر طوعية، لأن البديل سيكون التعذيب.

في الأسبوع الماضي، لجأت الحكومة الإيطالية إلى شكل تقليدي آخر من أشكال الردع. في تقليد سانت لويس في عام 1939 وقضية تامبا في عام 2001، رفضت إيطاليا ومالطة نزول أكثر من 600 شخص تم إنقاذهم من قبل سفينة أكواريوس غير الحكومية على شواطئها.

تتكون الاستجابة على الهجرة غير المصرح بها، والوفيات التي تصاحبها، من تكثيف التدابير ذاتها التي أدت إلى الهجرة غير المصرح بها في المقام الأول. تنفذ أوروبا سياسة تحقق المزيد من الطلب على خدمات التهريب، فضلًا عن جعل التهريب بأعداد كبيرة مع انخفاض الجودة أمرًا مربحًا. تظهر البيانات التي جمعتها المنظمة الهولندية غير الحكومية "المتحدة للعمل المشترك بين الثقافات" United for Intercultural Action أن عدد الوفيات شهد ارتفاعًا (التي تلقي الحكومات الأوروبية باللوم فيما يخصهم على هؤلاء المهربين الأشرار) وكذلك انخفاضًا (وبذلك يدعون أنها سياسة ناجحة).

اقرأ/ي أيضًا: "طلبكم مرفوض".. هل انتهى ربيع اللاجئين في أوروبا؟

 لكن المنحنى يتصاعد باستمرار، والحلقة المفرغة التي تنتجها هذه السياسة تصعب من تغير الأوضاع، ما لم تبدأ أوروبا بكسر الدائرة المفرغة. وهناك ثلاثة شروط لحدوث ذلك:

1- الغالبية العظمى من الوفيات على الحدود هم من الشباب الأفارقة، الذين يختفون في البحر الأبيض المتوسط ​​أو يجرفهم الموج على الشواطئ الأفريقية. في حين يستمر موتهم الخفي البعيد عن الأنظار في معظم الأوقات، تظل وفاتهم هذه شيئًا يمكن لأوروبا التعايش معه. إذا لم يتغير هذا، فإن أوروبا لن تكسر الدائرة.

2- يتفاعل صانعو السياسات مع الجهات الأمنية عن قرب من خلال جميع الطرق المألوفة "تبادل الأدوار، برامج البحث والتطوير التي يمولها الاتحاد الأوروبي، الاحتكاك في معارض التكنولوجيا"، مع استبعاد المجتمع المدني وأصحاب الشأن الآخرين. يجب أن ترفع صناعة الدفاع يدها عن وضع السياسات.

3- حين تصبح حياة ذوي البشرة السوداء ذات أهمية، يمكن لصانعي السياسات الشروع في مناقشة السياسات البديلة التي طرحها المجتمع المدني لسنوات. وهذا يتطلب أن يتوقف صانعو السياسات عن إنكار الحقائق التجريبية التي يزعمون أنهم يريدون تغييرها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أكثر من لاجئ".. حملة في مواجهة التطرف

جدل في فرنسا: هل يعيب اللاجئ أن يسعى للحصول على الجنسية؟