أطفال محتجزون في أقفاص.. ممارسات منزوعة الإنسانية على الحدود الأمريكية

أطفال محتجزون في أقفاص.. ممارسات منزوعة الإنسانية على الحدود الأمريكية

أطفال محتجزون في أقفاص على الحدود الأمريكية الجنوبية (BBC)

قبل أيام، في الرابع من تموز/يوليو، احتفلت الولايات المتحدة الأمريكية بالذكرى الـ243 لاستقلالها. تأتي هذه الذكرى وإمبراطورية النسر الأصلع تحصد غلَّة ثلاث سنوات من حكم دونالد ترامب، الذي ما فتئ يجسد وجه البلاد في أجلى صوره الاستعمارية والعنصرية.

يعيش الأطفال، أبناء المهاجرين السريين للولايات المتحدة، مأساة حقيقية في مراكز الاحتجاز الحدودية، بلا تطبيب أو تغذية

قبل ذلك بعشية، نشر موقع أتلانتيك تقريرًا يصف المأساة التي يعيشها الأطفال المحتجزين في معسكرات الاحتجاز التابعة لدورية مراقبة الحدود جنوب البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: سرقة أطفال المهاجرين على الحدود الأمريكية.. جريمة ترامب لردع الهجرة

هلعٌ عام، أمراضٌ متفشية ونظافة شخصية محرومون منها، هذا ما ينقله التقرير المذكورعلى لسان أطباء عاينوا الوضع، الذي يتسق وتصريحات دونالد ترامب عن أمريكا مغلقة في وجه البشر الآخرين.

هذا ما عاينه أطباء الأطفال

هنا تكساس، من داخل مركز الاحتجاز التابع لحرس الحدود الأمريكي، تحكي دولي لوتشيو سيفيير، طبيبة أطفال، ما عاينته بعينيها: "رأيت عددًا كبيرًا من الرضع يشربون من نفس الرّضّاعة دون غسلها لأيام"، مضيفة أن أغلبهم يعاني من أعراض الجفاف وسوء التغذية، والكثير كذلك تعرضوا لصدماتَ نفسية.

مراكز الاحتجاز الأمريكية

أطفالٌ أتت بهم الأقدار إلى التراب الأمريكي، بين ذراعي أوليائهم أول الأمر، ليتم انتزاعهم منهم بالقوة وتكديسهم داخل مراكز الاحتجازِ المذكورة في هذه الوضعية المزرية.

يضم مركز تكساس أكثر من ألف طفل، وأكثر من ألف طفل آخرين موزعين على مراكز أخرى، مروا تحت معاينة الطبيبة التي كان يتسنى لها الأمر بذلك مرة كل مدة، غير أنه لم يسمح لها أبدًا بدخول المنطقة حيث كانوا يحتجزونهم في أقفاص.

والقول بأنهم محتجزون في أقفاص لا مبالغة فيه، وهو ما أكده تقرير نشرته مجلة تايم الأمريكية، نقلًا عن الأكاديمية الأمريكية لأطباء الأطفال، حيث طلب أطباء مختصون من الأطفال المحتجزين رسمَ تجربتهم داخل مقرّات دورية الحدود، لتكون النتيجة صادمة: كل الرسومات تبين أطفالًا داخل أقفاص، وأطفالًا يتم تعنيفهم، وجلادين ببزات عسكرية.

يقول ممثل الأكاديمية لمجلة تايم: "تلك الرسومات تظهر لنا مدى الصدمة التي يعيشها الأطفال نتيجة ظروف احتجازهم"، مضيفًا أن "ما يعيشه هؤلاء الأطفال صادمٌ ورهيب، وعليه أن يصل العالم على لساننا، على العالم أن يسمع صوت معاناتهم".

رجوعًا إلى شهادة الطبيبة سيفيير، تقول أخصائية الأطفال، إن الحمام كان بالنسبة للمحتجزين ترفًا، أما بالنسبة للذين في الأقفاص فلا صابون ولا حمام لأشهر. هكذَا عاينت حالات كثيرة كانت تغرق في برازها، فضلًا عمَّن انتابتهم حالات هلع أثناء المعاينة، ومن بدت عليهم آثار الصدمة النفسية.

 

 

وفي الشهر الماضي، رفضت إدارة مركز الاحتجاز شحنة مواد نظافة شخصية تبرعت بها سيدة لصالح الأطفال المحتجزين. وفي نفس اليوم، حاولت مجموعة أخرى التبرع بقيمة 340 دولار مواد غذائية، لتجد نفس الرفض الذي تعرضت له الشحنة الأولى.

هذ المنع عللته المحكمة بعذر غريب: "فرشاة الأسنان ليست بضرورة حيوية". في المقابل تُرفَض حتى المواد الغذائية، ما يكشف عن عملية تجويع ممنهجة، تدل على أن الوضع المأساوي الحالي مرادٌ له الوجود في انتهاك تتحمل مسؤوليتها الدولة الأمريكية ككل.

ما الذي يمجده ترامب؟

في 20 أيار/مايو الماضي، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا عن الحكومة الأمريكية، تعترف فيه بحالة وفاة جديدة داخل مراكز احتجازها لأطفال المهاجرين السريين، والضحية طفل غواتيمالي يبلغ من العمر 16 سنة، لم يكن الوحيد الذي لقي ذلك المصير في ذات المكان، بل يمثل الحال الخامسة منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي.

بدورها قالت دورية مراقبة الحدود، إن سبب الوفاة "مجهول". لكن المرجح، حسب التقرير، هو سوء المعاملة التي تلقاها إثر الأسبوع الذي قضاه في مخفر الدورية، قبل نقله إلى المركز.

نفس الحالة تكررت سابقًا، قبل أسبوع من الحادث المذكور، حين قضت سيدة وطفلها ذو السنتين في قبضة دورية مراقبة الحدود. وقبل ذلك مراهق آخر، وطفل رابع وخامس، والسبب واحد، هو: سوء المعاملة التي تعرضوا لها، وحرمانهم من التطبيب والتغذي. يطرح هذا تساؤلًا: هل هذا ما يفخر به ترامب في معرض حديثه في ذكرى الاستقلال، عن الأمن الأمريكي، وما أصبحت عليه أمريكا من "حصن منيع"؟!

في خطابه لذكرى الاستقلال، استهل ترامب كلامه بتحية وتعظيم لمن أسماهم "أبطال الجيش الأمريكي"، منتقلًا إلى إعادة سرد الأحداث التاريخية التي خلصت إلى استقلال البلاد، مستغلًا تلك السردية كحجة أيديولوجية على طبيعة الشعب في تصوره: يكسر كل القوانين من أجل أن يحقق ما يراه صائبًا.

ويواصل ترامب تبجيله لـ"حماة الحدود"، و"الذين يخلصون أرواحهم لحماية الوطن من الإرهابيين"، ثم يسترسل في سلسلة من جرد مناقب قوته العسكرية، منتهيًا إلى أنه "لا أحد يمكن هزيمة أمريكا!".

لكن، وباعتبار "الإرهابيين" الذين تكلمَ عنهم، ليسوا في الحقيقة إلا أطفال يموتون جوعًا وإهمالًا، لنلقي نظرة عمّن وصفهم ترامب بـ"حماة الحدود"، من تحقيق نشره موقع بروبوبليكا، تحت عنوان "من داخل المجموعة السرية لدورية مراقبة الحدود"، والذي يكشف حقائق فاضحة عن عقلية هؤلاء المجندين.

حماة العنصرية

في مجموعة سرية على فيسبوك، تضمّ 9500 عضو حاليين أو سابقين في خدمة دورية الحدود الأمريكية، يجد هؤلاء الرجال في العالم الافتراضي مساحة للتنفيس عن عنصريتهم بالسخرية من وفيات المحتجزين، وبالسب والشتيمة في أعضاء الكونغرس المتعاطفين مع المهاجرين.

هكذَا يمكنك أن تجد في المجموعة صور إباحية مفبركة مهينة للنائبة أوسكاريو كورتيس، وكذلك صورًا للمراهق الغواتيمالي المتوفى مرفقةً بتعليق يقول: "وإن مات، ما المهم في الأمر!". المجموعة التي أنشئت سنة 2016، تعرف نفسها على أنها مجموعة ساخرة وجدية في ذات الوقت، تجمع رجال دوريات مراقبة الحدود، من جميع المراتب العسكرية والإدارية، حتى ذوي المسؤولية العليا منهم.

لا تمثل المجموعة المذكورة إلا مثالًا واحدًا من السلوكيات المشينة لقوات الأمن الأمريكية، والتي تتعدد وتتكرر في الفضاء العام والافتراضي على حدٍ سواء، إضافة إلى تورطهم بالانضمام لجماعات عنصرية مثل "White lives matters" وDeath To Islam Undercover".

تجتمع كل هذه المعطيات لتكشف عن الوجه العنصري والمتطرف لهذه القوات، وكونهم المحور والعصب الحيوي لأيديولوجية معادية للمهاجر، وبدرجة رؤية أعمق: لكل آخر غير أبيض.

 تكشف مجموعة سرية على فيسبوك لقوات أمن الحدود الأمريكية عن عنصرية فجّة لعناصر هذه القوات وكراهية عميقة للآخر

هي نفسها أيديولوجيا وخطاب الكراهية الذي ساد الولايات المتحدة مع صعود ترامب لسدة الحكم، وهو الذي لا يجد حرجًا في شكر وتمجيد هذا الخطاب والفاعلين فيه، في وقت تكون المعاملة السيئة والمهينة المؤدية إلى الموت الجواب الوحيد لضحايا صعودِ هذا الخطاب، وما الأطفال المحتجزين في مراكز دورية مراقبة الحدود إلى جزءًا من المشهد الدموي العام الذي يبني عليه ترامب حكمه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

جحيم ترامب ضد المهاجرين.. 1995 طفلًا سُرقوا من ذويهم على الحدود

مبررات ترامب الفاشلة.. عداء للاجئين أم لكل ما هو غير "أبيض"؟