لماذا عادت الشعبوية إلى صدارة المشهد العالمي؟.. إجابات لاتينية

لماذا عادت الشعبوية إلى صدارة المشهد العالمي؟.. إجابات لاتينية

كاد المرشح اليميني والشعبوي المتطرف، جاير بولسونارو، أن يحسم المعركة الانتخابية في البرازيل (Getty)

كاد المرشح اليميني والشعبوي المتطرف، جاير بولسونارو، أن يحسم المعركة الانتخابية في البرازيل من الجولة الأولى، بعد أن حقق فوزًا كاسحًا، كانت الاستطلاعات قد تنبأت به في الأسبوعين الأخيرين. وهو ما لا ينفك يثير أسئلة في أوساط اليسار الديمقراطي والليبراليين، عن الانتصارات المتتالية للشعبويين، التي تجتاح هذه المرة واحدة من أكبر الديمقراطيات في أمريكا اللاتينية.

فاز بولسونارو في الجولة الأولى يوم الأحد  بفارق 17 نقطة، وهو فوز بفارق كبير، رغم أنه لم يحصل على نسبة 50٪ من الأصوات المطلوبة للحسم مباشرة

وفاز بولسونارو في الجولة الأولى يوم الأحد  بفارق 17 نقطة، وهو فوز بفارق كبير، رغم أنه لم يحصل على نسبة 50% من الأصوات المطلوبة للحسم مباشرة. ويفترض أنه سيواجه المرشح اليساري عن حزب العمال، فرناندو حداد، في الجولة الثانية المزمع إجراؤها في 28 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

وقد بدا المرشح الشعبوي المثير للجدل، واثقًا وغير مستعد لتقديم أي تنازل، معلنًا أنه "لن يتحول إلى شخصية السلام والحب من أجل الفوز بالأصوات". لم يعد بولسونارو، إذًا، مجرد رجل "ساذج" يحب تقليد دونالد ترامب، حيث أظهرت النتائج الأخيرة أن فوزه في الجولة الثانية ممكن جدًا، وأنه قد يدشن مرحلة جديدة من السياسة البرازيلية، وربما في القارة اللاتينية جميعها.

اقرأ/ي أيضًا: الشعبوية في أوروبا.. تيار يجرف حتى الأحزاب "المعتدلة"

إزاء هذا النجاح المحتمل للشعبوية المتطرفة، في دولة من خارج المركز الأوروبي، تتصاعد التفسيرات التقليدية بشيء من التبسيط الغريب لمشكلة الشعبوية العميقة، وهي التفسيرات التي تتكرر في أوساط الليبراليين والديمقراطيين الاشتراكيين في الغرب.

إجابة الليبراليين السهلة

في مقابلتين منفصلتين نشرتا في الفترة الماضية، مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، مادلين أولبرايت في النسخة الإنجليزية من صحيفة دير شبيغل الألمانية، ومع رئيس البرلمان الأوروبي السابق مارتن شولتز في النسخة الإنجليزية من صحيفة Pais El  الإسبانية، سئل كلاهما عن سبب نجاح الشعبوية في أوروبا. كانت الردود متشابهة إلى درجة التطابق؛ وهي: لأن الشعبويين يقدمون إجابات سهلة للناس، المتعطشين بدورهم لهذا النوع منها.

لا يبدو وللمفارقة، أن ثمة ما هو أسهل من هذه الإجابة نفسها عن ظاهرة كثيرة التعقيد مثل نجاح الشعبويين. حيث إن الادعاء بوجود تفسير واضح أو أحادي، لن يكون مقنعًا في أي حال من الأحوال. لكن الأهم، أن القيادات التقليدية لليبرالية الديمقراطية في أوروبا وأمريكا، مثل أولبرايت وشولتز، يتغنون بالديمقراطية فقط عندما يصوت لهم الناس ويختارونهم في الانتخابات. أما عندما لا يصوتون لهم، فالنقاش مفتوح عن الديمقراطية نفسها وحتى حرية التعبير ومضارهما. وبالتأكيد فالناس الذين كانوا يتمتعون بالوعي والقدرة على الاختيار، يصبحون أشخاصًا جاهلين يمكن التحايل عليهم بسهولة. أما "مضار وعوارض حرية التعبير"، التي أفرزت الشعبوية، فستكون محل تشكيك في عدة تحليلات يتبناها الليبراليون الديمقراطيون أنفسهم.

قد يبدو هذا النموذج المثالي لتفسير صعود الشعبوية مقبولًا - مع أنه ليس كذلك - في دولة من خارج المركز الغربي، لكنه بالتأكيد يبدو متناقضًا بشكل لافت إذا طبق على اليمين البديل في أوروبا أو أمريكا. يحاول المحللون والسياسيون الليبرالييون، الاقتناع أن ما يحدث مجرد طفرة عن المسار الحاسم والعام للتاريخ الديمقراطي والليبرالي بالضرورة، وكما قالت أولبرايت، فإن "التاريخ قد استقر عند الديمقراطية الليبرالية"، وهو إنجاز لا يمكن أن تهدده "طفرة" هنا أو هناك.

كما أن ثمة نموذجًا آخر من هذا التفسير، ينطوي على نفس الدرجة من الاستسهال، وهو ذلك الذي يتبنى الافتراض بأن الشعبوية تنتشر بين أوساط الفقراء والأميين أو الأقل تعليمًا، لأن الشعبوية التي لا يمكن تعريفها، إلا باعتبارها ما يفعله الشعبويون، تقدم إجابات سهلة وعملية للناس "البسطاء"، وهي مجرد عملية تضليل أو إغواء.

ستذهب افتتاحية صحيفة الغارديان البريطانية مثلًا، التي علقت قبل أيام على الانتخابات البرازيلية، لتقول إن الحل لهزيمة الشعبوية، مرتبط بمحاربة الفقر والبطالة، ونشر التعليم، وستتفق معها عدة مقالات في نيويورك تايمز وصحف يسارية أخرى.

إن هذا الافتراض الذي يحظى بشعبية واسعة ويتبناه كثيرون، لتفسير صعود الشعبوية وانتصارها، هو الأخطر على الإطلاق، حيث إنه قائم على تجاهل كامل للأساسات الواضحة التي تشكلت حولها المجموعات المناصرة لليمين البديل؛ أي المصالح السياسية والامتيازات الاجتماعية والطبقية.

على عكس افتراض الأوساط الليبرالية في الغرب، لا يبدو أن مؤيدي دونالد ترامب مثلًا من "الفقراء والبسطاء" الذين تم تضليلهم. ولكنها في المجمل مجموعات تدافع عن امتيازاتها التي حاول ترامب نفسه، بشكل مباشر أن يعبر عنها. أما إنكار ذلك، فهو مجرد مبررات "شعبوية" يقدمها الليبراليون للخسارة.

شعبوية العالم الثالث والدول الصاعدة

تتشابه خطابات جاير بولسونارو، بشكل لافت مع خطابات دونالد ترامب. حيث تقابل "أمريكا أولًا" "البرازيل أولًا"، ويمكن استبدال أمريكا بالبرازيل في كل الشعارات القومية المتطرفة التي رددها ترامب. مع ذلك، فإن هناك فرقًا من الصعب تجاهله بين الحالتين، وهو مرتبط أيضًا بشبكة المصالح نفسها.

في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كرر ترامب في أكثر من موضع كراهيته للعولمة، وبدا وكأنه يشبه قائدًا من العالم الثالث في دول ما قبل فتح السوق. وقد فرض أيضًا مجموعة من القيود الجمركية على عدة دول تخوفًا من إغراق السوق الأمريكية بالبضائع الصينية، وتخلى تمامًا عن فكرة السوق الحر، مقابل فتح علاقات ثنائية منضبطة أكثر. قد يظهر ذلك وكأنه نوع من الانقلاب على تراث كامل من الانفتاح الاقتصادي الذي منح أمريكا كل هذه السيطرة والهيمنة على العالم، لكن بعض التفكير في الوقت الذي تبلور فيه هذا التوجه، قد يوحي بغير ذلك.

لقد توافقت انعزالية الإدارة الأمريكية الجديدة، التي يقودها رئيس فائق الشعبوية مثل ترامب، مع انقلاب جزئي في شبكة المصالح التي تنبني عليها العلاقات الاقتصادية المفتوحة، من خلال صعود دول بحجم صادرات غير مسبوق مثل الصين. لذلك، فإن تفضيل ترامب للعلاقات الثنائية التي تضمن هيمنته، لا يبدو وكأنه يدمر نفوذ الاقتصاد الأكبر في العالم، كما تدعي بعض الأصوات المعارضة له.

يصعب القول، وربما يستحيل، بأن الأوساط المؤيدة للشعبوية في الولايات المتحدة اختارت ترامب لأن فكرة القومية المتطرفة في هذا الوقت تحديدًا تحافظ على الهيمنة الأمريكية. فهناك ملفات مثل اللاجئين والضرائب والتأمين، تجعل الأمر أكثر تعقيدًا. لكن هذا على الأقل، يعطي إشارة إلى الميكانيزمات التي نشأت خلالها الشعبوية في النظام السياسي الأمريكي، أو على الأقل نتائجها المختلفة في في الغرب. وهو ما يعني، أن المقارنة لا تبدو منطقية بين صعود الشعبوية في دولة مثل البرازيل، مع صعودها في دولة مثل الولايات المتحدة.

إن الادعاء أن هناك ظاهرة عامة، هي الشعبوية، لها نفس المصالح والأهداف، موجودة في أوروبا الغربية وأمريكا والدول السوفييتية السابقة وأمريكا اللاتينية، كما يفعل بعض مناصري الليبرالية الديمقراطية، يتجاهل كثيرًا من الاختلافات والتباينات، رغم أن هناك كثيرًا من التشابهات، بالإضافة إلى تزامن صعود هذه الأحزاب والشخصيات بشكل لافت.

في مقابل انعزالية ترامب، يبدو المرشح البرازيلي المتطرف منفتحًا على السوق الحر، وقد أثبت بولسونارو شعبيته داخل مجتمع "البزنس" الذي يحب سياساته فيما يتعلق بفتح الحدود أمام الاستثمار وخصخصة مؤسسات الدولة. ومن اللافت أن بورصة ساو باولو ارتفعت بأكثر من 4٪ يوم الإثنين بعد فوزه في الجولة الأولى. أما حداد، المرشح من أصل لبناني عن اليسار التقليدي في البرازيل، فإنه رغم تمثيله لفكرة الاندماج، يتبنى نزعة مناهضة لما يصفه بالنظام النيوليبرالي المحبب عند  بولسونارو.

قد يصح القول، إن جوهر الشعبوية قائم على العداء للاجئين والأقليات والنساء والمثليين، وقد صرح بولسونارو في غير مرة، عن عدائه الفج لهذه المجموعات. وقال إنه يفضل أن يرى ابنًا له يموت على أن يراه مثليًا. مع ذلك، فإن هناك فروقًا غير قليلة بين أنماط الشعبوية التي تفضل صحف الليبراليين الديمقراطيين، أن تراها كوحدة واحدة، خاصة فيما يتعلق بالموقف من السوق الحر والعولمة. وعلى الرغم من هذا التشابه الحاسم بين "أمريكا أولًا" و"البرازيل أولًا"، فإن قومية المرشح الشعبوي في البرازيل تتوازى في نفس الوقت، مع إعجاب بالانفتاح المعولم للاقتصاد.

اقرأ/ي أيضًا: مارتن شولتز.. اللعب مع الشعبويين على قواعدهم

الأمن والفساد والتصالح مع الواقع

غالبًا ما تغيب الإشارة في تفسير صعود هذه الشعبوية في البرازيل، إلى الخصوصية اللاتينية، التي يستغلها بولسونارو بطريقة واضحة، وكذا إلى لا مبالاة حزب العمال بمسألة الفساد، التي تهم شريحة واسعة من البرازيليين.

لا تتصدر قضايا الأمن فقط دعاية اليمين البرازيلي، ولا يقتصر الأمر على سردية "الأمن أولًا"، حيث يباهي بولسونارو مثلًا بأنه لم يتورط بالفساد، في اللحظة التي يرتبط فيها حزب العمال ضمن صراعه مع معطيات الدولة العميقة وإرث الأوليغارشية وورثتها بتهم عدة في هذا المجال، وقد زار حداد بشكل مفاجئ، يوم الاثنين، الرئيس السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في زنزانته، التي يقضي فيها حكمًا بالسجن بسبب اتهامات بالفساد، وكان حزب العمال نفسه يريد قبل ترشيح حداد، اختيار لولا لتمثيله في الانتخابات.

من الصحيح أن بولسونارو يعادي الأقليات والنساء والفقراء بشكل واضح، لكنه يدافع بشكل أوضح عن أن اليسارعالق في "قضايا غير مهمة"، قد تعجب التيارات الوسطية على قوله، ويظن أن ما يريده البرازيليون أكثر، هو أن يعود أبناؤهم بأمان عندما يخرجون، في إشارة إلى ضرورة محاربة الجريمة. لكن الأمر بالنسبة له لا يقتصر على الأمن، حيث تتوجه دعايته أيضًا ضد البطالة. وقد نشر على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، أن "السلامة هي أولويتنا! إنها ملحة! الناس بحاجة إلى وظائف، ويريدون التعليم، ولكن لا فائدة من السلامة إذا استمروا في السرقة في طريقهم إلى وظائفهم؛ ولا فائدة إذا بقي الاتجار بالمخدرات على أبواب المدارس".

في مقابل انعزالية ترامب، يبدو المرشح البرازيلي المتطرف منفتحًا على السوق الحر، وقد أثبت بولسونارو شعبيته داخل مجتمع "البزنس" الذي يحب سياساته فيما يتعلق بفتح الحدود أمام  خصخصة مؤسسات الدولة

لقد أثبتت عدة تجارب لاتينية، أن تقديم اليسار لخطاب واقعي أكثر، مرتبط بخطط عملية لتحسين أوضاع الفقراء، من دون معاداة النخب المناصرة للانفتاح الاقتصادي، يستطيع تجاوز النزعات الشعبوية بشكل حاسم.

 فاز أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، المعروف بـ"أملو"، في الانتخابات الرئاسية المكسيكية، التي أعلنت نتائجها مطلع شهر تموز/يوليو الماضي، حاصدًا نسبة عالية من الأصوات، بعد خسارتين متتاليتين في السنوات الماضية. وقد استطاع تجاوز القلق الذي ساد بين أوساط المستثمرين، والذي كان يمكن أن يتسبب بهبوط في المؤشرات الاقتصادية في البلاد. وقال "أملو" أكثر من مرة، أن هذا التصالح مع الواقع، يصب في مصلحة الفقراء أنفسهم. وقد كان ذلك، أيضًا بالتوازي مع الوعود بتحقيق الأمن، وإنهاء حرب المخدرات بدون اللجوء إلى عنف مضاد. قد يكون أملو استفاد من تجارب غنية عرفتها القارة اللاتينية في مواجهة الانقلابات العسكرية والفاشيات المتصاعدة، سواء في بلاده أو بوليفيا أو البرازيل والأرجنتين وغيرها من بلدان أمريكا الجنوبية والوسطى. لكن لا يمكن القفز عن تجربته الفريدة في مواجهة الدعاية الشعبوية بالخطط العملية التي تمس معاش الناس وهمومهم الحيوية دون الانتباه لتجربة إيفو موراليس في بوليفيا، التي سبقت أملو بسنوات، سواء في تعزيز الأدوار النقابية ضمن المجتمعات العمالية، أو تنظيم زراعة الكوكا والدفاع عن تراثها بعيدًا عن معطيات تجارة الكوكائين غير الشرعية. والأهم، في حالة مثل بوليفيا، تقريب التعليم والصحة وخدمات الدولة إلى حياة المواطن كحقوق واجبة، في بلد تأخر في هذا المضمار عشرات اسنوات عن محيطه نتيجة الأرستقراطية السلطوية، التي لم تستشعر سابقًا حاجتها لبذل الشعارات والوعود كما هي حالها اليوم.  

الشعبوية والصواب السياسي

قد يتحمل مناصرو الصواب السياسي جزءًا من الذنب، عن صعود اليمين المتطرف. ليس لأن الشعبوية تبدو وكأنها نوع من نزعة مضادة، تدافع عن الفئات التي تحظى بالامتياز (الذكور، البيض، المواطنون المحليون، إلخ). ولكن لأن الشعبويين يستغلون هذا التخيل المتبلور داخل أوساط الصواب السياسي عن العالم، باعتباره مقسمًا إلى فئات ذات خصوصية وهويات مستقلة، بالإضافة إلى استغلالهم للنفور العام من هذه المبالغات.

لقد صرح جاير بولسونارو، الذي سيصبح الرئيس القادم على الأغلب، بشكل واضح، بأن "الصواب السياسي هو فكرة يسارية متطرفة" وأنه يمثل بنفسه ضحايا هذه الفكرة، وضحايا الهجوم الذي يقوده أنصارها. وقد عززت مؤسسات الصواب السياسي للأسف، من القناعة بأن هناك هجوم على البيض والذكور والسكان المحليين، ليس لأنهم أصحاب امتياز، ولكن ببساطة لأنهم بيض وذكور وسكان محليون!

 

اقرأ/ي أيضًا:

مادلين أولبرايت.. أن تغرس رأسك في رمل "الخلاص الليبرالي" الدافئ

القفز عن الديمقراطية بالاستثنائية الاقتصادية.. كيف يغذي رجال البنوك الشعبوية؟