لن نعود إلى ما كنّا عليه قبل كورونا..

لن نعود إلى ما كنّا عليه قبل كورونا.. "التباعد الاجتماعي" جاء ليبقى

التباعد الاجتماعي, التواصل االجتماعي, فيروس كورونا, حالات الطوارئ (wired)

الترا صوت - فريق الترجمة

لإيقاف فيروس كورونا يجب علينا أن نغير كل شيء نفعله تغييراً جذرياً. كيف نعمل وكيف نمارس التمارين ونختلط بالناس ونتسوق ونعتني بصحتنا ونعلم أطفالنا ونعتني بأفراد أسرتنا. هذا الشأن تمامًا الذي توضحه الترجمة التالية لتقرير إم آي تي كنولوجي ريفيو.

لقد تغير العالم مرات كثيرة، وها هو يتغير مجددًا. وعلينا جميعًا أن نتكيف مع طرق الحياة والعمل والعلاقات الجديدة

نريد جميعاً أن تعود الأمور إلى طبيعتها سريعًا. لكن كثيراً منا لم يدركوا بعد أن الأشياء لن تعود إلى طبيعتها بعد أسابيع قليلة، أو حتى بعد أشهر. وبعض الأشياء لن تعود إلى ما كانت عليه أبداً. 

يتفق الجميع الآن (حتى بريطانيا) على ضرورة توسيع المدى الزمني للانتشار وفرض "التباعد" أو التنائي الاجتماعي (Social Distance) لإبطاء انتشار الفيروس حتى لا تؤدي أعداد المرضى إلى انهيار النظام الصحي، كما هو الحال في إيطاليا الآن. مما يعني أن الجائحة يجب أن تبقى منخفضة المستوى حتى يصاب عدد كاف من الناس بكوفيد 19 ومن ثم تنشأ مناعة ضده (بافتراض أن المناعة ضده تدوم سنوات، وهو ما لا نعرفه حتى الآن) أو أن نجد لقاحاً. 

كم سيستغرق هذا الأمر، وما مدى شدة الإجراءات الاجتماعية التي يجب أن تفرض؟ أعلن السلطات هذا الأسبوع مجموعة من الإرشادات، منها قصر التجمعات على أقل من 10 أفراد قائلاً "إذا ركزنا جهودها خلال أسابيع قليلة، سنقلب الوضع سريعاً". في الصين بعد ستة أسابيع من العزل بدأ عدد الحالات الجديدة في التناقص.

لكن الأمر لن ينتهي هكذا، فطالما ظل شخص واحد في العالم مصاباً بالفيروس، قد يتفشى الوباء مجدداً دون قيود مشددة لاحتوائه. اقترح باحثون في الكلية الملكية بلندن في تقرير صدر هذا الأسبوع طريقة لاحتواء الوباء، عبر فرض إجراءات تباعد اجتماعي مشددة في كل مرة يزيد فيها الضغط على وحدات العناية المركزة، وتخفيفها حين تنخفض الأعداد.

في الرسم البياني، يمثل الخط برتقالي اللون عدد الحالات في وحدات العناية المركزة. في كل مرة تزيد فيها عن عتبة معينة، ستغلق البلاد كل المدارس والجامعات وتفرض إجراءات التباعد الاجتماعي. وحين تنخفض عن الحد المطلوب، سترفع هذه الاجراءات، لكن الأشخاص الذين يظهرون إصابتهم بأعراض المرض أو من تعرض أحد أفراد أسرتهم للمرض سيظلون قابعين في منازلهم.


الخطّ البرتقالي يمثل عدد حالات الإدخال إلى وحدات العناية المركّزة (تكنولوجي ريفيو)

ما الذي يحسب ضمن إجراءات التباعد الاجتماعي؟ يعرفها الباحثون بأنها "كل الأسر تقلل اتصالها بما هو خارج المنزل، أو المدرسة أو مكان العمل بنسبة 75%". لا يعني هذا أن تخرج مع أصدقائك لقضاء الوقت مرة في الأسبوع بدلاً من أربع مرات. بل يعني أن على كل شخص أن يبذل ما بوسعه ليقلل الاتصال الاجتماعي وأن يقل عدد التفاعلات الاجتماعية بشكل عام بنسبة 75%.

في ظل هذا النموذج، يتوقع الباحثون أن إجراءات التباعد الاجتماعي وإغلاق المدارس ستفرض لثلثي الوقت، أي لمدة شهرين ثم شهر ترفع فيها على سبيل المثال، حتى يصبح اللقاح متوفراً، وهو ما قد يستغرق 18 شهراً. ويشيرون إلى أن نتائج هذا النموذج ستصبح مشابهة نوعياً للولايات المتحدة.

لثمانية عشر شهراً؟! لا بد وأن تكون هناك حلول أخرى. لما لا نبني مزيداً من وحدات العناية المركزة ونعالج عدداً أكبر من الناس في وقت واحد، على سبيل المثال؟

حسناً، في النموذج الذي طرحه الباحثون، لم يحل هذا الاقتراح المشكلة. فبدون التباعد الاجتماعي للسكان بأكملهم، فإن أفضل استراتيجيات التخفيف والتي تتضمن عزل المرضى وكبار السن ومن تعرضوا للوباء بالإضافة إلى غلق المدارس، كلها لن تؤدي إلى ارتفاع عدد المصابين بحالات حرجة بثمانية أضعاف قدرة النظام الصحي في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة على التحمل. حتى لو أجبرت المصانع على صناعة المزيد من الاسرة وأجهزة التنفس الصناعي وكل الإمدادات والمعدات الأخرى، فستكون بحاجة لمزيد من طواقم التمريض والأطباء للعناية بالجميع.

ماذا عن فرض الإجراءات لفترة واحدة تمتد إلى خمسة أشهر مثلاً؟ لا، ليس حلاً مجدياً، فبمجرد رفع الإجراءات، سيتفشى الوباء مجدداً، وحينها سيكون الشتاء قد حل، وهو أسوأ وقت بالنسبة للنظام الصحي للتعامل مع هذا الوضع. 

ماذا لو اقترحنا حلاً أكثر قسوة، فنحدد عتبة الحالات في وحدات العناية المركزة قبل فرض إجراءات التباعد الاجتماعي أعلى بكثير، وأن نقبل بأن كثيراً من المرضى سيموتون؟ لن يحدث ذلك فرقاً جوهرياً. ففي أقل السيناريوهات تعسفاً في دراسة الكلية الملكية، سنجد أن هذه الإجراءات ستفرض في نصف الوقت، أي شهراً وشهراً على سبيل المثال. 

هذه ليست أزمة مؤقتة، بل بداية أسلوب جديد تماماً في الحياة.

الحياة في زمن الجائحة

على المدى القصير، ستتضرر الأعمال التجارية الصغيرة التي تعتمد على وفود الناس إليها بأعداد كبيرة، مثل المطاعم والمقاهي والبارات وصالات الرياضة والفنادق والمسارح ودور السينما ومعارض الفنون ومراكز التسوق ومعارض المشغولات والمتاحف والموسيقيين والمشاريع الرياضية والفرق الرياضية والمؤتمرات والشركات السياحية والطيران والنقل العام والمدارس الخاصة ومراكز الرعاية والحضانات. ناهيك عن الضغط الذي سيتعرض له الآباء لتعليم أبنائهم منزلياً والأشخاص الذين يحاولون رعاية كبار السن دون تعريضهم للإصابة بالفيروس والأشخاص العالقين في علاقات مسيئة وأي شخص لا يملك احتياطات مالية تعينه على تجاوز تقلبات الدخل. 

قد تستطيع بعضها التكيف، قد تلجأ الصالات الرياضية لبيع المعدات المنزلية وعرض جلسات تدريبية على الإنترنت على سبيل المثال. سنرى انفجاراً في الخدمات الجديدة والتي سميت بالفعل "باقتصاد الانعزال المنزلي". وقد يأمل المرء بتغير بعض العادات المضرة، فنرى رحلات سفر أقل واستهلاكاً أقل للمحروقات وتوسع سلاسل الإمداد المحلية ولجوء الناس للمشي وركوب الدراجات.

لكن سيكون من المستحيل التعامل مع هذا الاضطراب الذي سيضرب الكثير من الشركات ومصادر الرزق، وأسلوب حياة العزلة المنزلية لن يكون صالحاً لفترات طويلة.

إذن كيف سنعيش في هذا العالم الجديد؟ جزء من الإجابة يكمن في تصميم وتطبيق نظم صحية أفضل، لديها وحدات استجابة للوباء، تستطيع التحرك سريعاً لتحديد واحتواء بؤر التفشي قبل استفحالها، وأن تكون لديها القدرة على مضاعفة إنتاج المعدات الطبية ومعدات الاختبار والأدوية سريعاً. قد لا تساعد هذه الأنظمة في إيقاف كوفيد 19 في هذه المرحلة لكنها ستساعد في منع أوبئة مستقبلية.

على المدى القصير، قد نصل إلى حلول ووسائل غريبة تعيننا على الاحتفاظ بقدر من التواصل الاجتماعي. ربما ستتخل دور السينما عن نصف مقاعدها وستعقد الاجتماعات في غرف كبيرة متباعدة المقاعد، وستنظم صالات الرياضة جداولها حتى تمنع الازدحام. 

في النهاية، أتوقع أن نتمكن من استعادة قدرتنا على التفاعل الاجتماعي الآمن عبر تطوير طرق أكثر كفاءة في معرفة من هو معرض للمرض ومن ليس كذلك، وإقصاء المعرضين له قانونياً. 

وقد بدأنا نرى بشائر ذلك في بعض الإجراءات الي تتخذها الدول اليوم. ستستخدم إسرائيل مثل قدرة تعقب الأماكن عبر الهاتف المحمول والتي استخدمتها أجهزة استخباراتها لتعقب أعدائها، في تعقب الناس الذين اختلطوا بحاملي الفيروس. تجري سنغافورة بحثاً مكثفا في التفاعلات الاجتماعية لكل حالة معروفة وتنشر تفاصيلها، دون نشر أسماء الناس.

لا نعرف حتى الآن، شكل هذا المستقبل الجديد، لكن يمكننا أن نتخيل عالماً يفرض عليك فيه الموافقة على تتبع حركتك عبر الهاتف إذا أردت السفر عبر الطائرة. لن تعرف شركات الطيران أين كنت لكنها ستتلقى تحذيراً إذا ذهبت إلى مكان به أشخاص مصابون أو مررت على بؤرة للعدوى. وستكون هناك قيود مشابهة على دخول الشركات الكبرى والمباني الحكومية ومراكز المواصلات العامة. وستكون هناك أجهزة لقياس درجات الحرارة في كل مكان وقد تطالبك شركتك بارتداء أجهزة تقيس درجة حرارتك ومؤشراتك الحيوية الأخرى. في المستقبل قد تطالب النوادي الليلة باثبات على المناعة بدلاً من السؤال عن السن. وقد يضطر الناس لحمل شهادات رقمية على هواتفهم تثبت أنهم تعافوا أو تناولوا اللقاح ضد آخر سلالات الفيروسات.

سنتكيف مع هذه الإجراءات وسنقبلها، كما تكيفنا مع الإجراءات الأمنية المشددة في المطارات في أعقاب الهجمات الإرهابية. ستعد أنظمة الرقابة المتطفلة هذه ثمناً بسيطاً ندفعه في مقابل حرية تواجدنا مع الآخرين. 

وكما هو الحال دائماً، فإن الكلفة الأعلى سيتحملها الفقراء والضعفاء. الأشخاص الأقل قدرة على الاستفادة من الأنظمة الصحية والذين يعيشون في المناطق الأكثر عرضة للأمراض، سيمنعون من الاستفادة من الفرص التي يستفيد منها كل من سواهم. سيعاني العاملون المستقلون مثل السائقين والسباكين ومدربي اليوغا المستقلين من انعدام الاستقرار في عملهم. وسيعاني المهاجرون واللاجئون والمهاجرون غير الشرعيون وأصحاب السوابق الجنائية من صعوبات إضافية في الاندماج والتأقلم وإيجاد موطئ قدم لهم في المجتمع.

والأدهى من ذلك هو الخلاف حول كيفية تعريف المعرضين للمرض. قد تختار الحكومات والشركات أية معايير، مثل مستوى الدخل والإقامة في أماكن معينة. قد تصبح هذه وسيلة للتحيز والإقصاء الخفي، كما حدث في الخوارزمية التي استخدمها نظام التأمين الصحي الأميركي والتي تبين أنها تفضل البيض دون سواهم.

لقد تغير العالم مرات كثيرة، وها هو يتغير مجددًا. وعلينا جميعًا أن نتكيف مع طرق الحياة والعمل والعلاقات الجديدة. لكن في خضم هذا التغيير سيخسر البعض أكثر من سواهم. أفضل ما يمكن أن نأمله أن تدفع هذه الأزمة بلاداً مثل الولايات المتحدة لمعالجة المظالم الاجتماعية واللامساواة التي تلقي بثقلها على أعداد كبيرة من السكان الأفقر والأضعف.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

كورونا ليس أخطر على الحوامل ولا ينتقل عبر الرضاعة

3 نصائح أساسية لحماية نفسك من فيروس كورونا

السفر والطعام والجنس والحمل.. أهم 7 أسئلة عن كورونا والحياة اليومية

أعراض الإصابة بفيروس كورونا.. ما هي وهل تلزمني مراجعة الطبيب؟

التحدّي الأصعب للوقاية من كورونا هو تجنّب لمس الوجه.. لم لا نستطيع فعل ذلك؟