حجز النظام السوري لأموال رامي مخلوف.. ما دور روسيا؟

حجز النظام السوري لأموال رامي مخلوف.. ما دور روسيا؟

ينقلب النظام السوري على بنية الفساد التي أنشأها (فايننشل تايمز)

مع تصاعد الأزمة الاقتصدية التي يعيشها النظام السوري، ومحاصرة حلفائه الروس والإيرانيين بقانون قيصر، يحاول نظام الأسد إيجاد مخرج من أزمته بالاعتماد على بنية الفساد التي أنشأها بنفسه، وتتمثل بقرارات الحجز الاحتياطي الأخيرة على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من أبرز "رجال الأعمال" وتجار الأزمة النشطين في دائرته.

مع تصاعد الأزمة الاقتصدية التي يعيشها النظام السوري، ومحاصرة حلفائه الروس والإيرانيين بقانون قيصر، يحاول نظام الأسد إيجاد مخرج من أزمته بالاعتماد على بنية الفساد التي أنشأها بنفسه

الحجز الاحتياطي.. طلب روسي

يدين معظم كبار رجال العمال في سوريا وعلى رأسهم رامي مخلوف لنظام الأسد الذي أباح لهم الإثراء غير المشروع، وإثر تنامي الأزمة الاقتصادية في سوريا أصدرت مديرية الجمارك العامة التابعة للنظام قرارًا بالحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من الشركات ورجال الأعمال السوريين، من بينهم رامي مخلوف ابن خال رئيس النظام بشار الأسد.

اقرأ/ي أيضًا: كيف حصل حلفاء الأسد على 18 مليون دولار من الأمم المتحدة؟

وينص القرار على وضع الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لرامي مخلوف وعلي محمد حمزة ومحمد خير العمريط وباهر السعدي، إضافة إلى الحجز على أموال زوجاتهم.

رجل الأعمال البارز محمد حمشو وهو نائب في مجلس الشعب ورئيس مجلس رجال الأعمال السوري الصيني، وأمين سر عام اتحاد غرف التجارة السورية، كان بين أسماء 34 اسمًا جديدًا ضمن قائمة تداولها بعض الصحفيين السوريين، بدت أنها من مصدر واحد، وأكدت أن أولئك شملتهم قرارات حجز احتياطي.

قرارات الحجز الاحتياطي شملت رجال أعمال كبارًا إضافة لرامي مخلوف مثل طريف الأخرس أحد أقارب زوجة الأسد، وأيمن جابر أحد مؤسسي ميليشيا "صقور الصحراء"، وصهر رئيس غرفة تجارة وصناعة اللاذقية كمال الأسد. وكانت قناة روسيا اليوم وصفت أيمن جابر بأنه أحد "رجال أعمال الأزمة".

ونص القرار على وضع الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لجابر، إضافة إلى أحد مساعديه، فائز حبيب شاهين، وشركة الجزيرة المتحدة للنقل العام وتجارة المشتقات النفطية والخدات النفطية المسجلة في بيروت.

ويضع القرار الحجز الاحتياطي أيضًا على شركة "آبار بتروليوم سيرفسز" (أوف شور) المسجلة في العاصمة اللبنانية بيروت.

وأشار القرار إلى مخالفة المحجوز على أموالهم عملية الاستيراد من خلال التهريب، وقدرت المبالغ بأكثر من مليار ليرة سورية إضافة إلى الغرامات المترتبة عليها.

وقالت مصادر لـ صحيفة "العربي الجديد" إن "الزج باسم رامي مخلوف في قائمة الحجز ربما كان رسالة للآخرين بعدم استثناء أحد"، مشيرين إلى أن "رامي موضوع على القائمة، وسيستمر التضييق ونبش الأوراق حتى يغادر". وبحسب الصحيفة فإن "الأسد ينفذ ما تمليه روسيا، وسيتم تفكيك الكتلة المالية الصلبة القديمة حول بشار الأسد، وربما مخلوف في مقدمتها، لمنح ثقة لمن يريد أن يعود من مصر وغيرها، ولإنهاء فترة سطوة رامي مخلوف ومشاركته الإلزامية لأي رجل أعمال يستثمر في سوريا".

وفي العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي أصدر المصرف المركزي السوري قرارا بتجميد حسابات ثمانية من رجال الأعمال من بينهم طريف الأخرس، وسط أنباء عن نية النظام الضغط على دائرة المنتفعين منه بهدف الإيداع في حساب دعم الليرة السورية التي تجاوزت في الأيام الماضية 900 ليرة أمام الدولار الواحد.

المرصد السوري لحقوق الإنسان رأى أن القرار "لا يبدو مفاجئًا من الناحية الإجرائية لا سيما بعد خطوات تشبه التأميم طالت شركة الاتصالات سيرياتل، كبرى شركات مخلوف، والتي تتحول ملكيتها حاليًا إلى الدولة السورية، إضافة لجمعية البستان الخيرية التي طالها نفس المصير".

وتحدثت الأنباء لعدة أشهر عن خلافات بين بشار الأسد، وبين ابن خاله رامي مخلوف الذي يسيطر على 60 بالمئة من اقتصاد البلد المنهار.

المرصد أوضح أن الحجز الاحتياطي على الأموال هو إجراء احترازي لضمان سداد الرسوم والغرامات المالية غير المسددة المترتبة عادة على الأفراد أو الشركات لصالح مصلحة الضرائب أو الجمارك أو خزينة الدولة، ويرفع هذا الحجز عادة بعد سداد الرسوم.

ماذا يعني الحجز الاحتياطي؟

يقول رئيس تجمع المحامين الأحرار غزوان قرنفل في حديث لـ "ألترا صوت"، إنه "لا يمكن النظر لهذا القرار بوصفه فقط إجراءً قانونيًا تتخذه سلطة تجاه شخص يملك عشرات المؤسسات والشركات المالية ثبت لديها فساده وإثراؤه غير المشروع، ذلك أن هذا الشخص وكل مؤسساته الاقتصادية جزء من منظومة متكاملة سمحت له أن يتغول ويسطو على المفاصل الاقتصادية لبلد كامل، وبالتالي لو نظرنا للأمر كإجراء قانوني فقط فهو صحيح"، لكن "لا يمكن التعاطي مع هذا الأمر إلا من منظور متكامل لسلطة منخورة بالفساد أجازت للبعض السيطرة على اقتصاد دولة والآن لانها مأزومة تصدر هذه القرارات".

ويضيف قرنفل أن "النظام السوري يفتش في دفاتره القديمة ضمن المنظومة التي أتاح لها الفرص للإثراء غير المشروع ليقدموا طوق إنقاذ للسلطة، إلا أن هذه الجهات تمنعت عن الدفع فصدر هذا القرار الذي سيطبق على الكثير من الأشخاص والمؤسسات ورموز الفساد الذين هم جزء من بنية السلطة التي سطت على أموال السوريين".

ويلفت إلى أن الحجز لا يعني انتقال المال المحجوز إلى سيطرة الجهة الحاجزة، وإنما هو تدبير احترازي ريثما يؤدي الشخص المحجوز على أمواله التزامات معينة رأت السلطة أنه حصل عليها بطريقة غير مشروعة ودفع رسوم وضرائب ممتنع عن أدائها، وإذا بقي ممتنعًا سيتحول الحجز الاحتياطي إلى "تنفيذي" وسيتم بيع الأملاك في المزاد العلني وتصفيتها.

وحول ما إذا كان الحجز يطال أموال رامي مخلوف في الخارج، يوضح قرنفل أنه في حال ذكر القرار "كلمة أينما وجدت" فيشمل الحجز أموال الخارج، لافتًا أن ذلك يشترط اتفاقيات قضائية مع الدول المعنية وأدلة ضلوع بالفساد".

ويتابع بأن "السيولة النقدية ضمن المصارف السورية أول ما يلقى عليه الحجز وهو المشار إليه بكلمة المنقول أي المال السائل، أما غير المنقول فهي العقارات والأراضي، وبطبيعة الحال الحجز يمنع صاحب المال من التصرف بأمواله بيعًا أونقلًا أو شراءً".

وكانت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية نشرت تحقيقًا لمنظمة "غلوبال ويتنس" عن تهريب بشار الأسد وأقربائه من آل مخلوف الأموال إلى العاصمة الروسية موسكو، ويكشف التحقيق أنه في قلب الحي المالي الفاخر يمتلك آل مخلوف ما لا يقل عن 18 شقة فاخرة لإبقاء عشرات الملايين من الدولارات خارج سوريا مع اندلاع الثورة السورية عام 2011.

ما علاقة قانون قيصر؟

يرى مراقبون أن قانون قيصر يعزز الأزمة الاقتصادية القصوى التي يعاني منها النظام، كما أن انهيار الليرة السورية أمام الدولار، يقلص خياراته في مواجهة أي عقوبات أمريكية جديدة عليه، والتي يتوقع أن تشمل ركائزه العسكرية والاقتصادية والسياسية، مما يعني أن أركان النظام ستكون لهم حساباتهم الخاصة بعد إدراكهم لمحدودية قدراته في التصدي للعقوبات والعزلة المفروضة عليه، إضافة لعدم قدرة إيران وروسيا على مساعدته نظرًا لأزماتهما الداخلية.

وفي حال أصرَّ النظام السوري على اتباع سياسة العنف العسكري والتشدد السياسي، فإن القانون بما يحتويه من عقوبات شاملة، قد يشكل بوابة لتفكيك النظام، عبر دفع الخاضعين له والواقعين تحت تأثيره للتمرد على سلطاته، مع تزايد أزماته المعيشية وعجزه عن تقديم حلول واقعية وملموسة، وتعوِّل الإدارة الأمريكية على أن تؤدي إجراءاتها لإضعاف قدرة النظام على السيطرة الداخلية لدفع قطاعات من مؤيديه لرفع صوتهم والمطالبة بوضع حد للأزمة عبر المفاوضات والحلِّ السياسي.

ويرى آخرون أن القرارات هي إعادة تدوير لأموال عائلة الأسد، مشيرين إلى أن الكثير منها غير قابل للتسييل لأنها عبارة عن مشاريع سواء في رومانيا أو بيلاروسيا أو غيرهما، كما أن الذي فرض على مخلوف لا يشكل نسبة أساسية من ثروته قد تكبده خسارة كبرى أو إلى إخراجه من السوق.

وفي وقت سابق كشفت "وثائق بنما" المسربة من شركة "موساك فونسيكا" للخدمات القانونية، عام 2016، أنّ ابني خال بشار الأسد، رامي وحافظ مخلوف، كوّنا ثروتيهما بناءً على استغلال الروابط الأسرية لعائلة الأسد، طوال سنوات.

وأضافت الوثائق أنّه كان على أي شركة أجنبية تسعى إلى القيام بأعمال تجارية في سورية، اللجوء إلى رامي مخلوف الذي سيطر على القطاعات الاقتصادية الرئيسية مثل النفط والاتصالات السلكية واللاسلكية.

كشفت "وثائق بنما" المسربة من شركة "موساك فونسيكا" للخدمات القانونية، عام 2016، أنّ ابني خال بشار الأسد، رامي وحافظ مخلوف، كوّنا ثروتيهما بناءً على استغلال الروابط الأسرية لعائلة الأسد

كما أشارت "وثائق بنما" إلى تسهيل العميد حافظ مخلوف الضابط في الاستخبارات السورية، صفقات أخيه رامي وتقوية نفوذه والقضاء على منافسيه، كاشفة أنّه في عام 1998، كوّن رامي مخلوف علاقات مع المستثمرين الأردنيين في مجال الاتصالات، وفي عام 2002، شارك مخلوف في تأسيس شركة "سيريتل"، وهي شركة الاتصالات الخليوية في سوريا، مشيرة إلى خفايا التزاوج بين المال والسياسة، حيث أوردت تفاصيل عن الملياردير السوري الذي سيطر على اقتصاد البلاد لكونه ابن خال الأسد، مع استثمارات امتدت إلى قطاعات البترول  والاتصالات.