"كحل وحبهان" لعمر طاهر.. رواية الطعام والنوستالجيا

تنشغل روايات عمر طاهر بالنوستالجيا (يوتيوب)

هناك أغنية في التراث النوبي تقول: "حبيبي المانجا والتفاح.. حبيبي عسل والناس مساخ".  يتذكر القارئ هذه الأغنية من التراث النوبي السوداني، حين يقرأ رواية "كحل وحبهان" للكاتب عمر طاهر. وقد تساءل كثيرون عن هذه الرواية كإحدى أهم الخطوات في مسيرة عمر طاهر.

يبرع طاهر في مساحة آمنة هذه الأيام وهي النوستالجيا، البضاعة التي تربح دائمًا، والتي تبيع جيدًا طالما أن الراهن لم يعد متاحًا وممكنًا

 في معظم كتبه ينحاز عمر طاهر إلى الكتابة الخفيفة، وهو يعرف جيدًا إلى أين ستذهب به موهبته مع الناس، فكان كتابه "كتاب المواصلات: حكايات شخصية لقتل الوقت"، خصيصًا لأجل الساعات الطويلة التي يستغرقها المواطنون بين أعمالهم وبيوتهم، ووصفها كثير من قرائه بأنها "كتابة لايت"، وهو لون الكتابة الذي تخصص فيه طاهر طوال سنوات.

اقرأ/ي أيضًا: "زمان وأيام زمان".. تجليات النوستالجيا في حياتنا اليوم

يبرع طاهر في مساحة آمنة هذه الأيام وهي النوستالجيا، البضاعة التي تربح دائمًا، والتي تبيع جيدًا طالما أن الراهن لم يعد متاحًا وممكنًا، إلى الحد الذي يمكن معه الكتابة عن كل شيء فيه. يجتاح عمر مساحات النوستالجيا ببساطة السهل الممتنع بطريقة مسلية وذات خفة نادرة، توحي للقارئ أن أيًا كان يمكنه أن يكتب هذه الكتابة وأنه يمكنها أن تخرج من بين يديه سليمة دون عيوب، وهي خدعة تنطلي أحيانًا على من يحاولون تقليده.

"كحل وحبهان".. طبخة الحب والطعام والذاكرة

طوال مائة وثمانين صفحة، يحاول عمر طاهر من خلال شخصية "عبد الله" أن يوظف الطعام، والمطبخ المصري تحديدًا في الحكايات الإنسانية من خلال شخص البطل مراهقًا وكهلًا. هناك مقاطع شديدة الجاذبية في كتابه، الذي يمكن تصنيفه بأنه أفضل ما كتب طاهر على الإطلاق، فهو حين يحكي عن القهوة مثلًا يقول: "القهوة هي مزاج الأشحاص الذين يحفظون للكوكب توازنه"، ثم يضيف في موضع آخر "ثمة حدث ما لم أفهمه، صارت القهوة إدمانًا. مأساة الإدمان أن الجرعات الأولى تجلب قدرًا من الانتعاش والنشوة، وبمرور الوقت يضيع هذا القدر، ثم يصبح على المدمن أن يسعى خلف جرعات أكبر طلبًا له"، ويحدد نوعية العلاقة التي تفرضها القهوة على شاربيها فيقول: "القهوة مشروب سعته شخصان على أقصى تقدير، المساحة الأكبر في حوارهما للصمت (...) مع الوقت والتكرار يفتر الغرام، ويبهت التأثير، ثم يصبح فنجان القهوة الذي يرضيني أمرًا يعتمد على الصدفة، شيء قدري لا منطق له ولا قواعد، تمامًا مثل الحب".

الحكاية لا تبدأ عند القهوة ولا تنتهي فيها، ففي كل المراحل، يحلل طاهر كل شيء من "منظور طعامي"، ويخلق بطريقة بسيطة معنى أن يكون بين الأب وابنه "عيش وملح"، في موقف يصنع فيه الابن المراهق وجبة خفيفة لأبيه في غياب أمه لأول مرة، موقف عادي بلا اصطناع ويُخلق من مكونات منزل مصري عادي.

يتعامل طاهر بشكل أكثر دقة وفاعلية مع ما يتعلق بالتفاصيل حول الطعام وغيره، وهو ما يلفت النظر في صفحات كتابه، فيبدأ بالرائحة، مكمن الغواية في بعض الأشياء. يروي مثلًا عن النقود: "يقول العلم إن رائحة النقود هي خليط رائحة القطن والصبغات والبكتيريا التي تنام فوق الأوراق، ويقول قلبي: إنها خليط روائح الأماكن التي كانت تختبىء فيها النقود طوال رحلتها: من مشد صدر إمرأة أربعينية ما زال عرقها يحفل ببعض الفتوة، إلى محفظة من جلد صناعي تُفرز في جيب حاملها بالوقت الملح وأحماض الدباغة، إلى جيب عامل محطة الوقود الذي يلتقط رذاذ البنزين من سيارة إلى أخرى. من درج خشبي في محل ألبان عريق يعج برائحة خميرة القشدة". ويتابع في موضع آخر: "رائحة الخمور هي رائحة الإغواء واكتشاف أراضي الأنوثة، رائحة القطار هي (خليط من رائحة الحمَام والتدخين والأقدام والعرق). هي رائحة قلب يتفتت وهو يفارق موطنه في المدينة النائية لأول مرة". وأيضا: "المرح له رائحة الفلفل الأسود، الطمأنينة لها رائحة الثوم المجفف المُعلًق فوق أحد حوائط شرفة البيت، الفانيليا رائحة حزن استحالة العودة إلى غرفتي الصغيرة".

التوابل: سر كل شيء!

لا يمكن أن تتحدث في رواية منظورها الطعام دون التطرق إلى التوابل، أو هكذا فعل طاهر. حكاية الحروب الصولات والجولات وكيف أن العُلب الصغيرة للتوابل المتراصة جوار بعضها في مطابخنا كانت نتاج حرب، رأى من خلالها أن "من يسيطر على التوابل يسيطر على العالم"، مستشهدًا بحكاية الحرب بين الهولنديين والإنجليز، و فاسكو دي جاما الذي عاد مبشرًا من إفريقيا بأطنان من الزنجبيل والقرفة، وكريستوفر كولومبوس الذي عاد من أمريكا بالفانيليا والفلفل الحلو، وكيف أن السيَّارة الذين التقطوا النبي يوسف من البئر كانوا قافلة توابل عابرة، وأن الهنود كانوا يقسمون في المحاكم على الريحان، و أن الينسون كان مقدسًا لأنه كان يضاف إلى الأدوية الأكثر مرارة، أما الحبهان الذي اختاره كعنصر من عناصر "اسم روايته" إن جاز لنا التعبير، فيقول عنه "إن له سحر وقور واستنشاق رائحته قبل أن تكمل ثلاثينياتك يقول لك (ولا يهمك)"، ويستطرد: "رائحته لها علاقة بأول الخلق، غموض التجربة الجذاب، هو رائحة عازفي الإيقاع خلف أم كلثوم، ومؤلفي الكلمات المتقاطعة"، و يشبّه رائحته بإحساس فقدان الاتجاهات في خان الخليلي في القاهرة.

ينحاز عمر طاهر إلى الكتابة الخفيفة، مدركًا جيدًا إلى أين ستذهب به موهبته مع الناس، وهو لون الكتابة الذي تخصص فيه طوال سنوات

أما الريحان، فهو جالب الحبيب، ورائحته تشبه مقابلة نجمك المفضل في الشارع صدفة، والأمل في أهداف اللحظة الأخيرة، وطريق المصيف وقبول الاعتذار.

اقرأ/ي أيضًا: الزواج النوبي.. التزام بالجذور والذاكرة

أما بقية المشاهد فهي تخص الشريكة التي لم يكن ممكنًا ألا تتمتع بنفس الشغف والقدرة على تذوق الحياة من خلال "أكلة" جيدة، هي علاقة لا تبدأ عادية، و تناسب "جو" المدينة ذي الإيقاع السريع، ومحاولات اختطاف لذة هنا أوهناك، في روتين حياة يومي تختفي فيه لذة الأشياء وأطعامها الجيدة.

هي رواية ستعيدك إلى القراءة إن هجرتها بسبب انشغالاتك، أما إن كنت قارئًا شغوفًا فهي استراحة جيدة من التعقيد، وهي لعبة محكمة الصُنع قوامها البساطة والإيجاز اللذين يحتاجان إلى براعة أكيدة أيضًا.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

"جدار أخير" ونوستالجيا مي خالد

الحنين للثورة يقتلها