ما تقوله معسكرات الاعتقال في البوسنة عن القمع الأمريكي للاجئين

ما تقوله معسكرات الاعتقال في البوسنة عن القمع الأمريكي للاجئين

تشبه تجربة قمع اللاجئين على الحدود المكسيكية الأمريكية ما حدث في البوسنة (رويترز)

في هذا التقرير الصادم المترجم عن The Intercept يقارن الصحفي الأمريكي بيتر ماس، ما يحدث مع اللاجئين وأطفالهم على الحدود المكسيكية الأمريكية، بالتجربة التي ساهم في تغطيتها في البوسنة، وتحديدًا في معسكرات الاعتقال هناك.


أنا واحد من المراسلين الميدانيين الذين يغطون انتهاكات إدارة ترامب ضد أطفال المهاجرين عند الحدود مع المكسيك، لكن قبل 25 عامًا أجريت تحقيقًا عن معسكرات الاعتقال التي عذب فيها الصرب المسلمين وقتلوهم إبان حرب البوسنة. لا أصدق حقًا أني أكتب هذه الأسطر وهذا التقرير، لكن كثيرًا مما رأيته في معسكرات البلقان في التسعينات، مشابه لما يحدث هنا في أمريكا الآن.

ما يحدث مع اللاجئين وأطفالهم على الحدود المكسيكية الأمريكية بفعل السياسات المنظمة من قبل إدارة دونالد ترامب، متشابه كثير مع التجربة التي وقعت في معسكرات الاعتقال في البوسنة

يبدو أن الضوء والاهتمام الإعلامي سيؤدي إلى تحسن الظروف المعيشية داخل معسكرات الاحتجاز الحدودية في الولايات المتحدة، وسيحصل المحتجزون على أسرة وصابون ومعجون أسنان، وسيسمح للصحفيين بدخولها ولو تحت قيود مشددة. لقد رأينا هذا السيناريو يتكرر مرارًا وتكرارًا. تمامًا كما تغيرت أحوال معسكرات الاحتجاز الصربية تغيرًا طفيفًا وأصبحت أكثر نظافة وسمح للصحفيين بدخولها، بعد أن كتب روي جوتمان أول تقرير عن معسكرات الاحتجاز هذه، جمع فيه شهادات الناجين منها. كنت من بين الزوار الأوائل لهذه المعسكرات عام 1992، وفيما يلي دليل للصحفيين لفهم وكشف محاولات حكومة الولايات المتحدة التغطية على الانتهاكات التي وقعت في معسكرات الاحتجاز. وهذه جملة أخرى لا أصدق أنني أكتبها اليوم.

اقرأ/ي أيضًا: سرقة أطفال المهاجرين على الحدود الأمريكية.. جريمة ترامب لردع الهجرة

الزيارات المنظمة إلى معسكرات الاحتجاز هي حيلة من حيل العلاقات عامة، تبذل فيها الحكومات ما بوسعها لمنع الصحفيين من زيارة الأماكن التي وقعت فيها الجرائم تحديدًا. إليكم مثالًا من البوسنة. أحد أسوأ سجون الاعتقال كان في مصنع لصناعة الرخام يدعى كيراتيرم. وقد تم اصطحابي إلى هناك. إلا أنني لم أكن هناك حقًا. في كيراتيرم مبان كثيرة، واصطحبت المجموعة التي كنت معها والتي ضمت ستة صحفيين، إلى مبنى واحد فقط من كل المباني. كان مرافقنا رجلًا متوحشًا اسمه سيمو درلجاكا، قُتل أثناء محاولة قوات الناتو اعتقاله بعد الحرب. سار بنا الرجل داخل المبنى الذي كان فارغًا في معظمه وبه طبقة رقيقة من التراب تغطي أرضيته وجدرانه، كأن لم يمسسها بشر منذ مدة. ابتسم لنا درلجاكا قائلًا "أترون، لا دماء هنا".

كانت حيلته مكشوفة للغاية، فلم يأو المبنى سجناء يومًا. طلبنا رؤية المبنى الذي كنا نعرف أن السجناء يقبعون فيه. كان مخزنًا للطوب على بعد 50 ياردة من المكان الذي كنا نقف فيه. عذب السجناء وأعدموا في ذلك المكان، وكما علمنا لاحقًا، نقل الناجون من المكان قبل وصولنا بوقت قصير. رد علينا درلجاكا قائلًا: "لا هذه منشأة عسكرية، لا يمكنكم الدخول أو التقاط الصور. وطلب منا العودة إلى السيارة التي كانت تقلنا. لكن في الحقيقة لم يكن هنا جنود أو آليات عسكرية على مرمى البصر. هجر المصنع قبل وصولنا.

الدرس واضح وبسيط: يجب أن تذهب للمكان الذي حدثت فيه الانتهاكات تحديدًا. إذا منعتم من الذهاب إلى هناك ورؤية ما يتوجب عليكم رؤيته، اطلبوا معرفة السبب. الحجج الكاذبة التي يقدمها مسؤولو السجن قد تكون كاشفة بنفس قدر أدلة الجريمة المخفية عن العيان. غالبًا ما يكون إثبات الذنب الوحيد الذي يمكنكم الحصول عليه في هذا الموقف هو عبثية الخداع والتحايل.

اصطحبنا بعدها إلى مركزي احتجاز كان بهما معتقلون حقيقيون. أحدهما كان يسمى أومارسكا، اشتهر مع الزمن بأنه شهد أكبر عدد من عمليات القتل، والآخر كان يسمى ترنبوليي، والذي لم يشهد قتلى بنفس العدد، لكنه مع ذلك كان مكانًا للخوف والحرمان. نُظف المعسكران قليلًا قبل زيارتنا، لكن الرعب لا يمكن محوه بسهولة. وضعتنا هذه الزيارات أمام معضلات أخلاقية تتعلق بإجراء مقابلات مع محتجزين يخشون عواقب التحدث معنا، مع أنها كشفت لنا أيضًا طرقًا للالتفاف على هذه العواقب.

إذا كان السجناء خائفين، كما كانوا كلهم في تلك المعتقلات، تلحظون هذا الخوف فورًا. ترونه في وجوههم وأصواتهم وهيئاتهم، والكلمات التي يخشون التفوه بها. أحد أكثر اللحظات التي مرت علينا هناك رعبًا، كانت حين انتفض سجين في أومارسكا ذعرًا عندما سأله مراسل تلفزيوني أمام الكاميرا، إن كان قد تعرض لإنتهاكات. لم يدر السجين ماذا عليه أن يفعل، لو نطق الحقيقة لكان لقي حتفه على يد الحراس. عدم قدرته على قول ما يرغب في قوله كانت شهادة صامتة على جرائم عجزت عن وصفها الألسنة.

ليس غريبًا إذًا أن يتردد بعض الأطفال المحتجزين في المعسكرات التي تديرها إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية، في الشكوى من الظروف السيئة، هذا بافتراض أنه سيسمح لهم بالحديث مع المراسلين (ليس حتى الآن). ربما يعتريهم نفس الخوف الذي اعترى السجناء في البوسنة، هل سيتعرضون للعقاب على ما يقولونه؟ تنكشف أثناء زيارتنا لأومارسكا طريقة للتحايل على هذه المعضلة، إذ مرر سجين رسالة لأحد الصحفيين، يقول فيها "قتل 500 شخصًا هنا ضربًا بالعصي والمطارق والسكاكين. حتى يوم 6 آب/أغسطس كنا 2500 سجين. كنا ننام على الأرضيات الخرسانية، ونأكل وجبة واحدة في اليوم، على عجالة ونتعرض للضرب أثناء تناولنا الطعام. نحن هنا منذ 75 يومًا. نرجوكم ساعدونا".

الدرس المستفاد من هذه القصة، بعيدًا عن حقيقة ارتكاب الصرب لمذابح جماعية في البوسنة والتي أثبتتها المحاكمات لاحقًا، هو أنه يسهل على السجناء كتابة شيء ما وتهريبه إلى الصحفيين بدلًا من الحديث إليهم مباشرة. وددت لو كان معي أقلام وأوراق لأمنحها بأكثر الطرق سرية، للسجناء الذين يبدون كل رغبة في كتابة رسائل، أو ربما أضعها هناك لأي سجين يود كتابة رسالة يسلمها لأي زائر متعاطف تال.

اقتراح آخر للصحفيين الذين قد يزورون معسكرات إدارة الجمارك وحماية الحدود: انتبهوا جيدًا لمسؤولي الإدارة، وليس فقط للمتحدثين الرسميين اللبقين. ما هي التعبيرات التي تظهر على وجوههم؟ هل يجيبون الأسئلة، حتى التافهة منها؟ حتى شفاه الحراس والمشرفين المزمومة قد تكون دليلًا مستفزًا على السلطة التي اعتادوا ممارستها. بإمكانهم منع أي شيء، سواء كان معجون أسنان أو بطاطين أو حتى الكلمات. من واجبك أن تلح بالأسئلة حتى النهاية. في أومارسكا حاولت ابتدار حوار مع حارس ظل جامدًا وغير متعاون حتى فقدت الأمل وسألته فجأة "هل صحيح أنكم تعذبون السجناء؟"

نظر إلي من عل (كان ضخم الجثة ويعلق مسدسين على كلا فخذيه ويحمل كلاشنكوف على ظهره) ورسم عامدًا على وجهه ابتسامة كئيبة ساخرة وقال "لما قد نرغب في ضربهم؟".

يبدو بالفعل أن المسؤولين الأمريكيين يتبعون خطى السلطات الصربية في البوسنة. اقرأوا فقط قصة سيمون روميرو المرعبة، حين زار معسكر الأطفال التابع لإدارة الجمارك وحماية الحدود في كلينت بولاية تكساس. كتب لصحيفة نيويورك تايمز قائلًا إن زيارة الصحفيين أقيمت بعد تقليص عدد الأطفال في المنشأة بشكل كبير.  كانت الجولة قصيرة وتحت إشراف دقيق، وظل مسؤولو الإدارة يشيرون إلى الطعام واللوازم الصحية التي قالوا إنهم يوفرونها للأطفال، لكن لم يسمح للصحفيين بدخول الزنازين التي يعيش فيها الأطفال أو الحديث مع أي منهم أو التقاط صور (لم يسمح لهم بإدخال كاميراتهم وهواتفهم). عندما رأى صحفي فتاة صغيرة تبكي، حذره موظف في الإدارة سريعًا قائلًا "لا تتحدث معها. إذا سألتها أي شيء ستطرد خارجًا".

اقرأ/ي أيضًا: أوروبا القلقة على اتحادها من اللاجئين

درس أخير من البوسنة: لم تظهر حقيقة ما حدث في مراكز الاحتجاز في البوسنة بفضل زيارة الصحفيين لها بعد ارتكاب أفظع الجرائم فيها. فهناك حدود لما يمكن أن تعرفه من مسرح الجريمة بعد تنظيفه، وبالطبع هناك حد لما يمكن أن يخبرك به الشهود في وجود جلاديهم. ظهرت الحقيقة بعد ذلك في مقابلات الصحفيين والمحققين مع الناجين الذين كان بإمكانهم التحدث بحرية في أماكن آمنة، مثل مخيمات اللاجئين. كان تتبع هؤلاء الناجين وسماع قصصهم الكئيبة، عملًا شاقًا لكنه أحدث فرقًا. جِدوا العائلات التي احتجزت في ظروف سيئة في معسكرات إدارة الجمارك وحماية الحدود. هم يعرفون ما حدث.

الزيارات المنظمة إلى معسكرات الاحتجاز هي حيلة من حيل العلاقات عامة، تبذل فيها الحكومات ما بوسعها لمنع الصحفيين من زيارة الأماكن التي وقعت فيها الجرائم تحديدً

بإمكاني الاستمرار، وإنه لأمر مرعب أني أستطيع الاستمرار. كيف صار بإمكاننا الآن الربط بين مذابح حدثت قبل نصف قرن في البلقان، وأمريكا اليوم؟ لكن ها نحن ذا، وهذا ما صرنا عليه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جحيم ترامب ضد المهاجرين.. 1995 طفلًا سُرقوا من ذويهم على الحدود

مبررات ترامب الفاشلة.. عداء للاجئين أم لكل ما هو غير "أبيض"؟