هواجس الانهيار ترسم خارطة الاتحاد الأوروبي المستقبلية

هواجس الانهيار ترسم خارطة الاتحاد الأوروبي المستقبلية

تنذر التطورات التي شهدها الاتحاد الأوروبي بمستقبل محفوف بهواجس الانهيار (توماس تروتشيل/ Getty)

ربما يكون شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري مفصليًا في تاريخ الاتحاد الأوروبي بخريطته الحالية، بسبب التطورات السياسية الأخيرة التي عصفت بأبرز دوله الأعضاء، بعد النتائج التي حققتها الأحزاب اليمينية في الانتخابات التشريعية، أو مطامح إقليم كاتالونيا الرامية للاستقلال عن الحكومة الإسبانية.

تنامت هواجس انهيار الاتحاد الأوروبي خلال الشهر الجاري مع قضية كتالونيا ومكاسب اليمين المتطرف في العديد من الدول

صعود اليمين الأوروبي في التشيك والنمسا

لم تمضِ أيام كثيرة على فوز مرشح الحزب المسيحي الديمقراطي سيباستيان كورتس في الانتخابات التشريعية النمساوية بنسبة 30.2% من الأصوات، حتى تلقى الاتحاد الأوروبي ضربة ثانية بإعلان فوز حركة "نعم" التي يرأسها الملياردير أندريه بابيش، بالانتخابات التشريعية في جمهورية التشيك.

اقرأ/ي أيضًا: "حتمية" انهيار الاتحاد الأوروبي.. مطالب الانفصال ليست كتالونية فقط

وبحسب تقارير الصحافة الغربية التي غطت الانتخابات في كلا البلدين، فإن المرشحين الفائزين بأكبر نسبة أصوات، يتشارك برنامجهما الانتخابي في أبرز بندين يثيران قلق الاتحاد الأوروبي، فلكل منهما مواقف متشددة إزاء سياسة الاتحاد بشكلها الحالي، ويقفان بنفس الصف الرافض لاستقبال اللاجئين من دول الشرق الأوسط.

وتأسس الاتحاد الأوروبي عام 1951، من ستة دول، وخلال الفترة ما بين عامي 1973 و1995 وصل عدد الدول المنضوية ضمن كيانه لـ15 دولة، ومنذ عام 2004 بدأ يشهد توسعًا جديدًا بانضمام دول الكتلة الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهي الدول ذاتها التي تملك خلافات حادة مع الاتحاد الأوروبي فيما يرتبط بمسألة ملف اللاجئين.

وبطبيعة الحال فإن اليمين الأوروبي تلقى دفعًة قوية في أيلول/سبتمبر الماضي، بوصول حزب "البديل من أجل ألمانيا" للبرلمان الألماني لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وهو واحد من أهم الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تملك برنامجًا معارضًا اتجاه اللاجئين والإسلام والتنوع الثقافي، ويطالب في المقابل بالخروج من منطقة اليورو.

هل لانتصار ترامب يدٌ في ذلك؟

حذّر معظم المحللين السياسيين إبان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، من مخاطر وصول ما أسموه بـ"الشعبويين" لمقاليد السلطة، والذين يمثل الملياردير الأمريكي أحدهم. ورافقت التحذيرات مخاوف من تأثير نتائج الانتخابات الأمريكية على قرار الناخب الأوروبي في الانتخابات التشريعية، والذهاب بالتصويت للمرشحين اليمينين.

وبالطبع كانت أكثر المخاوف من صعود اليمين الفرنسي ممثلًا بمارين لوبان في الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في أيار/مايو الماضي، والتي تملك علاقة طيبة من ترامب، لكن فرنسا، ورغم وصول المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون للسلطة والنتائج التي كانت أكثر من إيجابية لحزبه "الجمهورية إلى الأمام" في الانتخابات التشريعية، لم تستمر طويلًا بسبب خسارته لانتخابات مجلس الشيوخ التي عزز فيها اليمين الفرنسي مقاعده أكثر من السابق.

ويفسر خسارة حزب ماكرون في انتخابات مجلس الشيوخ السبب في تراجع شعبيته بنسبة 22% في استطلاع للرأي أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام في آب/أغسطس الماضي، وهو الذي قد يرخي بانعكاساته مستقبلًا على الحياة السياسية الفرنسية، حيثُ يشكل ماكرون إلى جانب المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل تحالفًا أخيرًا لمنع الاتحاد الأوروبي من التفكك بعد نتائج الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا، وصوت خلاله البريطانيون لصالح خروج لندن من الاتحاد الأوروبي.

وفي صورة تعبيرية تعكس حجم الشقاق بين دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، تداولت وسائل الإعلام صورًة لرئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي تجلس وحيدةً في منتصف طاولة اجتماعات أثناء انعقاد القمة الأوروبية قبل أيام قليلة في بروكسل.

تيريزا ماي تجلس وحيدة على طاولة اجتماعات أثناء انعقاد القمة الأوروبية الأخيرة (أ.ف.ب)
تيريزا ماي تجلس وحيدة على طاولة اجتماعات أثناء انعقاد القمة الأوروبية الأخيرة (أ.ف.ب)

انتفاضة الأقاليم

ولا تقف المرحلة المربكة التي تواجه الاتحاد الأوروبي عند صعود أحزاب اليمين، إنما تعدتها لتشمل أصوات الأقاليم الداعية للانفصال أو للحصول على المزيد من صلاحيات الحكم الذاتي. وتبدو قضية إقليم كاتالونيا أكثر تعقيدًا من الإقليمين الإيطاليين اللذين يطالبان بمنحهما صلاحيات أوسع.

وفي الأول من الشهر الجاري، صوت نحو 90% من الكاتالونيين لصالح الانفصال عن حكومة مدريد، بمشاركة نحو 2.26 مليون ناخب من أصل 5.34 مليون شخص يحق لهم الانتخاب. وساد الاستفتاء حالة من العنف التي استخدمتها حكومة مدريد لمنع المشاركة في عملية التصويت، وتجاهل الاتحاد الأوروبي دعوة رئيس إقليم كاتالونيا للمساعدة على حل النزاع مع الحكومة الإسبانية.

وشجع استفتاء كاتالونيا إقليمي فينيتو ولومبارديا، الأكثر ثراءً في إيطاليا، على إجراء استفتاء مماثل، لكن مطالبهما اقتصرت على الدعوة إلى منحهما صلاحيات أوسع من الحكم الذاتي، متجنبين الغوص في مسائل الانفصال، رغم أن لإقليم فينيتو تجربة سابقة في عام 2014، حين نفذ استفتاءً للانفصال عن إيطاليا، صوت فيه لصالح الانفصال 88% من الناخبين.

يشهد الاتحاد الأوروبي مرحلة مربكة، ليس فقط لصعود أحزاب اليمين المتطرف وإنما أيضًا لمطالب عدة أقاليم بالانفصال عن دولها

وبحكم الحال، فقد وقف الاتحاد الأوروبي ضد نتائج الاستفتاء في كاتالونيا. ويرى مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز ستيفن إرلانغر، أن الدور السلبي للاتحاد الأوروبي الذي تجاهل استخدام العنف من قبل الشرطة الإسبانية لمنع الكاتالونيين من الوصول لصناديق الاقتراع، سيجعلهم يعيدون النظر للاتحاد بصفته "وسيطًا محايدًا".

مصير محفوف بالأزمات المستقبلية

وقبل أيام من استلام مهامه في المكتب البيضاوي كرئيس للولايات المتحدة، هاجم ترامب الاتحاد الأوروبي في تصريحات صحفية، قائلًا إنه غير مبالٍ بمصيره، وهو ما ردت عليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بقولها: "نحن الأوروبيين نملك مصيرنا بأيدينا". وكان وصول ترامب المعروف بسياسته المعادية للاجئين، مُربكًا لقادة دول الاتحاد الأوروبي بشكلٍ ظهر واضحًا في تصريحات المسؤولين غداة إعلان النتائج النهائية للانتخابات الأمريكية.

اقرأ/ي أيضًا: كيف سيبدو 2017 في ظل رئاسة ترامب؟

والاتحاد منذ ما قبل النتائج الأخيرة للانتخابات التشيكية والنمساوية، أو نتائج استفتاء إقليم كاتالونيا؛ لا يزال عالقًا أمام مجموعة نقاط تهدد وحدته لم يتمكن من إيجاد حلول لها، إن كان من ناحية ارتفاع معدلات الفقر في دوله الجنوبية، أو أزمة اللاجئين الأخيرة التي اجتاحت الحدود الأوروبية منذ عام 2015، ما أدى لانقسام بين صفوفه بعد رفض دول الكتلة الشرقية استقبال حصتها من اللاجئين.

وبحسب "Tribune Content"، فإن وصول الأحزاب الشعبوية للحكم في دول الاتحاد، ليس أكبر المخاطر التي تهدده، إنما فشل قادته السياسيين خلال السنوات الخمس القادمة في خلق سياسة تناصر الوحدة الأوروبية، لأن استمرارهم في سياستهم الحالية سيؤدي لمزيد من التفكك.

وتنهج الأحزاب الشعبوية في سياستها للوصول للحكم استراتيجية من ثلاث مراحل، تبدؤها بالتأثير على سياسات الأحزاب الكبرى، وبعدها تدخل للبرلمان بكتلة صغيرة تمكنها من منع تشكيل الحكومة، وأخيرًا تشارك في الحكومة للتأثير على السياسة القومية، وهو بالفعل ما حدث مع ميركل مؤخرًا، التي وافقت على تقليص استقبال برلين للاجئين إلى 200 ألف لاجئ سنويًا، بعدما كانت من الدول المناصرة لاستقبالهم.

وكذلك على الاتحاد الأوروبي أن يلجم جموح روسيا الساعية للبروز على الساحة الدولية، فهي إلى جانب تدخلها لدعم النظام السوري منذ أيلول/سبتمبر 2015، ما دفع بالدول الغربية الداعمة للمعارضة السوري لمراجعة استراتيجيتها، قامت بمد خط أنابيب للغاز عبر جمهوريات يوغسلافيا السابقة عام 2016.

وإلى جانب ذلك برزت تصريحات عديدة لدبلوماسيين روس تحدثوا فيها عن حاجة الدول الأوروبية لروسيا، والتي أفصح عنها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بقوله: "خلال القرنين الماضيين لا شك أن كل المحاولات لتوحيد أوروبا في غياب روسيا لم تؤد إلا إلى مآسٍ مروعة".

وبطريقة ما أو بأخرى، فإن لافروف يعكس بشكل عام سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخارجية، حيثُ وصفت صحيفة الغارديان البريطانية دوره بأنه محصور بـ"العزف على الآلة الدبلوماسية من أجل ضبط الإيقاع الذي يصدره الرئيس الروسي"، كما أنها استذكرت تصريحات رئيس الحكومة الروسية ديميتري ميدفيديف في مؤتمر ميونخ للأمن، حين تحدث عن حرب باردة جديدة، والخطر من اندلاع حرب عالمية ثالثة، فضلًا عن مطالبته بمراجعة تركيب النظام الأمني الأوروبي بعد أزمة تدفق اللاجئين إلى دول الاتحاد.

تكشف التطورات الأخيرة الحاصلة في أوروبا، عن مستقبل محفوف بمخاطر الانهيار، لابد أن يتجهز لها قادة الاتحاد المعنيين باستمراره

وعليه، فإن مصير الاتحاد الأوروبي مع كامل التطورات السياسية التي طرأت على الساحة الدولية منذ وصول دونالد ترامب للحكم في الولايات المتحدة، يظهر ارتباطه المتين بما ستؤول إليه من خلال سياسة قادته خلال الأعوام الخمس المقبلة، وإلا فإنه على الدول الأوروبية أن تبدأ التحضير لتحالفات مستقبلية قد تعيدها إلى ما قبل تأسيس اتحادها حين كان لا يزال دولًا متفرقة خارجة حديثًا من الحرب العالمية الثانية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قمة الاتحاد الأوروبي.. العديد من القضايا المطروحة "أهم" من البريكست

الربيع الأوروبي.. بداية لتفكيك القارة العجوز