مارتن شولتز.. اللعب مع الشعبويين على قواعدهم

مارتن شولتز.. اللعب مع الشعبويين على قواعدهم

يحمل شولتز الناس مسؤولية صعود الشعبويين (Getty)

أول ما يخطر في بال المطلع على لهجة النخبة التقليدية من الليبراليين في أوروبا والولايات المتحدة، عندما يهاجمون الشعبوية، أن ثمة استسهالًا فريدًا من نوعه، في التعامل مع ظاهرة شديدة الأهمية والخطورة. وفي نفس الوقت، فإن معظم التفسيرات التي يطرحها ممثلو أحزاب اليسار والوسط في الغرب اليوم، لنجاح الشعبوية، لا تتعلق أبدًا بفشلهم، ولكن، وللمفارقة، بفشل الناس والشعوب أنفسهم في الاختيار.

تتعامل النخبة الليبرالية التقليدية في الغرب مع الشعبوية باستسهال ظاهر

ثمة إجابة سهلة، ستتكرر هنا، لسؤال نجاح الحركات الشعبوية في الغرب، وهي أن الخطاب الشعبوي يغري الناس بحلول بسيطة، وفائقة السرعة.

وبمعنى آخر، فإن الشعبويين يقومون بتضليل الناس، والاحتيال عليهم، وهو ما يؤكده كثير من الزعماء الليبراليين، وهو ما يفعله رئيس البرلمان الأوروبي السابق، مارتن شولتز، في هذه المقابلة المترجمة عن صحيفة El Pais الإسبانية. ما يجعلهم على حد سواء في التعامل مع الناس، باعتبارهم سلبيين وغير فاعلين ويمكن الاحتيال عليهم.

يبين النص المترجم للمقابلة أدناه، منطقة ضبابية من موقف الأحزاب الليبرالية وأحزاب الوسط واليسار في الغرب، من صعود الشعبوية، وتجاهلهم لدور فشلهم في هذا الصعود، وتحميل الناس أنفسهم الذنب عوضًا عن ذلك.


أصبحت قصة مارتن شولتز وكأنها مأخوذة من مأساة يونانية. إذ لم يسع رئيس البرلمان الأوروبي الذي شغل المنصب منذ عام 2012 إلى عام 2017، إلى إعادة انتخابه، بل سعى جاهدًا إلى إنقاذ الديمقراطية الاجتماعية في بلده عن طريق الترشح إلى منصب المستشار الألماني في انتخابات عام 2017، بصفته مرشحًا عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وواجه مارتن شولتز لمدة عام الكثير من الصعوبات، وتعرض فيها إلى الكثير من النقد والإعجاب الذي ظهر جليًا عبر وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي على حد سواء. كما أقسم مارتن شولتز أنه لن يشغل أبدًا أي منصب في الائتلاف الحكومي الجديد بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل، ولكن انتهى به الأمر في نهاية المطاف إلى السعي لشغل منصب وزير الخارجية في السلطة التنفيذية الحالية، ما دفع أعضاء الحزب الشعبي إلى المطالبة بالإطاحة به من أجل إنقاذ مصداقية الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

بعد مرور أربعة أشهر على فقدانه منصبه، يجلس الرجل الذي أراد أن يصبح لاعب كرة قدم وانتهى به الأمر إلى أن يصبح بائع كتب، داخل مكتبه في البوندستاغ الألماني، حيث يدافع عن ضرورة قيام ثورة تقدمية مضادة في أوروبا، من شأنها مكافحة القومية والشعبوية المتفشية في القارة. وقال في مقابلة مشتركة أجراها مع جريدة البايس الإسبانية وجريدة لا ريبوبليكا الإيطالية وجريدة لو فيغارو الفرنسية، "لقد حان الوقت لليسار المؤيد للاتحاد الأوروبي أن يبذل المزيد من الجهود للحشد".

اقرأ/ي أيضًا: مادلين أولبرايت.. أن تغرس رأسك في رمل "الخلاص الليبرالي" الدافئ

- أنت تعتقد أن أوروبا تمر بأوقات عصيبة. لماذا تعتقد ذلك؟

تستند الفكرة التي تأسست عليها أوروبا على ثلاث ركائز: التكافل والاحترام والكرامة. لكننا نمر بأوقات تتعرض فيها تلك الركائز إلى خطر محدق. أحد الأمثلة على ذلك هو التحريض الشعبوي ضد الأقليات والبحث عن منافع قصيرة الأجل، كما يمكن رؤية ذلك بوضوح في إيطاليا. إذ تُعتبر السياسة التي ينتهجها وزير الداخلية ومطالبته بإحصاء أعداد الغجر شبيه بالفاشية. ولذا أصبح ما نشهده هو امتهان للغة السياسة، ينطوي على تحطيم مبادئ التكافل والاحترام والكرامة. وهذا قد يعني نهاية الديمقراطية. فبعد أن كانت هذه الحركات هامشية لبعض الوقت، اخترقت الآن الديمقراطية البرلمانية ومراكز الحكومة. وهذا الأمر في منتهى الخطورة.

يتعين على الديمقراطيين والتقدميين والقوى الليبرالية والإنسانية الاعتراف بأن اليمين ما فتئ ينظم نفسه منذ فترة طويلة، على سبيل المثال بصفته جماعة سياسية مناهضة لأوروبا في البرلمان الأوروبي. وفي هذه الحالة، يعني مصطلح "اليمين" تلك القوى الشعبوية المناهضة للديمقراطية والمناهضة لأوروبا. ومن المخزي الطريقة التي يهاجمون بها الأقليات. إنه لأمر مشين أن يستخدموا أعظم مشروع سلام في العالم، الذي يتمثل في الديمقراطية الأوروبية العابرة للحدود الوطنية، ككبش فداء. هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين يريدون خلق العداوة بين بعضنا البعض ويستخدمون الخطابات الرنانة المعادية لأوروبا لإعادة تأميم السياسة.

هذا من شأنه أن يلقي بنا إلى حافة الهاوية. فهم يتصرفون بشكل غير مسؤول، وليس فقط الأحزاب اليمينية المتطرفة، بل وأيضًا الأحزاب اليسارية المتطرفة، كما شهدنا ما حدث في فرنسا مع جان لوك ميلونشون، وماتيو سالفيني في إيطاليا، وهاينز كريستيان شتراخه وسيباستيان كورتس في النمسا، وفيكتور أوربان في المجر وغيرهم من الشعبويين اليمينيين الآخرين الذين عقدوا العزم على تصفية الاتحاد الأوروبي. ولا يمكن لأشخاص مترددين مواجهة أولئك العازمين على فعل شيء. لذا نحن بحاجة إلى حركة مضادة. وبحاجة إلى الشروع في تمرد يتميز بآداب السلوك والأخلاق. ولذا ينبغي على أولئك الذين يؤمنون بأن التعاون بين الدول والأمم هو أفضل شيء يمكن للإنسانية القيام به في القرن الواحد والعشرين أن ينهضوا وينظموا صفوفهم. لقد حان الوقت لتشكيل حركة يسارية فعالة مؤيدة لأوروبا.

- لماذا يحقق الشعبويون إنجازات في معارك الأفكار؟

نحن نعيش في عصر التغيير متعدد الأقطاب، حيث أصبح العالم مكانًا أقل أمانًا وأقل شفافية. فيه تمتلك شركات الإنترنت سلطات أقوى من الدول، وإنه من المفهوم أن الناس يريدون المزيد من الأمن والأشياء البسيطة. أما هؤلاء الذين يرسمون العالم بالأبيض والأسود، مثل ترامب وسالفيني، إنما يروجون لأفكارهم البسيطة وهذا شيء شديد الجاذبية. إن عليك أن تتحلى بالشجاعة لتصرح أن العالم شديد التعقيد وأننا في طريقنا لكي نصنع حلولاً، وحينها علينا أن نصف ثم نطبق هذه الحلول. لكن الصحيح في هذا المقام هو التركيز على المشكلات الصحيحة، وهو ما يجده تيار اليسار أمرًا صادمًا بدوره: ذلك أن الشركات متعددة الجنسيات تتهرب من دفع ضرائبها بينما يدفعها المواطنون. إن عدم المساواة يزداد سوءًا، لكن لا تنخدع بذلك: إن سياسيي جناح اليمين لن ينتهجوا مسالك اليسار السياسية.

إن معظم التفسيرات التي يطرحها ممثلو أحزاب اليسار والوسط في الغرب اليوم، لنجاح الشعبوية، لا تتعلق أبدًا بفشلهم، ولكن، وللمفارقة، بفشل الناس

- إن الديمقراطية الاجتماعية في مأزق في جميع أرجاء أوروبا فكيف لها أن تستعيد أصوات الناخبين؟

- صحيح إن هناك أزمة. لقد خسرنا الانتخابات وأعضاءً من الحزب معها، لكن ليس في كل المناطق. لدى الديمقراطيين الاجتماعيين الكثير من الفر ص. وإن السؤال هو: لم يدير الناس ذوو الاحتياجات الملحة إلى حماية الدولة ظهورهم عن الديمقراطية الاجتماعية؟ ربما لأن لديهم شعورًا أن دور الدولة كحامٍ غير مشروط قد انتهى. إنها رسالة تعني أنهم لن يصلوا لمحدودي الدخل فحسب بل للطبقة الوسطى أيضًا. وفي السنوات العشر الأخيرة أخذت إعادة التوزيع في التراجع تنازليًا وأصبحت أمرًا مألوفًا وتفادى القطاع البنكي الإفلاس بفضل أموال دافعي الضرائب.

اقرأ/ي أيضًا: ما وراء خطوط الشعبوية.. هل هو عصر إذابة الدولة القومية الحديثة؟

- لقد تسببت أزمة اللاجئين في جعل الدولة الألمانية أشد ضعفًا

إن الفوضى المحلية التي خلقها الاتحاد الاشتراكي المسيحي (CSU) كانت مأساوية لأوروبا كلها. ففي الوقت الذي نشهد فيه النزعة الأمريكية أحادية الجانب، وتوغل السلطة الروسي، لا تستطيع أوروبا الانخراط في سياسات ارتدادية: إن عليها أن تظهر قوة إرادة  تقوم على مبادئ الديمقراطية الاجتماعية في اقتصاد متكامل تبلغ فيه الرفاهية كل أفراده لا مجرد ثلة قليلة منهم.

كيف ترى الاتفاق الذي توصلت إليه أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون بشأن ميزانية المنطقة الأوروبية؟

إنه مازال غير كافٍ. نحن بحاجة إلى ميزانية استثمارات طموحة تسمح بالتقليل من الفوراق الضخمة في منطقة اليورو.  إن ثقل عدم المساواة نتج عنه الفائض الهائل في ألمانيا. وهذا ما يدفعني إلى القول إن إسهام ألمانيا في هذه الموازنة هو نوع من العدالة لا أكثر. تحتاج الموازنة إلى أن تمتلك طاقة استثمارية كافية تسمح للشباب في دول كإسبانيا وإيطاليا واليونان أن يطمحوا إلى الحصول على وظائف أفضل.

ما الدور الذي تود أن تلعبه في ألمانيا اليوم؟

أريد أن أكون مفوضًا يدافع عن القسم الأوروبي من اتفاق التحالف. إن هذا التحالف من شأنه أن يخوض المعركة عن الاتحاد الأوروبي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشعبوية في أوروبا.. تيار يجرف حتى الأحزاب "المعتدلة"

الديمقراطية..على حافة الهاوية