04-أغسطس-2022
محمد المطرود وسلالة العجاج

محمد المطرود وسلالة العجاج

يبدو لمن قرأوا محمد المطرود منذ "ثمار العاصفة"، مجموعته الشعرية الأولى، أنّ مبتغاه هو الوصول إلى كتابة سيرته الذاتية شعريًّا، أو اختراع سيرة ذاتية في الشعر. لكنهم حين يرونه، كتابًا بعد آخر، لا يكفّ عن ذلك المسعى يدركون أن السيرة ليست صفحات تُجمع فتصير كتابًا وينتهي الأمر، بل هي رحلة في رحلة الحياة، فبينما يعيش البشر حياتهم يومًا تلو آخر، مستذكرين في يوم تالٍ يومًا سابقًا، يحيا الكاتب أيامًا قليلة على مدار سنوات كثيرة، لشدة ما يعيد ويكرر الدخول والخروج من وفي الزمن، إلى درجة لا يعود بعدها متتابعًا أو متجاورًا، بل مادةً ليّنة قابل للتشكل في أشكال لا حدّ لها.

في مجموعته "ما يقوله الولد الهاذي"، راح محمد المطرود يتحدّث عن الآخرين، ليس الآخرون المحيطون به، بل آخروه هو، الآخرون الذين يحملهم معه. فالذات راحت تتقمص ذواتًا أخرى لتصير موضوعًا

بين خياري كتابة السيرة أو اختراعها، ملأ المطرود قصائده بناس ومزاج بيئته الأولى، بيئة الشمال الشرقي السوري. وفي منظور تراجيدي هو نفسه ثمرة من ثمار العاصفة شكّل لغته الخاصة التي تجمع بين البلاغة والغموض قوةً وصلابةً، كي تعبّر عن الكينونة.

بعد ثماني سنوات من "ثمار العاصفة" نشر مجموعة ثانية بعنوان "سيرة بئر". ورغم أن العنوان يعلن صراحة ما نذهب إليه من قيمة فائقة للسيرة، إلا أنّ بئره يقارب قصة النبي يوسف، ليحكي سيرة الخذلان والانكسار. السيرة ليست مجمل الأحداث التي نجد أنفسنا في خضمها، أو تلك الأشياء التي تحدث لنا، بل هي أيضًا حاصل مجموع الصرخات المكتومة في حلوقنا، والزفرات التي أٌرغمنا على دفنها في صدورنا، والندوب التي كلما لمحناها شعرنا بأنّ الجراح لا تزال طازجة. صار المطرود في مجموعته هذه بئرًا في صحراء، يختزن في داخله صراخ الهائمين والعطاش وأحزان المرميين إلى قاع الموت.

في "ما يقوله الولد الهاذي"، راح يتحدّث عن الآخرين، ليس الآخرون المحيطون به، بل آخروه هو، الآخرون الذين يحملهم معه. فالذات راحت تتقمص ذواتًا أخرى لتصير موضوعًا.

في مجموعته "اسمه أحمد وظله النار"، كتب مكابدة الخروج من سوريا نحو المنفى، في نصوص تروي سيرة طريق أخرى، لكنها تتصل بتراجيديا جماعية.

في "آلام ذئب الجنوب" وضع نصوصًا متفرقة تجمع اللغة والحكاية، دون أن تكون قصصًا أو قصائد، كي يحكي ما عاشه على شكل شظايا، هي شظايا عالمه.

والآن إذ يكتب "سلالة العجاج: وسم البدو وأنا/ النهايات والساعة الإضافية" فهو يذهب بوضوح ومباشرة إلى مبتغاه القديم، إلى قصته في عالم الشمال السوري المجهول، حيث كبر ونما فوق أرض المرويات الشفهية العذبة. بين قصة هدّار العاشق الذي يعيد المطرود إنتاجه، وبين قصصه الصغيرة، يذهب بنا النص إلى مماهاة السيرتين، فلا نعود نعرف هل صنعت الحكاية الكبرى الحكاية الصغرى، أم العكس؟ ولا نعرف هل هدار شخص حقيقي أم أنه من خيال السارد؟ وأكثر من ذلك: لا نعرف هل هذا السارد كان هناك، أم أنه جزء من خيالات لأناس لا نعرفهم؟

كتب المطرود سيرةً مخاتلةً مرة أخرى. مثلما فعل دومًا، لكنه وضع أكبر قدر ممكن من القصص والمعلومات التي ترسم ملامح شخصيته والعالم الذي جاء منه.

على هذا يمكن القول إن كتابة المطرود ما هي إلا بناء الحياة أدبيًا، ومن ثم هدمها ثانيةً لأجل إبقاء إمكانية عيش حياة أخرى مقبلة، في الواقع أو على الورق.

يُدخلنا "سلالة العجاج"، منذ صفحاته الأولى، إلى عالم بدويّ مصنوع من رثاء وثأر، من أمل وانكسار، من شعر وأمثال وملاحم، من شجاعات وخيانات.. ليورّطنا في قصتين كبيرتين، تتفرّع عنهما قصص شتى. الأولى قصة حب أسطورية، والثانية قصة حياة حالمة لشخص يبحث عن معناه في هذا العالم، وفي الآخرين، وفي نفسه بالطبع. ولم يكن ذلك عبثًا، فالمطرود أراد أن يقول لنا إن الحياة الصغيرة التي يرويها ليست سوى عشبةٍ نمت على ضفة نهر هادر بالذاكرة الملحمية. ولأنها كذلك سيغدو العاديّ سحريًّا لأن الزمن مرايا للبدايات، وللمصائر أيضًا.

لكل إنسان، كما لدى الجماعات الكبيرة أيضًا، حكايةٌ تعبّر عن تصوراته، أو تتوافق مع الطريقة التي يؤمن بها بنفسه. الأديان أصلًا تقوم على حكايات أنبيائها. القوميات تنشأ بناء على حكايات ذاتٍ بطولية تتطلّع جماعةٌ محددة إلى الانتساب إليه

لكل إنسان، كما لدى الجماعات الكبيرة أيضًا، حكايةٌ تعبّر عن تصوراته، أو تتوافق مع الطريقة التي يؤمن بها بنفسه. الأديان أصلًا تقوم على حكايات أنبيائها. القوميات تنشأ بناء على حكايات ذاتٍ بطولية تتطلّع جماعةٌ محددة إلى الانتساب إليها. والأمر لا يختلف كثيرًا في الحيز الفردي، فلدى كل واحد منا تصوراته التي يجدها مكثفةً في حكاية ما، وهذه الحكاية عند صاحب "ثمار العاصفة" هي حكاية هدّار وسم البدو، التي تروي قصة الشجاعة والحبّ. وهما القيمتان الأساسيتان اللتان تقوم عليهما الكينونة عنده، فكثيرًا ما نراه في نصوصه المختلفة، شعرًا ونثرًا، مكررًا إياهما بأشكالٍ وألوانٍ تتعدد وتختلف. وحين يقرّر أن يكتبها على مساحة واسعة من الأوراق، ويجعل من بطلها قرينًا، ويضع نفسه ذاتًا مقابلة لها، فهذا يعني أمرين لا ثالث لهما، الأول أنه يسعى إلى إعلان ملكيته لهذه الحكاية، والثاني أن السيرة المكتوبة في هذا الكتاب احتوت الواقع والمشتهى في ضربةٍ واحدة.

في بداية الفصل المعنون بـ"عن أزمنة شرسة"، يعلن غايته من الكتاب قائلًا إنه سيتحدث عن شخصيتين كما لو أنهما شخصية واحدة، وعن زمنين كأنّهما زمن واحد. وبذلك يذهب نحو تصورات وراء عالمنا البسيط إلى زمن آخر كان فيه الناس يرون الحياة شبكة من المعاني، ترتبط فيها الكائنات بالطبيعة بالمناخ كما لو أنها كلٌّ واحد. ويعود إلى تأكيد هذا في فصل "أنا والقرين" ليتحدث عن جانب آخر من السيرة غير الممكنة الكتابة، أعني سيرة الأحلام: "أراني أشباحًا في مرآةٍ مكسورة، يقضونَ الوقتَ في قَضمِ أصابعِهم، أصابعِهم التي طالَت في الندمِ، أصابعِهم التي علمتني الخوفَ، أصابعهم التي تخدش الجدرانَ وتخزُ الضوءَ، أصابعهم التي تنهمرُ من السقفِ مثلَ رصاصٍ ناعم، أصابعهم الطويلات، المعنّفات لولدٍ سيئ اسمهُ أنا، ولدٍ ينامُ في الخرائبِ، وينجبُ من الجنيّات الثروةَ والأولاد، ثمّ يصحو على لا شيء" (ص 55).

هل روى الكتاب ما هو سيريّ، بمعنى الاقتصار على الشخصيّ وحسب؟ بالتأكيد لا، فما بين أيدينا عالم كامل يأتي على شكل قطع تتلاصق مع بعضها البعض، لترسم سيرة مكان في البشر، وسيرة بشر في المكان، حتى لا يظل الشمال الشرقي السوري أرضًا مجهولة.