قانون قيصر.. نافذة أمل لعودة السوريين إلى السياسة

قانون قيصر.. نافذة أمل لعودة السوريين إلى السياسة

غرافيتي لحافظ الأسد وابناه بشار وباسل في حلب

حين قرّر حافظ الأسد الاستئثار بالسلطة السياسية حكم عليها أن تتحول من أداة لإدارة الشأن العام للسوريين لتعظيم منافعهم العامة والشخصية إلى أداة لنهبهم. ولما كان نجاح النهب وإدامته متوقفًا على نفي السياسة من المجتمع، عمد إلى طردها منه وتجريم العمل بها. الأمر الذي قضى بدوره إلى طرد مفهوم الشعب من المجتمع، أي مجموع الأفراد الأحرار، المنوط بهم وحدهم إدراة شؤونهم اليومية على نحو رشيد وعقلاني، وتحويلهم إلى حشد من الرعايا الخانعين الخاضعين لسلطة خارجة عنهم، هي سلطة الزعيم الأوحد.

في سبيل تأمين الأسد لسلطته المطلقة كحاكم فرد ومن ثم تحويلها لسلالة حاكمة، كان عليه البحث عن عصبية أو جماعة أهلية متماسكة

في سبيل تأمين الأسد لسلطته المطلقة كحاكم فرد ومن ثم تحويلها لسلالة حاكمة، كان عليه البحث عن عصبية أو جماعة أهلية متماسكة، لها القدرة على حماية سلطته وتأمين أسباب استمرارها واستقرارها إلى أبد الآبدين. فبدل أن يتوجه للبحث عنها في حزب البعث العقائدي، التي تتيح بنيته المركزية القائمة على فكرة القائد المهلم أو الفذ، رفعه إلى مستوى الزعيم المنزهة عن النقد والمساءلة، اختار أن يتوجه للبحث عنها في الطائفة الدينية التي ينحدر منها.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة السويداء.. حفر في الواقع لا قفز بالهواء

وهو أمر ما كان للمرء أن يجد تفسيرًا له إلا استنادًا لتجربة الأسد نفسه مع هذا الحزب. فالحزب الذي خبره الأسد، لم يكن له الدور المركزي والحاسم في منح السلطة المطلقة لزعيمه السياسي، بقدر ما كان ذلك متوقفًا على رضا القوة الإنقلابية التي أوصلته إلى سدة السلطة. ولقد أثبتت الوقائع أن الزعامة السياسية، لا تكون مضمونة وفاعلة النتائج إلا إذا كانت مدعومة بقوة العسكر. فحافظ الأسد نفسه لم يكن يتمتع قبل انقلابه على زملائه 1970 بأي قبول سياسي في اللجنة المركزية المؤلفة من 80 عضوًا، باستثناء صوته وصوتي عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس. من هنا كانت استمرارية الأسد وترسيخ زعامته متوقفة على طبيعة العصبية أوالقوة البشرية التي ستمده بالولاء والطاعة، والتي لم تكن متوفرة في ذلك الوقت إلا في طائفته الدينية.

مثّل توجه الأسد الأب إلى الطائفة العلوية بقصد توظيفها في حماية سلطته العائلية المستحدثة تحولًا كبيرًا في طبيعة الاجتماع السوري، الذي بدل أن ينهض على فكرة الشعب الواحد، التي ظلّت اللبرالية السورية تؤمن وحدته، حتى انقلاب البعث 1963. وجد نفسه مرتدًا إلى مجموعة من الطوائف اللاسياسية، أو على نحو أدق الطوائف الأهلية (المذهبية)، مع تبدل كبير في مكانة تلك الطوائف، حيث نجح النظام في تحويل الطائفة العلوية إلى طائفة الرئيس، الذي يملك مشروعه الخاص ببناء سلالة حاكمة.

إن القول بأن الطائفة العلوية هي التي تستولي على السلطة، كما لو كان لديها بنية خاصة بإنتاج السلطة وإعادة توزيعها على أعضائها بعيدًا عن سلطة الأسد، فيه الكثير من التجني المعرفي. ذلك أن مشروع الأسد القاضي ببناء سلطنته الخاصة، أدى آليًا إلى طرد الشعب من المجتمع، كما أدى إلى تفكك المجتمع إلى بناه الأهلية، المؤلفة من مجموعة من العشائر والطوائف المذهبية.

الأمر الذي سمح له بالعودة لطائفته الخالية من أية سلطة اللهم سوى سلطة العرف، وإلحاقها بمشروعه الخاص. ولقد تولد عن هذا الإلحاق المتدرج للطائفة، التمييز بين نوعين من العلويين؛ العلويون الذين بقوا خارج السلطة الأسدية، والذين لاحول لهم ولا قوة، وبدون فعالية سياسية حالهم في ذلك حال بقية طوائف المجتمع السوري. والعلويون الملتحقون بسلطة الرئيس، والذين سيدخلون منذ ذلك التاريخ ما يدعى طائفة الرئيس أو "طائفة الأسد"، الذي سيعمل دون كلل أو ملل لإلحاق المزيد منهم في طائفته الجديدة، خاصة بعد عام 1982، ذلك العام الذي تسنى له البدء بالقضاء على "رابطة العمل الشيوعي" التي كان يشكل العلويون في بنيتها مايقارب الـ 30 %. وهكذا سيتم القضاء على العلويين أو على جزء كبير منهم وتحويلهم إلى "طائفة الرئيس" السلطوية التي ستظل تستغل انحدار معظم أعضائها من الطائفة العلوية لتوهمهم بأنها سلطتهم، فيما هي بالحقيقة سلطة آل الأسد ودولتهم، وما هم في حقيقتهم سوى أداة في يد تلك السلطة لحماية دولتها ونفوذها.

إن القول بأن الطائفة العلوية هي التي تستولي على السلطة، كما لو كان لديها بنية خاصة بإنتاج السلطة وإعادة توزيعها على أعضائها بعيدًا عن سلطة الأسد، فيه الكثير من التجني المعرفي

في ربط العلوية بسلطته الاستبداية قام حافظ الأسد بمسخ العلوية، وتحويلها من طائفة مذهبية أو أهلية، إلى طائفة سلطوية. فالعلوي الملتحق بصفوف الجيش العقائدي أو المخابرات، لم يعد علويًا إلا بالاسم، إذ تحول ليصبح سلطويًا أسديًا، لا مهمة له سوى تأبيد سلطة سيده، عبر إخضاع بقية السوريين والهيمنة عليهم.

اقرأ/ي أيضًا: نهوض رامي مخلوف وسقوطه

إن دخول العلويين في خدمة الأسد سيحولهم رويدًا رويدًا إلى طفيليين اقتصاديين على شاكلته، حيث ستصبح السلطة الممنوحة لهم بفعل تداخلهم مع سلطته، المدخل الأساسي للثراء الاقتصادي والترقي الاجتماعي. دون أن يعني ذلك تعميم الوفرة على الجميع، ذلك أنه لن يمكن التعويل على عدالة السطلة الأسدية بسبب طبيعتها العائلية والهرمية، التي تعتمد في توزيع غنائمها على أنصارها، بمدى قربهم أو بعدهم العائلي عن الرئيس.

على عكس كل ما يقال في أروقة مثقفي السلطة الأسدية ومنظريها عن تسرب الطائفة السنية إلى الحزب العقائدي والجهاز الإدراي الاشتراكي لدولة الأسد وتفجيرها من الداخل. فإن الطائفة السنية، لم تختر ذلك الدخول وإنما أجبرت عليه جبرًا، حالها في ذلك حال الطوائف السورية الأخرى لسببين؛ تمثل الأول برغبة الأسد بإخفائها من حيز الوجود السياسي كجماعة أكثرية، فيما تمثل الثاني بتمويه عملية نهبها من جهة، كما إقناعها بقبول ذلك النهب والخضوع لقواعده من جهة أخرى.

إلا أن ما جهله الأسد في عملية التحول تلك، هو استحالة إخفاء أو تركيب الطوائف أو المذاهب الدينية، ذلك أن الطوائف الدينية في ظل السلطات الاستبدادية يزداد حضورها بدلًا من أن يبهت، حيث تصبح ملجأ وحيدًا لأعضائها المطرودين من دائرة الحق والقانون إلى دائرة القهر والعسف وفق رأي المفكر السوري برهان غليون. فالطائفة الدينية في هذه الحال، تتحول إلى نوع من التعويض عن المجتمع السياسي الذي طرد منه الفرد. ذلك أن الطائفة تثير في نفس أعضائها نفس ذلك الإحساس الذي يثيره في نفوسهم المجتمع القائم على مفهوم المواطنة، وما كل ذلك إلا لكون كل منهما يقوم على مبدأ الأخوة، الأخوة الإنسانية في حالة المجتمع، والإخوة الدينية في حالة الطائفة الدينية.

والحال أن الطائفة الدينية، وهي في مثالنا الآنف الطائفة السنية، نهضت بأدوار متناقضة، جراء الضغوط الذي تعرضت لها بفعل تدمير الأسد لفكرة المجتمع السياسي، القائم على مفهوم المواطنة والتعددية الحزبية وسيادة فكرة القانون. فقد قبل جزء كبير من أعضائها، سواء في مؤسسة الافتاء أو مؤسسة الأوقاف، القيام بدور المبرر لواقع الاستبداد، عبر دفع أنصارها للتعامل معه كنوع من الامتحان الإلهي الذي يجب الإقرار به والتحايل على آثاره، ما دام يوفر في حده الأدنى القدرة على الاستمرار في العبادة كما العقيدة. مع كل ذلك لم يبتعد هؤلاء الانتهازيون، شركاء الأسد في الغنيمة، عن أنصارهم ومريديهم، كي يبقوهم تحت دائرة نفوذهم. إذ كانوا يلجؤون إلى سياسة العمل الخيري، كي يمنحوهم أملًا كاذبًا بالأخوة الدينية التي يعتقدون بوجودها بينهم وبين مشايخهم.

إذا كان هناك من قيمة عظمى لانتفاضة الشعب السوري في 2011، فهو إعلان مشاركيها رغبتهم العميقة بالعودة للسياسة، باعتبارها نشاطًا خاصًا بالناس الأحرار

أما البعض الآخر من ممثلي الطائفة السنية، فقد تعامل مع واقع سلطة آل الأسد، من زاوية الشعور بالفرح والسرور، على مثال الشيخ البوطي، الذي لم يخف قبوله وإذعانه للسطة المستبدة في دمشق، ليس جريًا على المبدأ الفقهي الذي يبرر الخضوع لولاية القاهر والمستبد، ما دام يقيم شعائر الله وعباداته. وإنما لتعامله مع هذا الوضع الضاغط على الناس من باب توظيفه لمنطقه الصوفي، الذي يفضل تعلق الناس بمبدأ الخلاص الآخروي على حساب المبدأ الدنيوي القاضي بتدبير أحوالهم ومعيشتهم من خلال الاشتغال بالسياسة. وهو وإن كان صادقًا في مسعاه الروحي هذا، فإن كان من حيث يدري يحض الناس على ترك الناس للسياسة والعمل بها، لأنها طريق لمزيد من الشرور التي تحرم صاحبها من الدخول إلى الجنة.

اقرأ/ي أيضًا: قشّة بوتين والغريق السوري

إذا كان موقف رجال الهيئة الدينية في الطائفة السنية ظل سلبيًا، لجهة علاقته مع السلطة الأسدية، فإن الطائفة أو دينها ظل ملجأ لكثيرمن حالات التمزق العاطفي الذي اضطر أنصارها لمكابدتها، عبر دفعهم للوشاية بأخوة الرابط الديني، بقصد تدمير جميع الروابط الإنسانية التي قد تشكل مدخلًا للعمل السياسي، الذي لا يمكن أن ينهض إلا على مبدأ الثقة المتبادلة. إلا أنها شكلت في الوقت نفسه، مكانًا لمقاومة الظلم سواء عبر التمسك بالأخلاق الفاضلة، أو عبر الانخراط في التنظيمات الجهادية، التي تهدف إلى تخطي حالة الاستبداد المستعصية هذه بأساليب عنفية، ما دامت السلطات الأسدية تسد عليهم الوسائل المدنية الموصلة إلى التغيير المنشود.

إذا كان هناك من قيمة عظمى لانتفاضة الشعب السوري في 2011، فهو إعلان مشاركيها رغبتهم العميقة بالعودة للسياسة، باعتبارها نشاطًا خاصًا بالناس الأحرار، وباعتبار الحرية أو إرادة الناس الحرة الشرط اللازم للمارسة أي نشاط سياسي، لذا لا غرو أن يتم التعبير عن ثورة الشعب السوري بأنها ثورة للحرية والكرامة الإنسانية. فبتعيين الناس عبر شرط الحرية، أي كأناس أحرار، يمكن فقط التعرف عليهم كشعب، أما ما دون ذلك فإنه لن يتم التعرف عليهم إلا كأبناء طوائف فاقدين لكرامتهم وعزتهم أي كرعايا.

في شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، تظهر للمرة الأولى إرادة الناس في الميدان، أصحاب الحق الأساسيين في إدارة شؤونهم اليومية استنادًا للحق والقانون، مقابل إرادة الأسد، المستندة إلى حكم البطش والقوة، التي ترفض الاعتراف لهم بأي حقوق سياسية. وعلى رأسها الحق في حرية التعبير، كما الحق في تأسيس الجمهورية، وتحديد الشروط الدستورية لفعاليتها.

في شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، تظهر للمرة الأولى إرادة الناس في الميدان، أصحاب الحق الأساسيين في إدارة شؤونهم اليومية

أعادت الجدية الظاهرة لوضع "قانون قيصر" موضع التنفيذ، الأمل في عود السياسة لجميع السوريين مولاة ومعارضة، كونها حملت في خطها العريض الرغبة في إلزام النظام الاستبداي بالعودة إلى فكرة الانتقال السياسي، الأمر الذي أعطى الأمل بتحول السوريين إلى شعب سياسي من جديد.

اقرأ/ي أيضًا: "هذا زمان آخر".. احتجاجات السويداء تتوسع رغم التعزيزات الأمنية

ومع أن قابلية الرئاسة الأسدية للتسليم بحق السوريين باستعادة دولتهم التي عاثت بها فسادًا، فإن الأمل يظل معقودًا على إعلان مزيد من السوريين لإرادتهم الحرة،على خطى أهل السويداء. وإلا فإن المرء يظل يمني النفس بتصدع طائفة الرئيس ذاتها، وتحولها من جماعة خارج المجتمع إلى جزء حميمي منه. وأن تقتنع بأن المضي في الدفاع عن مثل هكذا نظام، لايتعدى الدفاع عن نظام مولد للحرب الأهلية، وإن الحرب التي يظل يفكر بشنها على خصومه المفترضين، ستأكل الأخضر واليابس بمن فيهم هم أنفسهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تجدد التظاهرات المطالبة برحيل الأسد لليوم الرابع

حجز النظام السوري لأموال رامي مخلوف.. ما دور روسيا؟